الاثنين 27 رمضان 1423 هـ الموافق 2 ديسمبر 2002 تواجه الأمة الاسلامية تحديات ضخمة فى هذا العصر خاصة بعد أحداث سبتمبر ويؤكد بعض العاملين فى الحقل الاسلامى ان هذه التحديات لم تشهد الأمة الاسلامية لها مثيلا على مدار التاريخ ولذلك يعيش كثير من المسلمين فى حالة من اليأس ويشعرون بالعجز وعدم القدرة على مواجهة التحديات ويرون ان الأجيال الحالية لن تحقق شيئا يذكر ولن تصل الى النصر الذى تبحث عنه الأمة وتكسر به شوكة أعدائها. ـ وهناك أسئلة كثيرة مطروحة على الساحة الآن كيف نواجه هذه التحديات وهل ماتت الأمة أم أنها لا تزال موجودة ولديها القدرة على الصمود وكيف نخرج المسلمين من حالة اليأس التى يعيشون فيها الآن؟ فى هذا الحوار مع المفكر الاسلامى الدكتور عبدالحليم عويس استاذ التاريخ الاسلامى بجامعة الزقازيق نناقش تلك القضايا ونحاول الاجابة على تلك الأسئلة: ـ كيف تستطيع الأمة الاسلامية مواجهة التحديات الحالية ؟ وما رأيكم فيما يقال ان الأمة تمر بمرحلة لم تمر بها طوال تاريخها؟ اذا نظرنا الى الخريطة الزمنية فى القرنين الاخيرين لوجدنا ان ما يجري الآن هو حلقة من حلقات العداء الطويلة فيجب ألا ننسى أننا فى يوم ما استعمرتنا ثلاث أو أربع دول اوروبية هى بريطانيا وفرنسا وايطاليا وأسبانيا وغيرها والمسلمون عندما قضى على بغداد فى عام 656 هجرية واكتسحها التتار سجل بعض المؤرخين ومنهم ابن الأثير هذه الأحداث وقالوا ان هذه مصيبة لم يقع فى الدهر مثلها وان القيامة سوف تقوم وعندما سقطت الأندلس سنة 897 هجرية ظهرت أشعار كثيرة تؤكد ان مستقبل الاسلام فى خطر وان الاسلام قد انتهى واذا نظرنا الى هذه الصراعات بمنظور فلسفة التاريخ الصحيح فانها أحداث لابد منها فثمة امتداد هنا وانكماش هناك وشروق هنا وغروب هناك وناس استوفوا شروط الصلاحية وتآكلوا كما كان حال اخواننا فى غرناطة وفى أسبانيا فكان لابد ان يرحلوا تأديبا لهم من الله لكن على الشاطئ الآخر ظهر أناس آخرون جديرين بالاستخلاف فمكنهم الله بقيادة محمد الفاتح وفتحوا فى نفس القرن القسطنطينية ووصلوا بالاسلام الى حدود فرنسا وبلاد الغال وعبروا الكثير من البحار وسيطر العثمانيون لقرون طويلة على بحار العالم فالقضية قضية شروط ومؤهلات والله لا يحابى أحدا والمسلمون فى العصر الحديث منحطون بيقين وقد أصدر الشيخ أبوالحسن الندوى كتابا بعنوان: ماذاخسر العالم بانحطاط المسلمين؟ فالمسلمون الآن منحطون. ـ ما المقصود بالانحطاط؟ سلوكيات المسلمين لا تؤهلهم لتحقيق النصر والتقدم فهم يهينون أنفسهم ويذلون أمام أشياء تافهة يجب ان يترفع عنها المسلم أين هؤلاء المسلمون من الصحابى مثل ربعى بن عامر الذى دخل على رستم وقال له لقد ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة رب العباد وأين الارادة الاسلامية ؟ للأسف نحن جميعا مرضى ويجب ان نعالج والله يعالجنا بالجبابرة والظلمة ويعالجنا بالتمزق وبتسلط الأعداء علينا ويعالجنا بأشياء كثيرة فاما أن نستقيم ونعود الى طريق الجادة واما ان يستبدلنا بقوم غيرنا وفى ذلك يقول - تعالى: «وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم» والاسلام قضية الحق فى العالم والأرض ولن ينتهى الا بنهاية التاريخ ودعنا من فوكاياما وأمثاله فالصراع قائم بين الحق والباطل الى يوم القيامة والاسلام حق ونحن نتحدى أى باحث منصف أن يثبت غير ذلك وبين أيدينا الكتب المقدسة لكل العقائد ونحن نتمنى أن نناقشها بجوار القرآن وبالمنظومة العقيدية والأخلاقية والتشريعية الاسلامية بحياد كامل وسوف