الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 يقول تعالى : «إذ يريكم الله فى منامك قليلاً»[سورة الانفال الآية :43 ] «يأيها الملأ أفتونى فى رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام ومانحن بتأويل الأحلام بعالمين». تحدث ابن سيرين أحد العلماء المسلمين الأقدمين عن تفسير الأحلام والرموز خلف كل مادة داخل الحلم وجاء سيجموند فرويد ليردد نفس ماقاله ابن سيرين. وعند هذا الحد لم يستطع فرويد التقدم أكثر من ذلك وتوقف عند الرؤيا الباطنة ويقرر علم النفس الحديث ما سبق أن قرره القرآن من الترميز وهو إخراج مايراد إخراجه مجملاً فوق رموز وهذه الرموز تحمل نفس المعنى ولا تتحدث صراحة عنه كما أنها تشارك المعنى الأصلى فى مفهومه وهى عادة ماتكون حسية مثل شيء أبصره الإنسان فى الحلم غير أنها عادة ما تكون مبهمة ولكنها رمز إلى نفس المحتوى الواضح والمعقد للمعنى الأصلى وهذه الرموز عادة ما تكون بدائية التكوين ذات معنى انتكاصى لمراحل النمو النفسى فى الصغر لكى تنفس عما بداخل الحالم وهذه الرموز تبيح للحالم إخراج ما هو من أسراره الداخلية التى لا يستطيع تذكرها أو البوح بها ويكون فى صورة لغة سرية من المعانى المرادفة للمقصود من الحلم. وتتجلى هذه الرمزية فى الآية :«يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون» [سورة يوسف الآية :46]. ويقرر علم النفس أيضاً أن هناك أحلام انفعالات وهى تحمل ما يدور فى مزاج الحالم من انفعالات الحب والكراهية وتظهر فى صورة مختلفة كحلم مؤلم وهو ما يسمى كابوس أثناء الليل أو أحلام توتر وهذه الأحلام تنبيه من الأنا إلى أن هناك بعض محتويات اللاوعى بدأت تنفذ من خلال حواجزها وتنبهه لكى يسيطر عليها. كما أن هناك أحلام عقاب وهى ترتبط بأحلام التوتر وهى عقاب للحالم على إخراجه محتويات اللاوعى من حواجزها والأنا هنا يشترك أحياناً مع الأنا الأعلى فى هذا العقاب.وهذه الأحلام وتلك هى ماسبق أن عبر عنها القرآن الكريم بأضعاث أحلام. ويقرر العلم الحديث «أن الايمان له علاقة وثيقة بالشفاء فالقوى المناعية فى الإنسان عندما تضعف يقابلها عامل آخر لا يضعف بأى حال من الأحوال وهو عامل الإيمان. فكلمة هو فى الآية الكريمة «وإذا مرضت فهو يشفين» تعبر عن الثقة وكلمة يشفين تعبر عن القدرة كما أثبتت الأبحاث مؤخراً أن كثيراً من الأمراض المستعصية كالسرطان والروماتيزم والذبحة الصدرية والانهيار العصبى ماهى إلا أعراض بدنية تعبر عن حالات نفسية ناشئة عن اضطراب نفسى مثل القلق والخوف والغضب أدت إلى صدور أوامر من العقل الباطن للأعضاء المصابة كوسيلة من وسائل تدمير النفس والرغبة فى إنهاء الحياة فى حين أن الصراع من أجل الحياة ينبع من داخل الإنسان لأنه خلق ولديه الوسائل الدفاعية التى لو استخدمت الاستخدام الصحيح لأمدته بقوة هائلة تؤدى به إلى الشفاء بل وتقيه المرض. استعملت أجهزة الكترونية مزودة بالكمبيوتر لمراقبة وقياس أى تغيرات فسيولوجية عند عدد من المتطوعين الأصحاء أثناء استماعهم لتلاوات قرآنية. وقد تم تسجيل وقياس أثر القرآن عند عدد من المسلمين المتحدثين بالعربية وغير العربية وكذلك عند عدد من غير المسلمين. وبالنسبة لغير المتحدثين بالعربية مسلمين كانوا أو غير مسلمين فقد تليت عليهم مقاطع من القرآن باللغة العربية ثم تليت عليهم ترجمة هذه المقاطع بالإنجليزية. ويمكن أن يعزى ظهور هذا التأثير للقرآن الكريم إلى عاملين : العامل الأول : هو صوت الألفاظ القرآنية باللغة العربية بغض النظر عما إذا كان المستمع قد فهمها أو لم يفهمها وبغض النظر عن إيمان المستمع. العامل الثانى : فهم معنى المقاطع القرآنية التى تليت حتى ولو كانت مقتصرة على التفسير بالإنجليزية بدون الاستماع إلى الألفاظ القرآنية باللغة العربية. فقد تضمنت سلسلة البحوث القرآنية عدداً من الدراسات المقارنة لمعرفة ما إذا كان أثر القرآن المهدى للتوتر وما يصحبه من تغيرات فسيولوجية عائداً فعلاً للتلاوة القرآنية وليس لعوامل غير قرآنية مثل صوت أو نبرة القراءة بالعربية أو لمعرفة السامع بأن مايقرأ عليه هو جزء من آيات الله القرآنية. فإن هدف هذه المرحلة الثانية هو تحقيق افتراض أن كلمات القرآن فى حد ذاتها لها تأثيرها الخاص حتى لو كانت غير مفهومة لدى السامع. واستناداً إلى القواعد الطبية الثابتة نجد أن التوتر يؤدى إلى نقص مناعة الجسم ضد أى مرض فإنه من المنطق افتراض أن التأثير القرآنى المهديء للتوتر يمكن أن يؤدى إلى تنشيط وظائف المناعة فى الجسم والتى بدورها ستحسن من قابلية الجسم لمقاومة الأمراض. من ذلك كله يتجلى الإعجاز العلمى فى المجال النفسى والعصبى للألفاظ القرآنية فى معالجة التوترات النفسية والعصبية مصداقاً لقوله تعالى :«ألا بذكر الله تطمئن القلوب». وقوله أيضاً «وماجعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به». ولقد أثبت العلم الحديث بالتجارب العملية وباستخدام أجهزة الكترونية التأثير المهديء للنفوس التى تعانى من التوتر والقلق وفى ذلك إعجاز أى إعجاز شهدت به الهيئات العلمية.