الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 في 300 صفحة يتحدث الكاتب والمفكر الكبير عباس محمود العقاد عن شخصية عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وذلك في كتابه «عبقرية عمر».. ويبدأ العقاد كتابه بماذا يعنيه من وصف عبقري ويقول: «لم أر عبقريا يفري فرية» وهي كلمة قالها النبي عليه السلام في عمر رضي الله عنه، وهي كلمة لا يقولها إلا عظيم عظماء، خلق لسياسة الأمم وقيادة الرجال. فمن علامات العظمة التي تحيي موات الأمم أن تختص بقدرتين لا تعهدان في غيرها، أولاهما أن تبتعث كوامن الحياة ودوافع العمل في الأمة بأسرها وفي رجالها الصالحين لخدمتها، والأخرى أن تنفذ ببصيرتها إلى أعماق النفوس فتعرف بالبديهة الصائبة والوحي الصادق فيم تكون عظمة العظيم، ولأي المواقف يصلح، وبأي الاعمال يضطلع، ومتى يحين أوانه وتجب نديته ومتى ينبغي التريث في أمره إلى حين. يقول العقاد كلتا القدرتين كان لهما الحظ الوافر في سيرة عمر بن الخطاب فأين ـ لولا الدعوة المحمدية التي بعثت كوامن العظمة في أمة العرب ـ كنا نسمع بابن الخطاب؟ وأي موضع له كان من مواضع هذا التاريخ العالمي الذي يزخر بكبار الاسماء؟ إنه الآن اسم يقترن بدولة الإسلام ودولة الفرس ودولة الروم وكل دولة لها نصيب في التاريخ. فأين كنا نسمع باسم عمر لولا البعثة المحمدية؟ لقد كان ولا ريب خليقا أن يستوي على مكان الزعامة بين بني عدي آله الأقربين، أو بين قريش قبيلته الكبرى، ثم ينتهي شأنه هناك كما انتهى شأن زعماء آخرين لم نسمع لهم بخير لأنهم عظموا أو لم يعظموا، يعطون البيئة كفاء ما تطلب من جهد ودراية، وهي تطلب منهم ما يذكرون به في بيئتهم، ولكنها لا تطلب منهم ما يذكرون به في أقطار العالم البعيد. وقد كان عمر قوي النفس بالغا في القوة النفسية، ولكنه على قوته البالغة لم يكن من أصحاب الطمع والاقتحام، ولم يكن ممن يندفعون إلى الغلبة والتوسع في الجاه والسلطان بغير دافع يحفزه إليه وهو كاره. لأنه كان مفطورا على العدل وإعطاء الحقوق والتزام الحرمات ما التزمها الناس من حوله. وفي فصل بعنوان «رجل ممتاز» يقول العقاد: يوصف عمر بالعبقرية إذا نظرنا إلى أعماله، ويوصف بها إذا نظرنا إلى تكوينه الذي جعله مستعدا لتلك الاعمال مضطلعا بتلك القدرة بالعمل الذي تستطيعه، لما يتفق أحيانا من وقوف العوائق بينها وبين الإنجاز أو الإتجاه إلى ذلك العمل. إلا أن عمر كان رجلا ممتازا بعمله، ممتازا بتكوينه، وكان وفاء شرط الإمتياز والتفرد في عرف الأقدمين والمحدثين، من المؤمنين بدينه وغير المؤمنين. وأكثر كلام العقاد تشويقا في هذا الكتاب هو مايتعلق بهيبة عمر رضي الله عنه.. يقول العقاد: كان مهيبا رائع المحضر حتى في حضرة النبي الذي تتطامن عنده الجباه، وأولها جبهة عمر. اذن النبي يوما لجارية سوداء، أن تفي بنذرها «لتضربن بدفها فرحا إن رده الله سالما» فأذن لها عليه السلام أن تضرب بالدف بين يديه. ودخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، والصحابة مجتمعون. فما هو إلا أن دخل عمر حتى وجمت الجارية وأسرعت إلى دفها تخفيه، والنبي عليه السلام يقول: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر»! وروت السيدة عائشة رضى الله عنها أنها طبخت له عليه السلام حريرة ودعت سودة أن تأكل منها فأبت، فعزمت عليها لتأكلن أو لتلطخن وجهها، فلم تأكل، فوضعت يدها في الحريرة ولطختها بها. وضحك النبي عليه السلام وهو يضع الحريرة بيده لسودة ويقول لها: لطخى أنت وجهها ففعلت. ومر عمر فناداه النبي: يا عبد الله؟ وقد ظن أنه سيدخل فقال لهما: قوما فاغسلا وجهيكما! قالت السيدة عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن تلك الهيبة أنها كانت رضى الله عنها تتحفظ في زيارة قبره بعد موته، وحكت ذلك فقالت: «مازلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي وأقول: إنما زوجي وأبي، حتى دفن عمر بن الخطاب، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا فتفضلت بعد». وإن من أدب الرسول عليه السلام أنه كان يرعى تلك الهيبة رضى عنها واغتباطا بأثرها في نصرة الحق وهزيمة الباطل وتأمين الخير والصدق وإخافة أهل البغي والبهتان. وقد كان الذين يعرفون عمر أهيب له من الذين يجهلونه.. وتلك علامة على أن هيبته كانت قوة نفس تملأ الأفئدة قبل أن تملأ الأنظار فربما اجترأ عليه من لم يعرفه ومن لم يختبره لتجافيه عن الخيلاء وقلة اكتراثه للمظهر والثياب. أما الذين عرفوه واختبروه فقد كان يروعهم على المفاجأة روعة لا تذهبها الألفة وطول المعاشرة،ومن ذاك أنه كان يمشى ذات يوم وخلفه عدة من أصحاب رسول الله إذ بدا له فالتفت، فلم يبق منهم أحد إلا وحبل ركبتيه ساقط! وتنحنح عمر والحجام يقص له شعره فذهل الحجام عن نفسه وكاد أن يغشي عليه، فأمر له بأربعين درهما. فهي هيبة من قوة النفس قبل أن تكون من قوة الجسد. إلا أنه من هذا كان في منظر الجسد رائعا يهول من يراه، ولا يذهب الخوف منه إلا الثقة بعدله وتقواه. ويقول العقاد أشار عمر في قول صريح حين قال لمن هابوه وتحدثوا بخوف الناس منه: بلغني أن الناس هابوا شدتي وخافوا غلظتي وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه. ومن قال ذلك فقد صدق، فقد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبده وخادمه. وكان من لا يبلغ أحد صفته من اللين والرحمة، وكان كما قال الله: «بالمؤمنين رؤوف رحيم»، فكنت بين يديه سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي. فلم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راض، والحمد لله على ذلك كثيرا وأنا به أسعد. ثم ولي أمر المسلمين أبو بكر فكان ممن لا ينكرون دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه، اخلط شدتي بلينه، فأكون سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل معه كذلك حتى قبضه الله عز وجل وهو عنى راض، والحمد لله على ذلك كثيرا وأنا به أسعد. ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين: فأما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعض البعض. القاهرة ـ مكتب «البيان»: