الاثنين 27 رمضان 1423 هـ الموافق 2 ديسمبر 2002 الوقوف طويلاً عند المدخل الصرحي، الفخم، البديع، شديد البهاء لجامع السلطان حسن لا يأتي صدفة ولا اتفاقاً، اولاً لانه الاضخم في مساجد القاهرة بأسرها حيث يشمخ بارتفاع الجدار كاملاً، وثانيا لانه مصمم في دخول مغطى بمقرنصات تنتهي بنصف قبة، وهذه الاخيرة ـ بالمناسبة ـ ليس لها وجود في تصميم مدرسة جوك التي شبه تصميم جامع السلطان حسن بها مرات لا نهاية لها، وثالثاً لان جانبي المدخل تتوسطهما حشوة مزينة بزخارف تسطيرية بديعة، كما ان صفات نوافذ المدرسة تؤدي بفعل ضيقها واستطالتها دوراً كبيراً في الايحاء بارتفاع الوجهية والالماح الى مقياسها الهائل. لكن تلك ليست الا بداية الملاحظات الجديرة بتأملها والتي تدفع الى الوقوف عند المدخل، اذ نحن امام استمرارية متطاولة لهذه الملاحظات. خذ عندك، مثلاً، ان المدخل شيد بزاوية على الجدار العملاقة، مما يدفعك الى التساؤل عن السر في ذلك. تعرب دوريس بيرنز ابو يوسف في كتابها «مقدمة للعمارة الاسلامية في القاهرة عن اعتقادها بأن هناك سببين على الاقل وراء ذلك، ربما تمثل اولهما في الرغبة في ان يكون المدخل مرئياً من القلعة، اي من ناحية ميدان صلاح الدين، من ناحية الوجهية الشرقية للجامع، بينما نحن هنا في الوجهية الغربية. أما السبب الثاني فربما تمثل في الرغبة في التوافق في خط الشارع، وهي رغبة نعرف كم كان المعماري القاهري يحرص على تحقيقها في الشبكة المعقدة من النسيج الحضري التي تعين عليه ان يتواءم معها ويتعايش بشكل أو بآخر. أياً كان الأمر فان علينا قبل ان نخطو خطوة واحدة عبر هذا المدخل البديع ان نلاحظ ان هذه الزخارف المنفذة في الحجر باقتدار واصالة تعكس تراثاً ممتداً من اشتغال المبدعين والحرفيين على الحجر في القرون الوسطى، كما تعكس التأثيرات السلجوقية التي لا تخطئها العين والتي شقت طريقها الى مصر عبر الاناضول وشمالي الشام. وهي التأثيرات التي تؤيد وجودها أيضاً المصادر الادبية، فالمقريزي ـ على سبيل المثال ـ يطلعنا على ان حرفين من مختلف ارجاء العالم قدموا الى القاهرة للمشاركة في بناء هذا الجامع. هذه العملقة التي ستذهلنا في المدخل لا تقتصر على الحجم الهائل وحده وانما ستمتد الى طبيعة الابداع الذي يصافح عيوننا في زخارفه، وهي الزخارف التي سبق لنا القول انها لم يقدر لها ان تكتمل قط، على الرغم من ان العمل في الجامع قد استمر بعد النهاية المأساوية التي كلل بها عمر السلطان الذي رحل عن عالم البشر الفانين قبل ان يكمل عامه السادس والعشرين. ولو انك توقفت معي لتتأمل زخرفة المدخل مصعداً البصر من اسفل المدخل إلى اعلاه، لما اقتضى الامر منك جهداً كبيراً لكي تدرك ان الاكتمال الزخرفي سيتجسد امام ناظريك في اسفل المدخل ويتدرج تكامل الاشتغال عليه، منحسراً كلما صعدت البصر، الى ان يصل إلى حد الاختفاء الكلي في اعلى المدخل، فلا تجد الا الحجر الصلد الذي يخلو حتى من حز واحد أو ضربة ازميل واحدة. فسبحان من له الكمال. هذه الزخرفة المنحوتة نحتاً في المدخل لا يمكن الا ان تثير اهتمامنا الى ابعد الحدود، فلو انك تأملت فيها لوجدت نفسك امام التأثيرات الزهرية الصينية العتيدة التي سبق ان اشرنا اليها، وفي مقدمتها ازهار اللوتس والاقحوان، وهذه الانماط الزخرفية، خلافاً لما هو متصور، لم تكن غريبة عن عالم الزخرفة المملوكي في القرن الرابع عشر الميلادي، لكنها كانت شائعة في التحف المنقولة. اما ما نجده هنا منها فإنه النموذج الوحيد في العمارة القاهرية. هذا الذي قلناه حالا لا يعني ضمناً ان حرفيين صينيين كانوا من بين اولئك الحرفيين الذين قدموا من مختلف ارجاء العالم للمشاركة في اعمار المسجد، كما قال لنا المقريزي، وانما يعني ان هؤلاء الحرفيين الذين شاركوا في البناء والزخرفة كانت المؤثرات الفنية الصينية شيئاً مألوفاً لهم، فنحن نعلم ان التجارة بين الشرق الاقصى والعالم الاسلامي قد ازدهرت إلى حد كبير في القرن الرابع عشر الميلادي، حيث عجل بهذا الازدهار فتح الطرق البرية بين البحر المتوسط، والصين في ظل الحضور الكلي للنفوذ المغولي على آسيا، وتحدثنا مصادر ادبية عديدة عن مدى الولع الكبير في مصر بمنتجات الصين وفي مقدمتها الآنية الخزفية المنقوشة والحرائر، ولابد ان هذه المنتجات الاثيرة عن الشرائح الاجتماعية المصرية المترفة قد دفعت بالفنانين القاهريين الى اثراء مخزونهم الزخرفي بالتصميمات الصينية المدهشة. وتلفت دوريس بيرنز ابو يوسف نظرنا إلى ملاحظة مهمة هنا، كنا قد ألمحنا اليها، وكان حرياً بنا في زحام المشاعر والتوق إلى دخول الجامع ان ننساها وهي المتعلقة بباب الجامع، فلهذا الباب الفريد قصة جديرة بأن تروى حقاً. الباب الاصلي لجامع السلطان حسن عمل بديع من روائع القرون الوسطى القاهرية، فهو مصفح بالنحاس المشغول المزخرف زخرفة تسطيرية، البطولة المطلقة فيها للاطباق النجمية، فضلا عن حزامين من الرقش في اعلى الباب واسفله، ويعد باجماع الخبراء من ابدع الابواب النحاسية المشغولة وادقها صنعاً، وقد امر السلطان المؤيد بانتزاعه من مكانه في جامع السلطان حسن مع ثريا نحاسية هائلة وعدد من المصابيح والمشكاوات البديعة ونقل ذلك كله الى جامعه الذي يشرف على شارع المعز لدين الله على يسار الداخل من باب زويلة. وكان السلطان المؤيد من مماليك السلطان الظاهر برقوق الذي اعتقه وقدمه فأخذ يترقى الى ان تربع على عرش مصر. وكان موقع جامع المؤيد في السابق سجناً، قضى المؤيد مدة فيه رهن الحبس عندما كان اميراً، عانى خلالها الكثير من الاهوال، فنذر ان هو ولي ملك مصر يوماً ان يقيم مكان السجن جامعاً، وهو ما تحقق بالفعل. في صحبة حسن فتحي الآن، هل تريد دليلا يأخذ بيدنا ويؤنس وحشتنا ويزيل حيرتنا ونحن نجتاز مدخل جامع السلطان حسن خيرا من المعماري حسن فتحي؟ لا احسب اننا نجد خيراً منه نصحبه في جولتنا، فقد كان الرجل عاشقاً حقيقياً لهذا الصرح الفريد، وما اكثر ما كان يطيب له ان يضرب مثالاً بجوانب شتى في الجامع ليوضح نقاطاً يقصدها في حديثه مع طلابه او زواره او محبيه. وقد اعتاد المعماري الكبير الراحل ان يتحدث بصفة خاصة في تناوله لمخطط الجامع عن الانتقال البارع الذي يتحقق في المبنى ما بين الخارج الدنيوي بضجيجه وغباره وبين صفاء صحن الجامع وما يسوده من هدوء وسكينة. دعنا نستمع الى المهندس حسن فتحي وهو يوضح لنا ان مدخل الجامع يفضي بنا الى دركاة فخمة ترحب بالداخلين اجمل ترحيب. والدركاة ـ كما نعلم جميعاً ـ هي ذلك الجزء الواقع بين خط تنظيم الشارع وخط تنظيم مبنى بيت الصلاة في اتجاه القبلة، وهو الجزء الذي يمكن للمعماري ان يعدل فيه انحراف الشارع عن اتجاه القبلة بالطرق المعمارية، فان كانت هناك غرف في الدركاة، فلا بأس في العرف المعماري من ان تكون غير متعامدة الاضلاع. وعلى الرغم من انه يشار في بعض المصادر الى ان هذا الجزء من الجامع، ربما بحكم العتمة التي تسوده، ليس من اكثر اجزائه غنى بالحلى المعمارية وعناصر الزخرفة، الا ان حسن فتحي يحرص على ان يؤكد لنا ان هذا غير صحيح بالمرة، فالدركاة تعلوها قبة محمولة على ثلاثة ايوانات تعلوها انصاف قباب من المقرنصات تدفع بالنظر نحو القبة، رمز السماء، والتي تحير الناظر اليها بما يحفل به باطنها من مقرنصات بديعة. ومن المحقق اننا نلمح هنا عناية حقيقية بالزخرفة، الى حد يدفع دوريس بيرنز ابو يوسف الى القول ان مخطط الدركاة بقبتها وايواناتها الثلاثة وزخارفها ومقرنصاتها تحمل الاسلوب البيزنطي وتفسر على انها استحضار لقبة الصخرة. على انني ـ بأمانة شديدة ـ لست ادري مدى دقة هذه الاشارة الاخيرة، او لنقل انني اعتقد انها موضع مناقشة في افضل الاحوال. من الدركاة نتجه يسارا ثم يميناً ثم يساراً عابرين المجاز، الذي يحدثنا عنه حسن فتحي طويلاً قاصدين صحن الجامع. ويوضح لنا المعماري الكبير ان هذا المجاز الطويل، الضيق، والمتمعج على نحو ما رأينا والذي تسوده العتمة إنما قصد به ان يكون كذلك وان يحمل هذه الصفات ليحقق المفارقة مع الانفتاح على الصحن الرحب والمنير والملتف بعباءة من سكون وجمال وجلال وصفاء، وبهذا تكتمل رحلة الانتقال من الخارج الدنيوي الصاخب والعام الى الداخل المسجدي الخاص والمميز بطابعه الروحاني الداعي للتأمل، ويكتمل الانتقال عبر المجاز بمواصفاته تلك التي تقصدها المعماري قصداً ليحقق بها عملية الفصل الضرورية تلك في الفضاء او الفراغ، وعلى الرغم من ان الداخل الخاص في هذه الحالة هو حصن الجامع الرحب، الا اننا سنجده معزولا تماماً داخل فضاء المسجد الجامع الخاص. ويشدد حسن فتحي على ان الشعور بالفصل بين فضاء الشارع الدنيوي والداخل المقدسي في الجامع انما يتحقق عبر المجاز الذي يصل الدركاة بالصحن ويوجد التتابع. وبهذا المعنى فان العمارة ـ حسب تعبير المعماري الكبير المفضل ـ تصبح تشكيلا للفراغات وتتموضع في الفراغ الذي تحتازه الجدران وليس في الجدران نفسها. الآن، ها نحن في صحن الجامع، في فضائه الرحب الذي ينهل النور اليه ويلتف بالسكون والصفاء، وتتردد في جنباته دعوة هامة للتأمل والتدبر. ومن المحقق انه سيسترعى انتباهنا، على الفور تقريباً تصميم ارضية صحن الجامع، حيث نلمح تلك التقسيمات التي تبدأ من قطع الرخام الملون الصغيرة التي لا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات الى مسطح الصحن بكامله البالغ ضلعه ثلاثين متراً في تدرج رهيف وفي تكوينات تسطيرية تنمو من الداخل الى الخارج مع الاحتفاظ بوحدة التصميم، سالكة سبيل الوحدة مع التنوع، وكأنها نموذج لتخطيط مدينة رائعة التصميم. وتتوقف العين طويلا عندما يصفه هنري وآن سترلين بالعناق بين الجماليات المملوكية وتقاليد بيزنطة وروما في زخرفة هذه الارضية حيث يطلق مبدعو تصميمها العنان لروعة الخيال التسطيري الاسلامي، ليبدو لنا في نهاية المطاف كأنه معزوفة تنطلق انغامها على اوتار من الوان الرخام وتداخلاته وتراكيبه. في الإيوان الكبير على الرغم من اننا نعرف ان العمل في زخرفة الجامع وتجميله قد توقف مع المصير المأساوي الذي وصل اليه السلطان حسن، الا ان ما تم انجازه من زخارف في الايوان الكبير يتيح لنا ان نلم بما كان يمكن ان يصلنا من اعجاز زخرفي لو قدر للبرنامج الزخرفي للجامع ان يبلغ نهايته التي خطط لها. اننا نعرف انه، من الناحية المعمارية، شيد إيوان كسرى انو شروان في المدائن باسلوب انشاء القبوات بدون الاستعانة بعبوات خشبية، وذلك بالقيام برص حلقات القبو