الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 أخرج الإمام البيهقى (يرحمه الله) فى السنة الكبرى (الجزء الثالث، من 363 من طبعة الهند) هذا الحديث الشريف الذى رواه ابن مسعد (رضى الله تعالى عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولفظه :«ما من عام بأقل مطرا من عام». وهذا الحديث الشريف أخرجه الحاكم فى المستدرك (الجزء الثانى ، ص 403 من طبعة الهند) مرويا عن ابن عباس (رضى الله عنهما) بلفظ «مامن عام بأمطر من عا، ولكن الله يصرفه (أو يصرفه). وعلى الرغم من أن النص الأول موقوف على ابن مسعود، النص الثانى موقوف على ابن عباس (رضى الله عنا وعنهم أجمعين) مما دفع ببعض دارسى الحديث إلى تضعيف الدفع لعدم فهم دلالته العلمية، فإن هذا الحديث الشريف يمثل سبقا علميا للمعارف الإنسانية بأكثر من ألف وأربعمائة سنة، كما يمثل نصا رائعا من نصوص الإعجاز العلمى فى أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، ومن هنا تأتى قوته، فقد ثبت لنا بعد دراسات مستفيضة لتقدير كمية الماء على سطح الأرض أنها كمية هائلة إذ تقدر بحوالى 1360 مليون كيلو متر مكعب، أغلبها (97.20%) على هيئة ماء مالح فى البحار والمحيطات، بينما تتجمع الكمية الباقية (2.80%) على هيئة الماء العذب بأشكاله الثلاثة (الصلبة، والسائلة، والغازية)، منها 2.15% من مجموع مياه الأرض على هيئة تراكمات الجليد فوق المنطقتين القطبيتين من الأرض وعلى قمم جبالها؛ والماء الباقى وتقدر كميته بحوال 00.65% من مجموع مياه الأرض يختزن أغلبه فى الطبقات المسامية من صخور القشرة الأرضية على هيئة ماء تحت سطح الأرض، تليه فى الكثرة النسبية مياه البحيرات العذبة، ثم الماء المختزن على هيئة رطوبة فى تربة الأرض، ويليه بخار الماء فى الغلاف الغازى للأرض 0رطوبة الغلاف الغازى، ثم المياه الجارية فى الأنهار وتفرعاتها . والماء يغطى حوالى 71% من مساحة سطح الأرض المقدرة بحوالى 510 ملايين كيلو متر مربع، أى أن مساحة المسطحات المائية فوق الأرض تقدر بحوالى 361 مليون كيلو متر مربع، بينما تقدر مساحة اليابسة بحوالى 149 مليون كيلو متر مربع. وعلى ذلك فإن معدل البخر من أسطح البحار والمحيطات يقدر بحوالى 320.000 كيلو متر مكعب من الماء فى كل عام، بينما يقدر معدل البخر من اليابسة بحوالى 60.000 كيلو متر مكعب، وبجمع هذين الرقمين يتضح أن دورة الماء بين الأرض وغلافها الغازى تبلغ 380.000 كيلو متر مكعب فى السنة، وأغلب هذه الكمية، يتبخر من المناطق الإستوائية حيث يصل متوسط درجة الحرارة السنوى إلى 25 درجة مئوية . وعندما يتبخر الماء من أسطح كل من البحار والمحيطات واليابسة الأرضية فإنه يرتفع بفعل قلة كثافته، ويدفع التيارات الهوائية له إلى النطاق الأسفل من الغلاف الغازى للأرض (نطاق التغيرات المناخية) وهو يتميز بالتبرد مع الإرتفاع حتى تصل درجة حرارته الى ناقص 80 درجة مئوية فوق خط الإستواء، وفى هذا النطاق البارد يتكثف بخار الماء الصاعد من الأرض ويعود إليها بإذن الله (تعالى مطرا أو ثلجا، أو بردا، أو ظلا (على هيئة الشابورة أو الندى. والماء فبعودته إلى الأرض يصرفه الله (تعالى) بحكمة بالغة حيث ينزل على اليابسة قدرا أعلى مما يتبخر من أسطحها (96.000 كيلو متر مكعب مقابل 60.000 كيلو متر مكعب مجموع المتبخر منها ، بينما ينزل على البخار والمحيطات قدرا أقل عما يتبخر من أسطحها (284.000 كيلو متر مكعب فى مقابل 320.000 كيلو مترا مكعبا يتبخر منها، والفارق بين هذين الرقمين هو نفس الفارق بين كميتى المطر والبخر على اليابسة، ويقدر بـ 36.000 كيلو متر مكعب من الماء يفيض من اليابسة إلى البحار والمحيطات فى كل عام) . ودورة الماء حول الأرض دورة معجزة تشهد لله الخالق بطلاقة القدرة، وعظيم الصنعة، وإحكام الخلق، فكميتها فى مجموعها ثابتة، ومحسوبة بما يكفى متطلبات الحياة على الأرض، والدورة ذاتها بين البخر والمطر تعمل على تنقية مياه الأرض التى يحيا ويموت فيها بلايين الأفراد من صور الحياة المختلفة، وهى تعمل على حفظ التوازن الحرارى على سطح الأرض، وعلى التقليل من شدة حرارة الشمس فى الصيف، فيعمل على تقليل الفرق بين درجتى الحرارة صيفا وشتاء، وذلك لصون الحياة الأرضية بمختلف أشكالها. ولما كان مجموع مايتبخر من ماء الأرض إلى غلافها الغازى ثابتا فى كل عام، ومجموع مايحمل هذا الغلاف الغازى من بخار الماء ثابت كذلك على مدار السنة، فإن مجموع ماينزل من مطر إلى الأرض يبقى ثابتا فى كل سنة، وإن تباينت كميات سقوطه من مكان إلى آخر حسب مشيئة الله، ويبلغ متوسط سقوط المطر على سطح الأرض اليوم 85.7 سنتيمترا مكعبا فى السنة، وتتراوح كمياته بين الصفر فى المناطق الصحراوية الجافة والقاحلة و 11.45 متر مكعب فى السنة فى جزر هاواى .وهذه الملاحظات الدقيقة التى لم يستطع الإنسان الوصول إليها إلا فى أواخر القرن العشرين، سبقتها بأربعة عشر قرنا أو يزيد أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) التى قال فيها . ما من عام بأقل مطرا من عام»وقال (صلى الله عليه وسلم) : «ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه (أو يجترفه) وهذه الحقيقة العلمية التى نطق بها خاتم الأنبياء والمرسلين لايمكن أن يكون لها مصدر إلا وحى السماء فصلى الله وسلم وبارك على هذا النبى الخاتم، والرسول الخاتم وعلى آله وصحبه وسلم وعلى كل من تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين . د. زغلول النجار