تثبت أى بحوث محايدة ان الاسلام هو الوحيد الذى ينسجم مع القوانين والمنطق السليم والفطرة السليمة والعقل السليم وانه المرشح لتغذية كل وجدان عقلا وقلبا وفطرة وانه الوحيد الذى يقدر الله حق قدره ويقدر الأنبياء حق قدرهم ويقدر الانسان حق قدره ويقدر المرأة حق قدرها دون تحيف ولا ظلم ويوازن بين كل الطاقات والقوى ويحجم كل النتوءات ويصنع حياة منسجمة متوازنة بين المادة والروح وبين العقل والوحى وبين الفرد والمجتمع وبين الرجل والمرأة لذلك لابد ان يبقى هذا الدين فان شاء العرب أن يحملوا رايته فهذا ما نتمناه وان نكصوا وخانوا وأدبروا فالله لديه أجناس كثيرة سيبرزها فى اللحظة المناسبة وهذا ما رأيناه عبر التاريخ. تداول الخلافة ـ هل تقصدون انه ليس بالضرورة ان يحقق المسلمون فى الوقت الحاضر ما نتمناه من نصر وتقدم للأمة ؟ - نعم هذا صحيح فعندما خان العرب وانشغلوا بالصراعات بينهم وظنوا ان الله ابتعثهم كعرب ولم يبعثهم كمسلمين يحملون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ويعملون بما ورد فى القرآن أهملهم الله وتولى الأتراك القيادة فترة ممثلين فى السلاجقة ثم بعد ذلك فى الأتراك العثمانيين وهكذا تولت أجناس مختلفة الحكم واستخلفها الله مثل الغزنويين الذين فتحوا الهند فتحا اسلاميا حقيقيا وما يعلم جنود ربك الا هو وفى الماضى كان بديع الزمان سعيد النورسى يقول ان العالم العربى والاسلامى سيلد العلمانية وقد ولدت بالفعل والعالم الاوروبى سيلد الاسلام والاسلام يولد الآن فى اوروبا ونحن الآن فى مرحلة الانبهار والانسحاق. ـ ما الذى يجب على المسلمين الآن لمواجهة التحديات الحالية ؟ - نريد من الناس سواء كانوا اسلاميين- أى اسلام واع مفكر يحمل هم العمل الاسلامى - أو مسلمين عاديين وهؤلاء لا يعرفون اليأس أبدا لأن أول عدو للمسلمين جميعا هو اليأس ولنعلم أن قائدنا الأعلى هو الله الذى يملك أن يقول للشئ كن فيكون ولو انك جادلت شيوعيا منذ ربع قرن أو ثلاثين سنة كان يؤمن بحتمية التاريخ وان طبقة البروليتاريا هى التى ستحكم العالم وان الرأسمالية ستزول من تلقاء نفسها وان الأديان فى طريقها الى الذوبان ولو كلمته عن زوال الاتحاد السوفييتى بهذه الطريقة المهينة التى تشبه انفراط العقد لأتهمك بالجنون ونفس الشئ نقوله للذين يعبدون اميركا فاميركا سوف تنقرض وهناك دلائل كثيرة واضحة تؤكد ذلك خاصة بعد أحداث سبتمبر. صراعات شاملة ـ الصراعات القديمة بين المسلمين والتتار أو بين المسلمين والصليبيين كانت صراعات عسكرية فى المقام الأول أما الآن فالصراع بيننا وبين أعدائنا شامل ولا يقتصر على النواحى العسكرية فهل فى استطاعة العالم الاسلامى مواجهة ذلك كله ؟ - هذا غير صحيح فالصراع الصليبى لم يكن صراعا عسكريا فقط فالصليبيون جاءوا لكسر شوكة الاسلام وغرس الصليب أيضا عندما هجمت اوروبا على العالم الاسلامى حاولت مسخ هذا العالم وابعاد المسلمين عن دينهم ودعمت مؤسسات التنصير لدرجة ان رحمة الله الهندى اضطر ان يؤلف كتابا ضد النصرانية بسبب التنصير بعنوان اظهار الحق يفضح فيه أصول النصرانية ويدافع عن الاسلام بعد ان حاولت كتائب التنصير غزو الهند وفى الجزائر رأيت بعيني كانوا يبنون فى كل قرية كنيسة وقد تحولت هذه الكنائس التى بنيت فى مناطق لا يوجد فيها مسيحى واحد الى مساجد بفضل الله فالحرب لم تكن عسكرية فقط واذكر انه فى اليوم المئوى لاحتلال فرنسا للجزائر خطب المندوب الفرنسى وقال الآن نشيع جنازة محمد - صلى الله عليه وسلم - فى الجزائر الى الأبد وكانت هذه الكلمة من الكلمات التى حركت عددا من الجزائريين بقيادة عبدالحميد بن باديس وحتى فى الاستعمار الحديث كانت الحرب صليبية وقد غرست بريطانيا اسرائيل فى المنطقة قبل ان تخرج منها فالحرب مستمرة وصليبية وعقائدية وليست حربا عسكرية فقط. اليأس كفر ـ بماذا تفسرون شيوع نغمة اليأس والتشاؤم بين المسلمين فى هذا العصر ؟ - لا يجب ان نيأس أبدا وعلينا أن نتفاءل وان نثق فى الله وان ينظر كل مسلم للقضية كأنه فى موضع أبى بكر وعمر - رضى الله عنهما - عندما كان المسلمون قلة واذكر ان أحد الدعاة قال والله لو لم يبق فى الأرض مسلم الا أنا لعملت للاسلام وهذا واضح فى قول النبى - صلى الله عليه وسلم- «لو قامت القيامة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها» فاليأس حرام علينا وهو كفر فى ديننا فيجب ان يعمل كل مسلم من أجل نصرة دينه ونحن فقط نحتاج الى تغيير الآليات ولتحاول كل مجموعة وليحاول كل مسلم ان يكون له موقع على الانترنت وليتصل بكل انسان فى العالم ونحاول ان نتجنب التعليم الاسلامى المجرد من لغة أجنبية التى ورثناها لابد من تعليم اللغات الأجنبية حتى يستطيع الدعاة مخاطبة شعوب العالم على اختلاف لغاتها وأجناسها ولنحاول ان ننفتح على الفكر العالمى وأن نفهمه وأن نثق ان بيتنا ليس من زجاج وأن ديننا قادر على محاججة كل العقائد والأديان ويجب أن نتجنب الخصومات الفرعية وان نلتقى على كلمة سواء فليعمل كل منا بطريقته ولينضم الى من يشاء بشرط ألا يفتعل خلافات مع أخيه المسلم كن سلفيا أو صوفيا كن كما شئت مادام ميزان الكتاب والسنة ثابتا عند الجميع وكذلك شعب الايمان ثابتة ومادامت لنا أصول وأوليات ذكرها يوسف القرضاوى والشيخ الغزالى وحسن البنا فى كتبهم يجب ان نلتقى عندها وان نترك الخلافات الجانبية لأن العصر ليس عصر خلافات فالخلاف حول اللحية والحجاب والنقاب يجب ان ينتهى وان ننصح بعضنا البعض بالمعروف وألا نحول أى أمر الى خصومة وليختار كل منا المذهب الذى يريده لكن لا يجب أن ينقم واحد منا على الآخرين أو أن يفتعل معارك فى هذا الصدد فالمذهبية أو عدم المذهبية ترف فكرى آن لنا أن نتركه وأن نفهم أننا جميعا مستهدفون بل حتى مع اخواننا الشيعة يجب ان ننفتح بالقدر الذى يسمح بالالتقاء على قضايا كثيرة ونحن بالفعل نلتقى معهم فى قضايا كثيرة وأيضا يجب ان ننفتح على الاباضية فى عمان وفى جنوب المغرب العربى لنلتقى جميعا كمسلمين على كلمة سواء وعلى أرضية مشتركة خاصة بعد ان اتحد اليهود جميعا مع النصارى جميعا بكل مللهم وطوائفهم ضدنا فعلينا ان ننظر الآن للخطر المحيط بنا وان نستغل الطاقات المتاحة لنا وان يعمل كل مسلم - يملك مالا - وان يشارك اخوانه فى انشاء قنوات فضائية لنشر الاسلام وان نبحث عن أرضية مشتركة وان ننشئ ما نستطيع من الجمعيات لأن الاسلام الآن يجب ان ينطلق من كل بيت حتى نواجه التحديات لأن اعتمادنا على الدول أمر خاطئ لأن الدول واقعة الآن تحت ضغوط عولمية وعالمية وستظل فاعلية الدول لسنوات قادمة مشلولة بسبب ذلك ونحن نأمل ألا تنقلب الدول الاسلامية ضد الاسلام وألا تلاحق الاسلام فى المساجد كما تفعل بعض الدول العربية والاسلامية فهناك دول تلاحق المصلين لمجرد انهم يصلون وتلاحق المحجبات لمجرد انهن محجبات لينطلق كل بيت مسلم وليعلم أنه مستهدف وعليه رسالة كما كانت البيوت فى مكة وفى المدينة وفى كل عواصم العالم ابان فترات القرون الأولى كان كل بيت وكل مسلم وكل تاجر صادق أمين وكل انسان يعتبر نفسه داعية وهذه المرحلة يجب ان نعود اليها. القاهرة - ضياء الدين أحمد: