الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 تمر الشهور وتنقضى الايام والسنون، وربما لا تتحرك في الانسان مشاعره ولا يستيقظ له ضمير، وما ان يهل شهر الفضائل بطلعته ويطل بأنواره تشرئب الاعناق متطلعة الى النفحات القدسية، وتهتز القلوب تغشاها الرحمات الإلهية، وتتحرك الشفاه بالاذكار الربانية، وكأن الارواح قد انخلعت من العالم المادي وارتقت الى العالم العلوي وانسلخت من العالم السفلي فسمت الى الملأ الأعلى تسبح في فيوضات الأنوار. فرمضان شهر عظيم ميمون الغدوات مبارك الروحات، تهب فيه روح الجنان ففيه تقل الشهوات فينتصر الانسان على نفسه فلا يكون اسيرا لميوله ورغباته وبهذا الانتصار يستطيع الانسان ان يواجه تقلبات الدهر وعاديات الأيام فليس في الدنيا نعيم يدوم، ولا توجد فيها عيشة راضية تحظى بالاستقرار والأمن، بل هي حبال معقدة متشابكة ومضايقات مترادفة: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل وان اصدق وصف لواقعها قول سيدنا الامام علي كرم الله وجهه حينما سئل عن الدنيا فقال: «وكيف أصف دارا من صح فيها سقم ومن امن فيها ندم ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، فهي ان اقبلت ادبرت وان حلت اوحلت وان دنت اودنت (أي تراجعت) وان كست أوكست (أي فرغت) في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي متشابهها عتاب». وفي هذا الشهر الكريم تقل الذنوب، فالمؤمن الصائم لا يقترب اثما ولا يرتكب جريمة، ولا يرمي احدا ببهتان فهو صائم عن جميع الشهوات بالامساك عن الطعام والشراب وبجوارحه عن الأذى، وبقلبه عما سوى الله، فيزول الران فيصل العبد الى عالم الحقيقة والمشاهدة فيعاف الدنيا ويحب لقاء الله. وفي هذا الشهر العظيم تهتز اريحية المؤمن الصائم بالجود والعطاء والبذل والسخاء وتحلو له القناعة ويحاول جاهدا ان يتفرغ من حب الدنيا لأن غرامها رأس كل خطيئة وتركها رأس كل عبادة وفضيلة. ونرى ذلك واضحا في تعاليم النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. فعن ابي ذر الغفاري رضي الله عنه ان رجلا جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أوصني يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر، وأقلل من الذنوب يسهل عليك الموت، وقدم مالك أمامك يسرك اللحاق به، انه ليس بفائت ما قد قسم لك، ولست بلاحق ما قد زوى عنك، ولا تكن جاهدا فيما اصبح نافدا، واسع لملك لا زوال له في منزل لا انتقال عنه». وفي هذا الشهر الفضيل يفتح الله للمؤمنين بابا ربانيا ويحبب اليهم العبادة فيكبرون ويهللون ويتدارسون كتابه الكريم فيما بينهم تحفهم الملائكة وتتنزل عليهم السكينة، فيفترشون الجباه والركب لله رب العالمين، ويحنون الى الليل حنين الابل فتتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون اموالهم للمساكين والمحتاجين سرا وعلانية، فتكون هناك وشائج وصلات بين الاغنياء والفقراء بالرحمة والبر والتعاطف. ان الصيام شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وأنه شهر التربية والتهذيب ففيه تهذب النفس، ويكبح جماحها فتتوارى عن الفخر والرياء، وتبتعد عن الكبر والاستعلاء حليتها التواضع وشعارها الذل لله رب العالمين. واننا نستوحي هذه المعاني التي ذكرناها آنفا من الحكمة التي شرع لاجلها الصوم. ولعلنا نلمس ما يؤيد ذلك في هذه الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). فهو نداء الهي يقرع الاسماع ويهز اوتار القلوب، يحرك في المؤمن المشاعر يبين ان الصوم شريعة قديمة فرضها الله لاصلاح البشر وليوصلهم الى تقوى الله تعالى ولن يصل العبد الى التقوى الا اذا تخلق واتبع ما جاء به نبي الامة وكاشف الغمة صلوات الله وسلامه عليه. ان تقوى الله تعالى ان يجدك حيث امرك وان يفقدك حيث نهاك. وقد عرفها الامام الجليل سيدنا علي بن ابي طالب كرم الله وجهه بأنها الخوف من الجليل والعمل بما في التنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل. ان من الملامح الايجابية للصوم، الوحدة الكاملة، فإن المسلمين جميعا يشعرون بترابط تام ووحدة متماسكة، ألا تراهم يأكلون الطعام باذن عام ويمسكون عنه بأمر عام، وهذا الاذن وذلك الامر هي كلمة (الله اكبر) تتردد في اصداء الوجود وتغمر الاكوان. ولقد كان هذا الشهر ميمون الطالع لدى المسلمين، فقد انتصروا فيه في أول غزوة ـ بدر الكبرى ـ وكانت هذه الغزوة استهلالاً لقيام الدعوة الاسلامية الظافرة الى الابد. وكان فيه الفتح العظيم مكة المكرمة وبعدها دخل الناس في دين الله زمرا وجماعات وارتالا وأفواجا. فهلا ثاب المسلمون الى رشدهم ورجعوا عن غيهم وتعاونوا على البر والتقوى، والتفوا تحت راية هذا الكتاب المنير فلقد اخبر الصادق المصدوق: «ان من ابتغى الهدى في غيره اضله الله، ومن تركه من جبار قصمه الله». وقال عز من قائل: (ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى). ولا يصلح اخر هذه الامة الا بما صلح به أولها، واننا لنضرع الى الله ان يجعل الشهر الكريم فتحا للمسلمين فلنا كبير الرجاء في الله ان يستعيد المسلمون اراضيهم ودولهم من نير الغاصبين ويرفعوا راية التوحيد خفاقة عالية وينشروا العدل والميزان في الارض ليكونوا خير امة اخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. احمد الريح أبو عاقلة