الاثنين 27 رمضان 1423 هـ الموافق 2 ديسمبر 2002 الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم الانبياء والمرسلين وبعد. سورة الفلق من السور المكية وعدد اياتها خمس وعدت العشرين في عداد نزول السور ونزلت بعد سوره الفيل وقبل سورة الناس وسميت سورة الفلق لمفتتحها وللاستعاذة من الشرور ومن مخافة الليل والديجور ومن آفات الماكرين والحاسدين والغرض من هذه السورة المباركة هو تعليم النبي صلى الله عليه وسلم كلمات للتعوذ بالله من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة. والاوقات التي يكثر فيها حدوث الشر والاحوال التي يستر افعال الشر من ورائها لئلا يرمي فاعلوها بتبعاتها فعلم الله نبيه هذه المعوذة ليتعوذ بها. وقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهذه السورة واختها ويأمر اصحابه بالتعوذ بهما فكان التعوذ بهما من سنة المسلمين حتى يكونوا في وقاية الله من شر الجن والناس. فقال تعالى «قل» اي لكل من يبلغه القول من جميع الخلائق تعليما لهم وامرا. فانهم كلهم مقهورون لا نجاة لهم في شيء من الضرر الا بعصمته سبحانه وتعالي فعلى كل منهم ان يفزع اول ما تصيبه المصيبة الى مولاه القادر على كشفها تصحيحا لتوكله فانه يرتقي بذلك الى حال الرضاء بمر القضاء ولا يأخذ في الاعتماد على جلادته وتدبيره بحوله وقوته فانه يشتد اسفه ولا يرد ذلك عنه شيئا لذا كان تأثير العلاقة بين اسم السورة وعنوانها فيه ترابط قوي وذلك حتى يدرك المسلم سر هذه العلاقة بين الاسم والمضمون حسب توجيهات الخالق لهذه السورة. فلما جاء الامر بـ «قل» وجهه الى الاستعاذة فقال له «قل اعوذ» اي استجير والتجيء واعتصم واحترز ولما كان هذا المعنى اليق شيء بصفة الربوبية لان الاعاذة من المضار اعظم تربية قال: «برب الناس» اي الذي يربيه وينشيء منه ما يريد وهو الشيء المفلوق بايجاده ظلمة العدم كالعيون التي فلقت بها ظلمة الارض والجبال وكالامطار التي فلقت بها ظلمة الجو السحاب والى اخر المخلوقات والفلق كل شيء انشق عنه ظلمة العدم واوجد من الكائنات جميعها. ولما كانت الاشياء قسمين عالم الخلق وعالم الامر وكان عالم الامر خيرا كله فكان الشر منحصرا في عالم الخلق، خصه بالاستعاذة فقال تعالى: «من شر ما خلق» اي من كل شيء سوى الله ثم قال «ومن شر غاسق» اي مظلم بارد منصب ظلامه وبرده سواء كان اصلا في الظلام حسيا او معنويا مثل الوساوس الردية لغلبه الشهوة واستحكام سلطان الهوى وشدد عليه بقوله «اذا وقب» اي اعتكر ظلامه ودخل في الاشياء بغاية القوة، ولما كان السحر اعظم ما يكون من ظلام الشر المستحكم في العروق الداخل في وقوبها ولما فيه من تفريق المرء عن زوجه وابيه وابنه وما يتبعه من مضار اتبعه و«من شر النفاثات» اى النفوس الساحرة سواء كانت نفوس الرجال او النساء التي تبالغ في النفث وهو التفل وهو النفخ مع بعض الريق، ثم ذكر «في العقد» اي النفث التي تعقدها السحرة في الخيوط ولما كان اعظم حامل على السحر وغيره من اذى الناس الحسد وهو تمني زوال نعمة المحسود قال و«من شر حاسد» اي ثابت الاتصاف بالحسد معرق فيه واعظم الحسده الشيطان الذي ليس له دأب الا السعي في زوال نعم العبادات عن الانسان بالغفلات ولما كان الضار من الحسد انما هو ما اظهر وعمل بمقتضاه بالاصابة بالعين او غيرها قال مقيدا له «اذا حسد» اي حسد بالفعل بعينه الحاسدة. وعن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما قالا: واعظم اسباب الحالقة او كلها الحسد فعلم بهذا رجوع اخر السورة على اولها وانعطاف مفصلها على وصلها ومن اعيذ من هذه المذكورات انفلق سماء قلبه عن شمس المعرفة بعد ظلام ليل الجهل فأشرقت ارجاؤه بانوار الحكم الى ان يضيق الوصف له عن بدائع الكشف فينقطع التعلق عما سوى الله بمحض الاتباع والبعد عن الابتداع. وعلى ما تقدم يتضح لكل مسلم اهمية هذه السورة «الفلق» وان تسميتها بأول كلمة دلت عليها في ذلك اشارة تنبيهية مفادها الحذر من انفلق عنه الشر والحسد فيكون بذلك مدلول السورة مرتبط بما فيها من توجيه المعاني القرآنية والزام الايات التي تحفظ العبد من الشطحات الشيطانية والغفلات الانسانية والزلات الشهوانية التي تجعل الانسان اذا ابتعد عن ضوابط الشرع وقع في مهالك الظلالة والردى ومن هنا وجب علينا معرفة اهمية هذه السور واقتفاء اثار من كان ملتزم بالعمل بها حيث كان صلي الله عليه وسلم محافظا على قراءة المعوذتين لما لهما من عظيم النفع في الدارين. ومنها نتعلم الوقاية وربط السبب بالمسببات ومعرفة مقاصد اسماء السور من الامور التي تجعل عقل المسلم في وعي مما حوله ليأخذ الحيطة والحذر وان في سورة الفلق المعاني الكثيرة والدلالات العظيمة فيما جاءت به ولكن المساحة لا تفي ان نذكر كل اغراض اسماء السور ولكننا نوضح هذه المقاصد بالاختصار المفيد على ان نعلم مدى اهمية هذه الاسماء وان علاقته الاسم بالمسمى علاقة ترابطية نفعنا الله بعلومها ووفقنا للطاعة والعمل بها والحمدلله رب العالمين. د. سيف الجابري