الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 إذا كنا وصفنا مسجد السلطان حسن بأن حجارته من دموع وزخارفه لم يقدر لها أن تعرف الاكتمال قط، فماذا نقول عن جامع قرطبة؟ هل نقول عنه إنه التجسيد الدامع الحزين لمأساة المجد المفقود؟ أم نصفه بما قاله عنه بعض الفقهاء من أنه المسجد المغيب تحت ركام الخراب وعذاب الاغتراب؟ أم نكتفي بقول الشيخ طه الولي عنه في كتابه «المساجد في الاسلام» إنه: «درة المساجد وتاج المعابد وذروة الفن من طارف وتالد»؟ المشكلة الحقيقة في تناول مسجد قرطبة من المنظور الذي يعنينا هنا، وهو منظور مساهمة الزخرفة في تحقيق جماليات المكان، هو أننا في الحقيقة لسنا امام مسجد جامع واحد، وإنما نحن كما يعبر دكتور ثروت عكاشة أمام إضافات متتالية إلى الأصل الذي شاد صرحه صقر قريش عبد الرحمن الداخل جعلته يبدو وكأنه مساجد ثلاثة عاصرت بناءها سبعة أجيال متعاقبة من المعماريين، فقد بدأ تشييده سنة 780 ميلادية وانتهى سنة 1000 ميلادية. فلنتابع، إذن، جانبا من هذه التحولات التي انتهت بالجامع الى ان يبلغ أربعة أمثال ونصف المثل ما كان عليه في عهد عبدالرحمن الداخل. لا ينبغي لأحد أن يفهم من ارتباط جامع قرطبة باسم الخليفة عبدالرحمن بن معاوية أنه هو الذي أنشأه بعد أن وثب على الاندلس في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور فانتزعها من الوالي العباسي يوسف الفهري، فواقع الأمر ان المسجد كان قائما منذ فتح الله شبه الجزيرة على المسلمين في عهد الخليفة الوليد بن عبدالملك عام 92 هجرية (710 ميلادية). وقد بنى الجامع للمرة الأولى في ذلك العام مع استيلاء مغيث مولى عبدالملك بن مروان على قرطبة، غير أنه كان بناء متواضعاً لا زخرفة فيه ولا نقش، حيث عمد المسلمون الى الاقتداء بما قام به أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد في دمشق بتوجيه من عمر بن الخطاب رضي الله عنه من اقتسام الكنيسة الكبرى مع المسيحيين، فتظل لهؤلاء في قسمهم كنيستهم، ويشيد المسلمون في قسمهم مسجدهم. ويوضح لنا المقري في كتابه «نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب» السر في قيام عبدالرحمن الداخل بشراء القسم الذي كان للقوط لقاء مئة ألف دينار وهدمه مع المسجد القديم ليشيد مكانهما صرحاً بلغت تكلفته ثمانين ألف دينار، ذلك أن قرطبة كانت في ذلك العهد قد ازدحمت بالمسلمين، فضاق عنهم المسجد حتى شقت عليهم الصلاة فيه، وتعددت سقائفه حتى لم يعد بوسع الواحد منهم أن يصلي من دون ان يحني رأسه لانخفاض السقف، فجأروا بالشكوى إلى عبدالرحمن بن معاوية الذي حل المشكلة حلاً جذرياً بمأثرته الخالدة تلك. ومعروف أن الجامع قد قام على بقعة صخرية، تقع في نهاية جنوب غربي مدينة قرطبة، على مقربة من القنطرة العربية القديمة المبنية فوق نهر الوادي الكبير. ولكن كيف بدا الجامع للعيون بعد أن انتهى عبدالرحمن الداخل من عمارته؟ تحولات وتجليات إختلف المؤرخون في المدة الزمنية التي استغرقها عبدالرحمن الداخل في بناء الجامع، فقيل إنه استغرق في ذلك عاماً كاملاً، وقيل بل ثلاثة أعوام، وقيل بل ستة اعوام، وايا كانت المدة المستغرقة في الانجاز فقد أسفرت عن نتائج جديدة بكل ما بذل فيها من جهد، حيث جلب عبدالرحمن الداخل الأعمدة لبيت الصلاة من بلدان شتى بما في ذلك ايطاليا وقرطاجنة، كما طلب الرخام الموشى من داخل شبه الجزيرة الايبيرية ومن القسطنطينية. ويشير الاختصاصيون إلى أن هذه الأعمدة لاتزال باقية إلى اليوم في هذا الجامع، وبعضها يختلف عن البعض الآخر، سواء في اللون أو في الخامة، فجانب منها متخذ من الرخام الأبيض، وجانب آخر من المرمر الشفاف، وهي ذات الوان متعددة، فمنها الوردي ومنها الأخضر. وتبعاً لاختلاف الأماكن والمنشآت التي جلبت منها هذه الأعمدة فإن التيجان المركبة عليها تبدو متباينة الطراز، فبعض هذه التيجان تغلب عليه المدرسة الرومانية، وبعضها المدرسة الايونية الاغريقية. ولايزال بمقدورنا ـ حتى اليوم ـ بالاعتماد على الأدلة الأثرية والأدبية أن نرسم ملامح صورة عامة لما كان عليه الجامع الذي شاده عبدالرحمن الداخل، فعرضه يصل الى 75 متراً وطوله أي عمق بيت الصلاة يبلغ 65 متراً، يضاف الى ذلك صحن فسيح تعادل مساحته مساحة بيت الصلاة على وجه التقريب وقد حرص مصمموه على جعل بيت الصلاة فسيحاً، ولكنهم لم يجعلوا للصحن المكشوف أروقة، اي مجنبات. وقد تشكل بيت الصلاة من 12رواقاً موازية لجدار المحراب، و9 أروقة عمودية على جدار القبلة، وكان الرواق الأوسط أكثر اتساعاً من الاروقة الاخرى، وهذا الرواق كان يؤدي الى المحراب. ومن المهم ان نلاحظ ان المقرى يؤكد لنا في «نفح الطيب» ان عبدالرحمن الداخل لم يقصر اهتمامه على جامع قرطبة وحده، بحيث انه: «انتهت مساجد قرطبة ايام عبدالرحمن الداخل الى اربعمئة وتسعين مسجداً، ثم زادت بعد ذلك كثيرا». والمقري نفسه هو الذي يضع يدنا على المسار المدهش الذي سيتخذه جامع قرطبة، حيث حرص كل حاكم في قرطبة على ان يزيد من عمارة الجامع وزخارفه وزينته على نحو يفوق سابقه، ومن هنا فإنه بـ «توالي الخلفاء من بني أمية على الزيادة فيه حتى صار المثل مضروباً به، والذي ذكره غير واحد انه لم يزل كل خليفة يزيد فيه على من قبله، الى ان كمل على يد نحو الثمانية من الخلفاء». على الرغم من ان هشام بن عبدالرحمن بن معاوية زاد على الجامع مئذنة ارتفاعها اربعون ذراعاً الى موضع الأذان، وبنى بآخر المسجد سقائف لصلاة النساء وأمر ببناء الميضأة الواقعة بشرقي الجامع، إلا ان العرف المعماري والتاريخي جرى على اعتبار ان الزيادة الأولى التي أدخلت على الجامع هي تلك التي ارتبطت باسم عبدالرحمن بن الحكم، المعروف بعبدالرحمن الثاني، وقد تمثلت هذه الزيادة التي شرع فيها عام 234 هجرية (848 ميلادية) في اضافة بهوين من كلا جانبيه فكملها أحد عشر بهواً. وكان من الطبيعي ان يحذو عبدالرحمن بن الحكم حذو جده عبدالرحمن الداخل في تأمين الاعمدة اللازمة لزيادته في الجامع، فبعضها جلبه من داخل شبه الجزيرة الايبيرية، والبعض الآخر حمل اليه من المغرب ومن ايطاليا، ولذلك فإن الرخام المستعمل في أعمدة الجامع جاء مختلف الألوان والاشكال تبعاً لاختلاف المصادر، كما ان تيجان هذه الأعمدة اختلفت نقوشها وزخارفها للسبب نفسه، وعلى الرغم من ذلك فإن المعماري الفنان الذي استعملها في زيادة الجامع اجتهد في تنسيقها وفي توزيعها حتى أمكنه صياغتها في طراز موحد. مرة اخرى يمكن القول انه على الرغم من زيادات عبدالرحمن الناصر العديدة في المسجد وأبرزها المنارة التي تحمل اسمه وتعلوها تفاحتان من الذهب وثالثة من الفضة وهي نفسها التي حولها الاسبان الى ما يعرف بـ «برج الاجراس» إلا ان الزيادة الثانية تتمثل في ذلك الذي أنشأه الحكم المستنصر المعروف بالحكم الثاني الذي بويع بالخلافة سنة 350 هجرية، وقد استهل خلافته بالعمل على زيادة الجامع، فبلغ طولها خمسة وتسعين ذراعاً وعرضها من الشرق الى الغرب مثل عرض الجامع نفسه. وأنشأ محرابه الخلاب الذي سنعرض لزخارفه لاحقاً. ومع تعدد الاضافات والمنشآت المنسوبة الى الحكم المستنصر، إلا ان الزيادة الثالثة في الجامع ترتبط باسم محمد بن أبي عامر المنصور، رأس الدولة العامرية، وقد بلغت هذه الزيادة من العمق واتساع النطاق الى حد لم يتردد معه علماء الآثار العربية بالأندلس في تسمية الجامع باسم جامع المنصور، فقد كان الرجل يشترك بنفسه أحياناً في أعمال البناء، وحرص على استرضاء من اشتريت دورهم أو أرضهم تحقيقاً للزيادة، فطيب نفوسهم، وعوضهم إما بثمن منصف أو بعقار له مزاياه. ويمكننا ان ندرك مدى جسامة ما أدخله المنصور من زيادات على الجامع عندما نقرأ في «نفح الطيب» للمقرى قوله: «كان سقف البلاط في المسجد الجامع من القبلة الى الجوف قبل الزيادة مئتين وخمسة وعشرين ذراعاً، والعرض من الشرق الى الغرب قبل الزيادة مئة ذراع وخمسة أذرع، ثم زاد الحكم في طوله مئة ذراع وخمسة أذرع، فكمل الطول ثلاثمئة وثلاثين ذراعاً، وزاد محمد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في عرضه من جهة المشرق ثمانين ذراعاً، فتم العرض مئتين وثلاثين ذراعاً، وعرض كل واحد من اللذين يليانه غرباً واللذين يليانه شرقاً أربعة عشر ذراعاً، وعرض كل واحد من الستة الباقية أحد عشر ذراعاً». وزاد ابن عام فيه ثمانية، عرض كل واحدة عشرة أذرع. لم تتوقف زيادة المنصور بن ابي عامر عند هذا الحد، فقد زاد سعة الصحن المسقوف وزاد سعة الصحن المكشوف بما يعادل ثلث مساحة هذا الصحن وأحاط كل ذلك بسور عظيم فيه سبعة عشر باباً. ومن المعروف ان الصحن المكشوف هو ما يعرف الآن باسم «فناء النارنج» وهذا الشجر القائم الآن هو نفسه الذي زرعه المنصور، وكل ما قامت به سلطات السياحة الاسبانية هو ترتيبه وتنسيقه بالاسلوب السياحي العصري واضافة عدد من أشجار النخيل واقامة بعض النوافير في الفضاء. وهناك ملاحظة مهمة هنا، فقد وصل عدد الأعمدة في زمن المنصور الى 1293 عموداً كلها من الرخام، كان نصيب المنصور من الاضافة والمساهمة في الوصول بها الى هذا الاجمالي 245 عموداً مع أقواسها، وحرص على ان تكون هذه الاعمدة من طراز بقية أعمدة المسجد القديمة وأقواسها، وهي بالفعل تبدو كذلك الى حد بعيد. المحراب والمعجزة باكتمال هذه اللمحة الموجزة عن زيادات الجامع، يبدو لنا جلياً ان من المستحيل حقاً ان نرسم لوحة ولو منمنمة لما فيه من زخارف وتكريسها لجماليات المكان في هذا الجامع، فلنبادر ـ إذن ـ بالاكتفاء بخمس ملاحظات، أو اشارات، أو لمحات، أو ايماءات، سمها ما شئت لكنها جميعاً ينتظمها الايجاز البالغ حول هذا البحر المتلاطم من الزخارف التي لا نظير لها في دار الاسلام. أولا ـ غابة الأعمدة: تتعدد الاحالات والاشارات الى الاطار المرجعي لجامع قرطبة، كما أطل به الى الوجود في حلة مختلفة عن المسجد القديم المتزامن مع الفتح، فتتجاوز آفاق الاختلاف وصولاً الى حد التناقض، فها هو الباحث مايلز دانباي استاذ العمارة بجامعة نيوكاسل يبادر في كتابه «نيران الامتياز» الى الاشارة الى ان مخطط الجامع كما اعتمده عبدالرحمن الداخل مؤسس على نسق الجامع الاموي بدمشق. الاعتقاد نفسه يعبر عنه المستشرق الاسباني كونده في كتابه «تاريخ السيادة العربية على اسبانيا» الواقع في ثلاثة أجزاء والصادر في برشلونة عام 1844 حيث نقرأ قوله: «روي ان عبدالرحمن الأول أراد ان يجعله (أي الجامع) مماثلاً لجامع دمشق على أوسع نطاق». غير ان الدكتور حسين مؤنس في كتابه «رحلة الأندلس» ينقل عن محمد لبيب البتنوني تأكيده من خلال المشاهدة الشخصية والمقارنة المدققة ان عبدالرحمن الداخل بنى جامع قرطبة على نظام المسجد النبوي على نحو ما بناه الوليد بن عبدالملك بالمدينة المنورة. أياً كان الأمر، فإن دكتور ثروت عكاشة يلفت نظرنا الى ان هذا الجامع يعكس استخداماً لبعض العناصر التقليدية، مثل العقد في هيئة حدوة الفرس المكون من صنجات من الحجر الأبيض تتخللها مجموعات متماثلة في الحجم من الآجر الأحمر، ولو ان تصميم المساجد المعروفة المعاصرة له في العراق ومصر يبدو ملموساً في تصميمه، حيث يقتصر بيت الصلاة على مساحة واحدة من ناحية القبلة تتكون من سلسلة من الأروقة المغطاة وأمامه الصحن المكشوف. هكذا فإننا ـ بأبسط المعاني ـ نجد اننا أمام ما عرف بـ «التصميم العربي» حيث يرتفع سقف بيت الصلاة على غابة من الاعمدة، بينما يمتد الصحن فسيحاً ومفتوحاً على الهواء والضوء. لكن هذا الارتفاع ليس أداء وظيفياً فحسب، وإنما هو اجتراح جمالي الى حد بعيد، حيث يعلو السقف الى تسعة أمتار، وهو ارتفاع لا يتم التوصل اليه بشكل مباشر، وإنما المعماري المسلم توصل الى تحقيقه من خلال اقامة عقود عليا فوق العقود السفلى، وتفصل بينها كتل من الاحجار بمقياس كاف لتوفير ركائز تتلقى ارجل العقود العليا التي يفوق سمكها سمك العقود السفلى. هكذا فإن المعماري جعل كل وحدة تتكون من عمودين سفليين وركيزتين علويتين وعقد اسفل وآخر يعلوه، واستكمل الجدران الطولية فوق العقود بارتفاع بسيط أتاح له تركيب عروق خشبية عرضية غطيت بألواح خشبية لتسقيف كل رواق. وقصد الى حجب السطح المستوي للسقف من أسفل بعمل قبوات متقاطعة زائفة تسد الفراغ بين العقود من الشرائح الخشبية المكسوة بالجص. وكان من الحتمي ـ بالطبع ـ حماية السقف من أعلى وتصريف مياه الامطار، ومن هنا شيد أحد عشر جمالوناً، يغطي كل جمالون منها رواقاً، وجعل بين كل منها والآخر مجرى مبطناً بالرصاص. غابة الاعمدة هذه لم تفصح عن التأثير البديع لنسق الابلق وحده، وإنما جمعت بين الوان شتى، حيث كان منها ما هو رخامي أبيض، ومنها المرمري الشفاف أو الوردي أو الاخضر، واختلفت تيجانها بدورها، فمنها ما هو دوري الطراز، أو ايوني أو كورنثي أو مركب. وكان الفراغ المفتوح بين العقد السفلي وباطن العقد العلوي، وهو أقل قليلاً من شبه دائرة لمسة معمارية عبقرية، حيث توجد لدى الرائي انطباعاً قوياً بفضاء لا متناه باتجاه الداخل، وتوحي المنظورات المائلة الطويلة للعقود المتداخلة فوق الصفوف الممتدة بلا انتهاء من الاعمدة بوهم الغابة السحرية، وهو ما يتعزز من خلال التواصل بين الأعمدة في بيت الصلاة والأشجار في «فناء التاريخ» أي الصحن السابح في الضوء والخضرة والعبق. ولابد من الاشارة الى ان العروق الخشبية العرضية والألواح التي غطيت بها لتسقيف كل رواق لم تكن كيانات جرداء تؤدي وظيفتها الخالصة فحسب وإنما زخرفت بتصميمات زخرفية بديعة زوقت بشكل خاص باللونين الذهبي والبني القاتم. ثانيا: المحراب ـ ربما ما كان يقدر لنا حتى الآن ـ أن نرى هذا المحراب الذي يعد آية من آيات الجمال المعماري، لولا ان معجزة حقيقية انقذته ليبقى على مر الاجيال. هذه المعجزة يحدثنا عنها احمد بن المهدي الغزال في كتابه «نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد». وقد كان الرجل مكلفاً من المولى محمد بن عبدالله سلطان المغرب بالقيام بسفارة الى اسبانيا تلبية لملكها كارلوس الثالث الذي طلب من السلطان المغربي ترتيب هذه السفارة لتسهيل اعادة الاسرى المسلمين في اسبانيا الى بلادهم واعادة الاسرى الأسبان الموجودين عند المسلمين الى بلادهم كذلك. يقول الغزال، في غمار وصف طويل لجامع قرطبة، انه وجد المحراب باقياً على حاله لم يحدث القوم فيه تغييرا، ولكنهم حجروه بشباك من النحاس بحيث لا يدخله أحد، وعلم من مرافقيه والقائمين على المسجد بعد جهد شاق بالسر في ذلك، أي بحقيقة المعجزة التي نتحدث عنها، فعدم مساس اسلافهم بالمحراب وما فيه من آي الذكر الحكيم مرده الى ان أسلافهم تشاءموا من عبوره لأمر حدث بسبب دخولهم إياه وكان فيه وبال عليهم، فحجروه بسبب ذلك واستمروا على هذا. أياً كان الأمر، فإن هذا المحراب الفريد من نوعه، جدير حقاً بالتوقف عنده طويلاً انشاء وزخرفة. انظر الى المقرى في «نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب» حيث يقول عنه: «... والجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله.. فيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع قسى قائمة على عمد، طول كل قوس فوق القامة، قد تحير الروم والمسلمون من حسن وضعها، وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان لازورديان ليس لها قيمة لنفاستها، وبه منبر ليس على معمور الأرض أنفس منه ولا مثله في حسن صنعته، وخشبه ساج وأبنوس وبقم، وعمود قاقلي. ويذكر في تاريخ بني أمية انه أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وكان يعمل فيه ثمانية صناع لكل صانع في كل يوم نصف مثقال محمدي، فكان جملة ما صرف على المنبر لا غير عشرة آلاف مثقال وخمسون مثقالاً». لكن ألا يذكرنا هذا النص من المقرى بنص مناظر لابن بطوطة عن قبة الصخرة؟ انه يجمل القول حيث ينبغي ان يفصله، وهو يثير فضولنا بلا حدود لكنه لا يروي ظمأ هذا الفضول وإنما يتركنا في صحراء الحيرة والتساؤل. فما هي طبيعة النقوش التي يشير اليها؟ وما هي بالضبط طبيعة الصناعات التي يلمح اليها ويصفها بأنها تدهش العقول؟ وما هذا الذي استغرق نقشه سبع سنين؟ وما هي بالضبط حكاية الفسيفساء التي قيل انها تأخذ بالألباب وان امبراطور القسطنطينية بعث بها وبمن يحمل خبرة التعامل معها؟ لا يتردد مايلز دانباي في تأكيد ان جانباً كبيراً من الأعمال الزخرفية الجديدة التي أضيفت في توسعة الحكم بن الرحمن تفصح عن امتداد للمهارات والأفكار التي تم تطويرها في مدينة الزهراء، ولكن ابداع الفسيفساء تم الانطلاق به الى ذروة رفيعة من ذرى الحساسية الجمالية الاسلامية. غير انه يستدرك على الفور تقريباً، مشيراً الى النقطتين التاليتين: أـ ان الحكم بن عبدالرحمن، في ضوء العلاقات القائمة بين قرطبة والقسطنطينية، بعث الى الامبراطور البيزنطي طالبا امداده بمواد الفسيفساء وبالمهرة من المبدعين في تركيبها، فبادر الى تلبية هذا المطلب وقام حرفيوه بتدريب نظراء مسلمين لهم على كيفية ابداع اللوحات الفسيفسائية، وأنجز هؤلاء الأخيرون مهمتهم من دون مساعدة من مدربيهم. ب ـ قيل ان المستويات الابداعية في قرطبة في هذا الفن ليست في شموخ نظيرتها المعاصرة لها في أيا صوفيا بالقسطنطينية. ولسنا نشك في أهمية هاتين النقطتين وجدارتهما بالمزيد من البحث والمتابعة والتدقيق، غير اننا نؤثر ان نقترب بشكل أكبر من المحراب من خلال رؤية شاهدي عيان عصريين. أما الشاهد الأول فهو الدكتور سامي الكيالي الذي يقول في كتابه «الربوع الاندلسية» الذي ألفه في ضوء رحلته الى بلاد الاندلس عن المحراب انه: «ازدان بقطع الفسيفساء متعددة الألوان والتي تبهر النظر.. الى مرمر أبيض أملس لايزال محافظاً على بريقه، الى أقواس وعقود رسمت عليها مختلف النباتات. ولعل أكثر ما يروق الناظر الى جمال هذا المحراب الفسيفساء الخضراء ذات البريق المشع وقد ازدانت بآيات من القرآن الكريم، محفورة من الذهب على صفائح متباينة الألوان من زرقاء وحمراء والأعمدة الصغيرة التي أقيمت تحت القبة ما أرشقها، انها أعمدة ذوات تيجان مذهبة. على ان أكثر ما يدهش الانسان ان يرى هذه الألوان وكأن المعماريين والفنانين قد فرغوا من صنعها هذا العام، لا قبل ألف عام». وهناك محاولة اقتراب اخرى من المحراب لا تقل عن سابقتها توفيقاً هي تلك التي نقرأها في كتاب «رحلة الاندلس» للدكتور حسين مؤنس الذي ألفه حين كان مديراً لمعهد الدراسات الاسلامية بمدريد، حيث يقول عن هذا المحراب «انه لا يشبه المألوف من المحاريب، فهو ليس تجويفاً في الجدار مزيناً بالزخارف والألوان، كما هو الحال في غيره من المساجد، بل هو أشبه بصومعة تدخلها من مثل باب المسجد. هذا الباب الزخرفي على هيئة حدوة حصان مرفوعة فوق قواعد من الرخام. أحجار القوس كلها ملونة تزينها الزخارف، يحيط بها من خارج القوس اطار زخرفي. الجدار حول العقد وفوقه منقوش تزينه كتابات. يلي ذلك من أعلى وحتى السقف صف من الاقواس الزخرفية الصماء، يخيل اليك انها تصوير باليد لأعمدة المسجد وأقواسه في زيادة الحكم، وداخل هذه الاعمدة والاقواس زخارف زهرية تضفي على هذه الواجهة خفة ونضارة واطارات قوس الباب مزخرفة بكتابات يزعم ادلاء المسجد لمن يسيرون معهم من السائحين انها أسماء المهندسين الذين بنوا الجامع». ثالثا: الأبواب والنوافذ: سقطت قرطبة في 1236 لتفتح صفحة دامعة في سفر المجد المفقود. ولسنا بين يدي ايضاح ما أحدثه القوم في المسجد الذي حولوه الى كنيسة، لكننا نود أن نشير الى أنه من سوء الطالع ـ ضمن أمور اخرى كثيرة ـ ان القوم كان لديهم تصور انه كلما كان المعبد أكثر اعتاماً كان ذلك أكثر ايحاء بالقداسة والجلال، ومن هنا قاموا باغلاق الامتداد الحر القائم بين بيت الصلاة و«فناء النارنج» وكأنما لم يكفهم ذلك، فالنوافذ ذات التشبيكات التسطيرية البديعة المتناثرة في أرجاء الجامع والتي بلغت في وقت من الأوقات أربعاً وخمسين نافذة هبطت على أيديهم الى ثلاثين نافذة فقط. ونال الأبواب نصيب من هذا التوجه، فأوصد كثير منها بالحجر وطمست زخارفه طمساً. ولكي نعرف ما فقده التراث الانساني في غمار هذا كله يكفي ان نلقي نظرة على الباب المعروف الآن باسم «بورتادي سان استبان» والذي انجزه محمد الأول بن عبدالرحمن. يعكس هذا الباب تقسيماً ثلاثياً محكماً، فهناك الفتحة المركزية الخفيضة التي تعلوها الاسكفة التقليدية ويحيط بها افريزان رقيقان، وهو التكوين الذي غدا مثلاً يحتذى، وثمة رقش ينسب الباب الى محمد الأول بوضوح لا يحتمل لبساً، وعلى الجانبين الى أعلى نافذتان من النوع الذي أشرنا اليه حالاً. وثمة عقد يزخرفه نسق الأبلق الجميل. رابعاً ـ القباب: تلفت القبة التي تعلو البلاطة المواجهة للمحراب النظر حقاً، وهي مؤلفة من قبة تأخذ شكل المحارة تضم في داخلها مثمناً أنشيء عبر مربعين متداخلين، ينهل اليها النور من نوافذ بالرقبة فيضيء الزخارف البديعة التي تجملها والحشوة البديعة ذات الخط الكوفي. ولعله ليس من قبيل الصدفة ـ كما نعلم جميعاً ـ ان هذا التصميم نفسه تم استلهامه في قباب المركز الاسلامي في العاصمة الايطالية روما. وبعد، فإنه ما ان يرد اسم الاندلس على اللسان حتى تدمع العين وينكسر الفؤاد والخاطر. كيف لا وقد طويت منها رايات الاسلام بعد ان ظلت فيها مرفرفة على مدى خمسمئة عام أو يزيد. ويعن للخاطر ما يجري في شرق المتوسط وشبه القارة الهندية، فلا يملك المرء إلا ان يتذكر ما قاله أهل الحقيقة: «البلاء ظهور امتحان الحق لعبده في حقيقة حاله بالابتلاء».