الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 كثير من المسلمين ينتمون إلى الطرق الصوفية ويطلق عليهم اسم المتصوفة لكن هناك أيضا من لا ينتمى إلى هذه الطرق ويسلك سلوكا صوفيا ذلك لأن التصوف سلوك وليس مجرد انتماء للطرق واذا كان أتباع الطرق الصوفية هم من الرجال فإن هناك بعض السيدات تعد التصوف مجال اهتمامهن ودراستهن ولهن فيه بحوث ودراسات كثيرة ومن بين هؤلاء الدكتورة عفاف زيدان العميد السابق لكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر التي نلتقيها فى هذا الحوار لنتعرف على رؤيتها للتصوف وأسباب اهتمامها به. ـ لماذا لا توجد سيدات متصوفات فى هذا العصر فى حين عرفت سيدات فى الماضى بذلك مثل رابعة العدوية؟ ـ كل انسان لابد ان يمر فى حياته مهما كان شأنه بلحظة أو لحظات من الصفاء يخلو فيها إلى نفسه خاصة عندما تواجهه بعض الشدائد والأخطار وهذه اللحظات قد تتجلى فى رؤية صادقة أو نبوءة تتحقق أو الخروج من أزمة صعبة لم يكن يتصور الخروج منها والقول بعدم وجود سيدات متصوفات فى هذا العصر حكم عام يحتاج إلى مراجعة لأن حقيقة التصوف قائمة على السرية وعدم البوح بالتفاصيل وربما تكون هناك سيدات مثل رابعة العدوية لكن لا نعلم عنهن شيئا. حركة ايجابية ـ هل تعتقدين ان للتصوف دورا يمكن ان يقوم به فى عالمنا المعاصر؟ ـ التصوف له دوره فى كل زمان ومكان لأنه فى جوهره سلام مع الله وسلام مع النفس ومع المجتمع وهو حركة ايجابية تدعو إلى الخير والرضا والتوكل وإلى القناعة والعفاف وهو دعوة إلى العمل الجاد ابتغاء مرضاة الله والتصوف فى جوهره هو الصورة المثلى لحقائق الإسلام. آراء متعددة ـ ما معنى كلمة تصوف ؟ ولماذا تختلف حولها الآراء؟ ـ العلماء اختلفوا فى أصل كلمة التصوف ولم يحسم هذا الخلاف حتى الآن فالبعض يرى انه مشتق من الصفاء أو الصفوة فى حين يرى آخرون ان كلمة صوفى تنسب إلى الصوف الذى كان يلبسه الزهاد فى الماضى فى حين يؤكد فريق ثالث ان التصوف نسبة إلى الصفة التى عرف بها بعض الصحابة فكان يطلق عليهم أهل الصفة وهؤلاء كانوا من الزهاد الفقراء الذين لا مسكن لهم ولا مال وكانوا يسكنون صفة المسجد وهناك أقوال آخرى كقولهم ان الصوفى ينسب إلى الصف الأول فى الصلاة وفى دروس العلم إشارة إلى ان هؤلاء الناس كانوا أسرع إلى الصف الأول فى المساجد عند الصلاة وعند انعقاد دروس العلم. وهذا الخلاف موجود منذ القدم فالقشيرى كان يقول : التصوف اسم جامد غير مشتق ولا يشهد بهذا الاسم من حيث العربية قياس بين ولا اشتقاق واضح لأن مصدر صفاء صفو وهو جامد غير مشتق وتحدث ابن تيمية عن سبب تسمية المتصوفة بأنهم نسبوا إلى لباس الصوف فقيل فى أحدهم صوفى وليس طريقهم مقيدا بلباس الصوف ولا هم أوجبوا ذلك ولا علقوا الأمر به لكنهم أضيفوا إليه لكونه ظاهر حالهم ثم يقول أما لفظ الصوفية فلم يكن مشهورا فى القرون الثلاثة وانما اشتهر المتكلم به بعد ذلك ونقل عن أحمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وسفيان الثورى وحسن البصرى انهم تكلموا به. صدر الإسلام ـ متى نشأ التصوف اذن ؟ وهل هو ظاهرة قديمة أم حديثة؟ ـ بعض العلماء يحاولون ارجاع التصوف إلى عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويستند هؤلاء إلى القول بأن التصوف هو تطور لمفهوم الزهد الذى شاع فى المجتمع الإسلامى فى صدر الإسلام بشكل خاص فى خراسان والبصرة والكوفة فقد كان الغالب على المسلمين فى عهد النبى الإقبال على الآخرة بنفس درجة الإقبال على الدنيا لكنهم لم يكونوا فى حاجة إلى ان يوصفوا بصفة أخرى غير صفة الصحابة حيث ان شرف مصاحبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يدانيه شرف آخر وكذلك بالنسبة للتابعين، كان هذا الوصف يغنيهم عن أية ألقاب أخرى لكن جدت فى القرن الثانى ظروف اجتماعية واقتصادية نجمت عن الفتوحات والاختلاط بالشعوب الأخرى وأدى ذلك إلى انصراف بعض الناس عن أمور الدين والانغماس فى ملذات الحياة لذلك ظهرت جماعة من المسلمين انصرفت إلى حياة الزهد والتقشف بإرادتها وهؤلاء كانوا من كبار التجار والأثرياء والتجار لكن الرأى الراجح ان التصوف لم يظهر إلا فى القرن الثانى من الهجرة. رموز واشارات ـ ذكرت ان التصوف أثرى اللغة العربية والأدب العربى كيف كان ذلك؟ ـ الصوفية لهم الكثير من الرموز والإشارات والتعبيرات الخاصة بهم والتى لا يعرف أحد غيرهم معناها ومغزاها لذلك كان لهم الفضل الكبير فى إثراء اللغة العربية بالكثير من هذه الرموز والإشارات وهذا دعا بعض الشعراء إلى استخدام هذه الرموز ولذلك نشأ فن جديد من فنون الأدب يعرف بالشعر الصوفى. ـ يقال ان التصوف تأثر بالأديان والتيارات الآخرى غير الإسلامية وان مصادره ليست اسلامية فما مدى صحة ذلك؟ ـ نعم البعض يذكر ان هناك تأثيرات فارسية خاصة مع اختيار جماعات فارسية كثيرة للتصوف وذهب بعض الدارسين للتصوف إلى ان المتصوفة الأوائل كانوا من الفرس حتى وان عاش بعضهم فى مدن عربية مثل الفضل بن عياض الذى عاش فى الكوفة ومعروف الكرخى والسرى السقطى اللذين عاشا فى بغداد هذا بجانب كثرة تناول شعراء الفرس لموضوعات التصوف مثل أبى سعيد فى رباعياته والعطاء والرومى فى مثنوياتهما وحافظ فى غزلياته وجامى فى قصائده ورغم انبثاق التصوف عن الروح الفارسية إلا ان مبادئ التصوف تطورت واكتسبت طابعها الفلسفى بفضل من جاء من المتصوفة بعد ذلك من غير الفرس مثل أبى سليمان الدارانى وذى النون المصرى اللذين كانت لهما بصمة كبيرة فى إرساء مبادئ وقواعد التصوف لكننى اعتقد ان شيوع ظاهرة التصوف فى الأدب الفارسى دليل على ان التصوف عريق فى فارسيته فالذى يقرأ أشعار الشعراء الكبار من الفرس مثل سعدى والعطار وجلال الدين الرومى يلاحظ انهم تغنوا بمبادئ التصوف وزينوها وصاغوها بأسلوبهم الجميل وأخيلتهم الرائعة وعرضوا فى أشعارهم ما سبق لأقطاب التصوف ان وصلوا إليه من آراء وأفكار. ـ هل للقصص التوضيحى الذى حفل به الشعر الفارسى علاقة بالتصوف؟ ـ الشعر الفارسى حافل بالقصص التوضيحى وهذا النوع من القصة عبارة عن حكاية صيغت لتجسيد وتوضيح فكرة من أفكار الحب فى اطار عرض كامل لنظرية شاملة مثل حكايات الحب الموجودة فى المثنوى لجلال الدين الرومى وقصة يوسف وزليخا لعبدالرحمن الجامى وعلى سبيل المثال تناول جلال الدين الرومى فى المثنوى حكاية عشق ملك لإحدى الجوارى وهو فى هذه القصة يعرض لقضية الحب المجازى ويرى انه حب فان لا دوام له أما الحب الإلهى فهو الباقى الدائم. ومن القصص التوضيحى أيضا قصة يوسف وزليخا لعبدالرحمن الجامى ونظمها فى عام 888 هجرية فى قالب المثنوى ويقترب عدد أبياتها من أربعة آلاف بيت ولم يقتصر الجامى على عرض الجانب الصوفى وهو الجانب الجديد فى صياغته لكنه تناول ألوانا متعددة من الحب كحب الأقرباء مثل حب الآباء للأبناء وحب العمات لأبناء الأخوة ويتناول أيضا حب المرأة للرجل أو ما يعرف فى لغة الصوفية بالحب المجازى وقد استغرق هذا النوع من الحب أغلب المنظومة ثم يختم الجامى منظومته بالحب الصوفى. جهل الحقيقة ـ لماذا يتهم بعض المسلمين التصوف بأنه مخالف للإسلام؟ ـ الذين يتهمون التصوف بذلك يجهلون حقيقته وندعوهم إلى ان يتعرفوا على حقائقه وان يمارسوه وبالتالى يمكنهم الحكم عليه الحكم الصحيح لأن الحكم على الشيء كما يقولون فرع عن تصوره والقول بأن التصوف يتعارض مع الإسلام مخالف للحقيقة لأنه كيف يكون التصوف مخالفا للإسلام وكبار الصوفية يجمعون على ان التصوف علم مقيد بالكتاب والسنة وكانوا يقولون اذا رأيت الرجل يطير فى الهواء أو يمشى على الماء ويخالف الشريعة فاضرب به عرض الحائط اذن الحكم على المسلم يكون بناء على تمسكه بالكتاب والسنة وليس على أنه متصوف أو غير متصوف. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد: