الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 انشاء البنوك الاسلامية كان تلبية لحاجة ملحة في نفوس المسلمين فقد كان الكثيرون يرفضون التعامل مع البنوك التجارية التي تتعامل بنظام الفوائد الثابتة، وبمجرد انشاء بنوك تتعامل وفق القواعد الشرعية أقبل المسلمون على التعامل معها من كل حدب وصوب. واذا كان للبنوك الاسلامية بعض السلبيات فان لها ايجابيات كثيرة لكن المشكلة أن بعض الجهات تتبنى حملات تستهدف تشويه صورة هذه البنوك وتتهمها بأنها لا تتعامل وفق قواعد الشريعة وتضع لافته «اسلامية » كمجرد شعار ليس له تطبيق في الواقع لجذب أموال المودعين. ويطالب البعض بالغاء كلمة اسلامية من البنوك الاسلامية والاكتفاء بأسماء البنوك حتى لا تتميز على البنوك الأخرى من خلال اللعب على وتر الدين. في هذا الحوار مع الدكتورة ماجدة أحمد شلبي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة فرع جامعة الأزهر بالمنصورة نناقش هذه القضية. ما الفرق بين البنوك الاسلامية والبنوك التقليدية ؟ ـ البنوك الاسلامية تقوم على قواعد شرعية لو سارت عليها لاستطاعت القضاء على البطالة وزيادة الانتاج وخفض الاسعار وهدف البنوك الاسلامية احداث تنمية اقتصادية حقيقية وهناك فرق كبير بين بنك يستثمر أموال المودعين في مشروعات وبين بنك يعمل على خلق ائتمان فهذا الائتمان يؤدي الى البطالة وانخفاض الانتاج وبالتالي ارتفاع الأسعار. البنوك الاسلامية تساهم في مشروعات حقيقية وتوجد نقودا حقيقية وهي تركز على المشروعات ذات الحاجة الضرورية لمصلحة الشعب ولا تنظر الى الربح وانما تنظر الى العائد الاجتماعي على المواطنين لذلك فهي تعمل من أجل انتاج السلع الضرورية وتشغيل أكبر عدد من أبناء الشعب أما البنوك التجارية فلا هدف لها من مشروعاتها الا الربح بغض النظر عما اذا كانت هذه المشروعات ضرورية أو لا تحقق مصلحة الشعب أيضا يعمل البنك الاسلامي وفق الشريعة الاسلامية أما البنك التجاري فيتاجر في النقود والمديونيات ويخلق الائتمان ويضمن حقه في الاقتراض وسعر الفائدة ولا يهتم بالفائدة التي تعود على الناس من مشروعاته. ليست النموذج ـ هل البنوك الاسلامية الموجودة في مصر تمثل هذا النموذج الذي تتحدثون عنه وتطبق نفس المبادئ ؟ ـ البنوك الموجودة في مصر لا تمثل نموذجا جيدا للبنوك الاسلامية لأن الحكومة تهيمن عليها فالصرف الاسلامي الدولي تسيطر عليه بنوك القطاع العام الأربعة وهي بنك القاهرة وبنك مصر بنك الاسكندرية والبنك الأهلى المصري أما بنك فيصل فتسيطر عليه وزارة الاوقاف من ناحية آخرى قد تتشابه معاملات هذه البنوك مع البنوك التجارية لذلك يتجرأ عليها البعض ويتهمونها بأنها ترفع شعار الاسلام ليس الا لجذب الودائع وتضليل العملاء وخداعهم. والبنوك الاسلامية لها قواعد ومبادئ شرعية لو التزمت بها لاستطاعت تحقيق تنمية حقيقية في المجتمع لأنها بنوك انتاجية استثمارية فهي تمنح كمية من النقد الحقيقي وتمول المشروعات ولا تخلق الائتمان أما البنوك التجارية فتعطي كمية من النقود غير حقيقة لذلك يزيد النقد عن الانتاج فترتفع الأسعار ويحدث التضخم وأؤكد أن أي بنك يتعامل بسعر الفائدة فانه غير اسلامي. حرام ـ البعض يرى أن نظام الفائدة الذي تتعامل بمقتضاه البنوك التجارية حلال ولا شبهة فيه للربا. فما تعليقكم ؟ ـ القضية ليست فقط سعر الفائدة وانما ما الذي يعود على المواطنين من المشروعات التي تقوم بها هذه البنوك نحن نريد زيادة الانتاج وتشغيل الأيدي العاملة العاطلة وتخفيض الاسعار التي ترتفع بسرعة مذهلة ومن المعلوم ان كل قرض له فائدة فهو ربا والربا في الاسلام حرام وقد أجمع علماء وفقهاء العالم الاسلامي على أن فوائد البنوك ربا. وهناك فتوى أصدرها المجلس الاعلى للشئون الاسلامية في مصر منذ عام 1965 بتحريم الفائدة وكذلك فتوى الشيخ جاد الحق على جاد الحق ـ رحمه الله ـ وهناك أيضا فتاوى للدكتور يوسف القرضاوي والشيخ عبد العزيز بن باز وقد تتبعت جمعية الاقتصاد الاسلامي الفتاوى التي تحرم الفائدة البنكية وجمعتها وطوال التاريخ الاسلامي منذ انشاء البنوك في العالم الاسلامي لم يتجرأ أحد على القول بأن فوائد البنوك حلال. لكن الواقع كان يسير كيفما شاء القائمون على البنوك أما الآن فقد تغير الوضع ـ لظروف وأسباب لا نعلمها ـ وأصبحنا نسمع عن فتاوى تحلل هذه الفوائد. وللأسف يزعم البعض أن هذا مجرد خلاف في الرأي وأن اختلاف الائمة رحمة لكن كثيرين منا للأسف لا يقولون ما يقتنعون به. ـ هل تختلف المشروعات التي تمولها البنوك الاسلامية وتلك التي تمولها البنوك التجارية ؟ ـ هذه نقطة مهمة فالبنوك الاسلامية لا تمول ولا تعمل في السلع الشرعية التي أحلها الله ودعا الى انتاجها لأنها تحقق مصالح وحاجات الناس أما البنوك التجارية فيمكن أن تساهم في انشاء كازينو أو حانة أو صالة قمار ما دامت تضمن العائد وسعر الفائدة كما أنها لا تضع شروطا على المقترض أما البنوك الاسلامية فلا تساهم الا في المشروعات الحلال التي تحقق رفاهية الناس وتلبي احتياجاتهم. دعاية ـ لماذا تهاجم البنوك الاسلامية في بعض الاحيان ؟ ـ ربما يكون هذا الهجوم مجرد دعاية للبنوك التقليدية خاصة في ظل نجاح البنوك الاسلامية وتفوقها وبالتالي تحاول البنوك الأخرى منافستها وقد يلجأ البعض في اطار المنافسة الى أساليب غير شريفة، وأعتقد أن الهجوم على البنوك الاسلامية ليس في مصلحة أحد لأنها جزء من النظام المصرفي وتعمل من أجل الاقتصاد الوطني لكن للأسف البعض يدعي أننا نجامل البنوك الاسلامية حينما سمعنا نقول هذا الكلام. ـ هل تعتقدون أن هذا الهجوم يقلل من عملاء البنوك الاسلامية؟ ـ لا لأن المسلمين متلهفون على التعامل مع تلك البنوك التي تلتزم بضوابط الشريعة واذا كانت هناك بنوك تخالف هذه الضوابط فعليها الوزر وحدها والبنوك التجارية تتصور أنها تستطيع جذب مودعي البنوك الاسلامية اذا نجحت في تشويه صورة هذه البنوك وهذا خطأ وهذا لن يحدث الا اذا أعلنت البنوك الاسلامية أنها لا تتعامل وفق الشريعة الاسلامية وهذا لن يحدث أيضا لذلك يقول رؤساء البنوك التجارية نحن لا نتعامل بالربا وكل معاملاتنا حلال ولا نساهم الا في مشروعات حلال. كل ذلك خوفا من افلاس بنوكهم. اعادة تقييم ـ هل نستطيع القول أن البنوك الاسلامية تمثل تجربة ناجحة ؟ وما أهم الصعوبات التي تواجهها ؟ ـ أريد أن أفرق بين تحقيق النجاح وبين شرعية البنوك الاسلامية فهي ناجحة وتحقق مكاسب كبيرة بالمعيار المادي أما من الناحية الشرعية فلابد من تقييمها لمعرفة مزاياها وعيوبها وما لم تستطع تحقيقه من الضوابط الشرعية. أما الصعوبات التي تواجه البنوك الاسلامية فتمثل في أن باب الاجتهاد قد أغلق منذ سنوات طويلة ولم يعد هناك اجتهاد في المعاملات بالاضافة الى طغيان النظريات الرأسمالية والاشتراكية فهذه النظريات هي التي يتم دراستها في المدارس والجامعات أما الاقتصاد الاسلامي فلا يدرس بصفة رسمية وأن كان بعض أساتذة الاقتصاد يدرسه بصفه غير رسمية وهذا ترتب عليه مشكلة أخرى تتمثل في عدم وجود الكوادر الفنية المؤهلة للعمل في المصارف الاسلامية فالبنوك الاسلامية تحتاج الى كوادر تجمع بين دراسة الاقتصاد والعلوم الشرعية وفقه المعاملات وهذه الكوادر غير موجودة فتلجأ الى اقتراض فنيين من البنوك التقليدية وهؤلاء اعتادوا العمل في بنوك ربوية وربما يكون ولائهم لها أكبر من اهتمامهم بالبنوك الاسلامية وحرصهم على نجاحها فمن يعمل في البنوك الاسلامية لابد أن يؤمن برسالتها النبيلة ـ بعض الدول الغربية بدأت في انشاء فروع اسلامية في بنوكها فعلام يدل ذلك ؟ ـ بكل أسف البنوك الأجنبية بدأت تتجه الى الأخذ ببعض أساليب الاستثمار الاسلامي مثل بنوك ألمانيا والاقتصاديون الغربيون في شغف شديد للالمام بهذه الأساليب وهناك بعض الكتابات الاقتصادية الغربية في هذا المجال توضح مخاطر سعر الفائدة الثابتة لأنها تؤدي الى خلق مشاكل اقتصادية ومديونيات كبيرة ويرون أنه لا حل لهذه المشاكل الا بتطبيق أساليب الاستثمار الشرعية الاسلامية. المستقبل ـ وما هو مستقبل البنوك الاسلامية في تصوركم؟ ـ لو طبقنا المعاملات الاسلامية كما نص عليها الشرع فلن توجد مشكلة اقتصادية في أية دولة اسلامية لكننا للأسف مازلنا نضع اللافتئة ـ اسلامي ـ دون أن نطبق مبادئ الاسلام. فعلي البنوك الاسلامية أن تتجنب الشبهات وأن تسير في طريقها الشرعي دون أن تلتفت الى هذه الثرثرة التي يثيرها من لا يرغبون في وجود مثل هذه البنوك واذا سارت البنوك الاسلامية بالأسلوب الشرعي فسوف تنجح وتحقق التنمية والتقدم للعالم الاسلامي وتجعله يسترجع مكانته. ـ هل نستطيع أن تقول أن الاقتصاد الاسلامي تجاوز مرحلة الولادة وأصبح له وجوده الفاعل والمؤثر؟ ـ الاقتصاد الاسلامي موجود في فقه المعاملات وفي كتب شرعية متعددة لكنها ليست متخصصة ومن يرغب في معرفة الاقتصاد الاسلامي يجد صعوبة كذلك توجهات الدول الاسلامية العلمانية وذلك بتأثير الاستعمار الاجنبي الذي لم يكن يسمح بوجود اقتصاد اسلامي. والاقتصاد الاسلامي تجاوز مرحلة الولادة. فالمعاملات الاسلامية موجودة منذ أكثر من 1400 سنة لكنها لم تأخذ الاهتمام الكافي ولا توجد كتابات متخصصة في الاقتصاد الاسلامي وانما هي قواعد مختلطة بفقه المعاملات واصدار كتب في الاقتصاد الاسلامي يحتاج الى تعاون بين علماء الشريعة والاقتصاد وللأسف الكتب الموجودة حاليا في الاقتصاد الاسلامي ليست رائجة مثل الكتب الخاصة بالاتجاهات الاقتصادية الأخرى. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: