الاثنين 27 رمضان 1423 هـ الموافق 2 ديسمبر 2002 اهتم شعراء النبط في شبه الجزيرة بشكل عام بطائر القطا، هذا الاهتمام تركز على مشية هذا الطائر الذي يذكر الشعراء ويسرح بمخيلتهم تجاه الاحبة فيشبهون مشيتهم بدلال بمشية القطا ـ والابيات في هذا الشأن لا حصر لها منها ذلك البيت الشهير: يمشي شرا مشي القطا يقصر خطاه محلاه لي منه مشى بالتغريف ويقول بيت آخر للشاعر سيف السعدي: ولو طير القطا مرة لمح منك التبختيرة نسى درز الخطى عقبك ولا عاود له الكرة ومع ذلك فان طائر القطا لم يكن صيداً لشعراء النبط فقط بل ان حظوظه كانت قائمة في الغزل منذ قديم الزمن حيث كان شعراء العصور القديمة يشبهون مشي المرأة اذا كانت سمينة بمشي القطا في دلالها.. حيث يقول احدهم: يمشين مشي قطا البطاح تأوداً قُبّ البطون رواجح الاكفال كما ان صوت القطا وغناءه حرك سجية البعض بعيداً عن مشيته وفي ذلك يقول شاعر الامارات خلفان بن يدعوه رحمه الله: وصلوا على المختار ما غنت القطا وما غرد الجمري وناح الحمام وبشكل عام فان طير القطا محبوب عند العرب منذ قديم الزمان فكانوا يتفائلون به بل ووصل الامر الى ان يجعلوه رمزاً للصدق ـ لا ادري لماذا وهل هناك طائر آخر يتميز بالكذب مثلاً ـ وفي القطا ابتدع العرب امثالاً عديدة فكانوا يقولون: «اصدق من قطاة» وفي قول آخر: «اهدى من قطاة» وكلها تضرب للتدليل على الصدق وهدوء النفس وهي صفات حميدة لاشك.. وقد يتساءل البعض عن معنى «القطاة» او سبب هذه التسمية؟! ومن المفارقات العجيبة ان هذا الطائر هو الذي اجبر العرب على تسميته بهذا الاسم بمعنى انه هو الذي اختار الاسم واطلقه على نفسه، فالقطاة سميت كذلك لان الناس سموها بالحروف التي خرجت من فمها!! ومن اعاجيب القطا صفة قد تكون نادرة في غيرها من الطيور والحيوانات ايضاً وهي انها لا تضع بيضها بعدد زوجي ابداً بل تضعه دائماً بعدد فردي!! اضافة الى ذلك فان بيضها منقط الشكل وفي ذلك يقول الاخطل: شفى النفس في قتلى سليمٍ وعامرٍ ولم يشفها قتلى غني ولا جسرِ ولا جشم شر القبائل انهم كبيض القطا ليسوا بسودٍ ولا حمرِ .. ولربما جاء عشق العرب لهذا الطير لكونه من الفصائل المميزة التي عشقت العيش في المناطق العربية حيث يختار هذا الطائر المناطق الاكثر ماء واخضرارا بصورة نسبية في تلك المناطق، ولكن حب العرب للقطا لم يمنعهم من صيده ولعل القطا هو اسهل الطيور اصطياداً مقارنة بالحبارى والسمان والحجل، فالحبارى يكون اصطيادها على يد صقور مدربة غالية الثمن اما القطا فلا تحتاج لذلك.. وبما ان العلماء في العصر الحديث احتاروا في اصول طائر الحبارى نظراً لتعدد اشكاله واحجامه واختلافه عن بعض بصورة كبيرة. فان القطا كان موضعاً لاختلافات علمية لكن بدرجة اقل، ولعل الامر اختلط على العلماء الذين رأوا في تماثل اشكالها الى حد كبير مع طائر الحمام وامثاله دليلاً على وحدة الانتماء، لكن الدليل الحاسم كان في نهاية الامر اختلاف بنية الريش التشريحية في هذه الطيور.. ولعل الصفة الاساسية التي تجمع القطا بالحبارى والحجل انها تعتبر من طيور المناطق الجافة، والمناطق الجافة هي ما اصطلح على تسميته باسم العالم القديم، وتشمل الصحراء الافريقية التي تبلغ مساحتها حوالي 9 ملايين كيلو متر مربع، والصحراء العربية التي تبلغ مساحتها 24 مليون كيلو متر مربع اضافة الى صحارى الهند وايران.. كما ان القطا من الطيور الاجتماعية بمعنى انها تعيش عادة في جماعات كبيرة حيث يسهل ذلك عليها عملية التكاثر ويؤمن لها وقاية اكثر فاعلية من الطيور الكاسرة وغيرها عبر الآليات الدفاعية المعروفة التي تمارسها برفوفها.. كما ان هذا الطير يحافظ على سرية نشاطه التكاثري، وفي الغالب لا يحصر الذكر علاقته بأنثى واحدة الا عندما تنعدم الكثرة العددية التي تتيح له اكثر من انثى!! وبصراحة شديدة فان العلماء يعترفون حالياً بأن الدراسات الموجودة الى الآن لا تعطي صورة واضحة عن النظام الذي تتبعه طيور المناطق الجافة في تكاثرها، فندرة اعدادها لم تسمح باجراء دراسات دقيقة عليها. وجميع النتائج التي يعرفونها انما اجريت على طيور في الاسر ولذلك يصعب عليهم الاعتداد بها كمرجع موثوق لحياة تلك الطيور في البرية.. اما السؤال المهم هو كيفية دراسة حياة طائر القطا في ظل ما يحدث على بحيرة اربكاي في جنوبي كينيا مثلاً حيث يلوح في الافق جبل كلمنجارو الذي يعد اعلى جبل في افريقيا، وتطل قمته الواسعة المكسوة بالثلوج من وراء الغيوم المنقشعة.. .. هناك عندما يوشك النهار ان ينشق نوره فتلوح للعيان الوان السافانا لا يقطع حبل الصمت المطبق على المنطقة سوى اصوات طيور مالك الحزين او طيور الزقزاق.. ولكن فجأة يصدح صوت ثالث من احد رجال قبيلة الماساي الذي يشير الى السماء باتجاه مجموعة صغيرة من الطيور المتجهة نحو البحيرة.. تحلق هذه الطيور فوق البحيرة.. زوج من طيور القطا يندفع بسرعة وخفة فوق الماء.. عندها تنطلق الطلقات التي صنعتها شركة اسكتلندية وجاءت لاختبارها في «كامبي ياكانزي» من بندقية الصيد فيسقط احدهما على الارض!! .. هذا المشهد التمثيلي يحصد الآلاف من طيور القطا في تلك المنطقة.. ولا شك ان مشاهد اخرى كثيرة تصور في كافة المناطق التي يعيش فيها هذا الطائر وكيف يمكن للعلماء دراسة تكاثره في ظل احكام الموت التي اصدرها البعض عليه؟!! ليتهم اكتفوا بصوته ومشيته كما فعل شعراء العرب!!