المتتالية مائلة عن المستوى الرأسي مستندة الى جدار خلفي، وبالمقابل فقد انشيء الايوان الكبير لجامع السلطان حسن على عبوات خشبية، قيل انها تكلفت مئة الف دينار. ويعيد دكتور ثروت عكاشة هذا الاختلاف المعماري الى ان طريقة انشاء قبو كسرى تستدعى ان يكون منحنى القبو على شكل مكافيء سلسلي، مما قد لا يتفق مع الفكرة المعمارية، من الناحية الرمزية، بالنسبة لقبو السلطان حسن ذي المنحنى المدبب ذي المركزين السائد في العمارة الاسلامية المصرية. حين يسرح المرء بصره في جامع السلطان حسن، فإن هذا البصر لابد له ان يصافح التقاء السماء بالأرض وسموق المئذنة والشرافات التي يقال لها العرائس، لكن هذا البصر لابد له من ان يجتذب بقوة لا تقاوم الى زخرفة الايوان الكبير. اذا كان هنري وآن سترلين لا يترددان في تأكيد ان الجزء الجوهري من الزخرفة في الايوان الكبير يقوم على اساس نسق الأبلق، فإن المرء لا يملك الا ان يؤكد أهمية التأثير الجمالي لتداخل الاحجار البيضاء والسوداء في اطار نسق الأبلق الذي يتألق حول المداخل والأركان، غير اننا نعتقد ان البطولة الزخرفية الحقيقية في الايوان الكبير لذلك التلبيس الرائع للأسافل بالرخام وما يكتنف عملية التفشية من تقسيم الى لوحات لونية فريدة في حائط القبلة. تصل الزخرفة الى قمة نادرة من قمم الابداع في محراب الايوان، حيث نجد عمودين في كل جانب من جوانبه، وتعكس هذه الاعمدة في اسلوبها ما يوحي بأنها ربما كانت مما غنمه المسلمون في حروبهم مع الصليبيين وما انتزعوه من عمائرهم في شرقي المتوسط، والى جوار آيات الذكر الحكيم التي تتألق في المحراب وفوق عقوده نتوقف حول ذلك الحزام من الرقش الكوفي البديع الذي يزنر جدار الايوان، ملتفاً بعربة بديعة نلمح فيها الحضور البهي لبراعم اللوتس، وثمة حزام مماثل في الايوان الحنفي بالمسجد نفسه، لكننا نستطيع الجزم بأن هذا الحزام الرقشي المتألق في الايوان الكبير لا مثيل له في عمارة القاهرة بأسرها، وإن كان يمكننا ان نشير الى انه تجسيد لما سبق ان وصفناه بقفز الرقش من المصاحف الى جدران العمائر. هنا نقطة مهمة، وطريفة معاً، تلفت دوريس بيرنز ابو يوسف نظرنا اليها، فغير بعيد عن حزام الرقش هذا سنجد ما وصف بأنه توقيع النقاش وهو عبدالله محمد علي، وهناك توقيع آخر غير بعيد عن الرقش الذي اشرنا اليه في الايوان الحنفي، وقد فسر على انه توقيع المعماري غير ان المصادر التاريخية توضح ان هذا التوقيع ليس الا توقيع مشيد العمائر، اي المشرف على اعمال الاعمار، وهو عمل كان يضطلع به تقليدياً أمير مملوكي وليس حرفياً مساهماً في العمل بشكل مباشر. لن يقدر لحديثنا عن الايوان القبلي او الرئيس في الجامع ان يكتمل ما لم نبادر الى الاشارة الى ان امامنا في هذا الايوان منبراً فريداً من نوعه، لأنه منبر حجري ملبس بالرخام الابيض، ولم يتم الاسراف في تجميله وزخرفته، وان ذلك لا يحول بيننا وبين ملاحظة تتويجه بقبة بصلية بديعة يعلوها هلال رشيق وان بابه نحاسي مشغول يردد اصداء الباب الخارجي للجامع الذي طوحت به الاقدار الى جامع المؤيد، تعلوه لوحة من الرقش المذهب، ويأخذ بأكنافه عند جانبي وجهية المحراب عمودان مختلفان عن الاعمدة التي رأيناها على جانبي المحراب ولا يفوتنا ان نشير الى مقرنصات وجهية المحراب التي تعلوها العرائس التقليدية. نلاحظ كذلك ان دكة المبلغين في الايوان الكبير، او الايوان القبلي، هي دكة غير عادية، لأنها من الرخام الأبيض، وتحملها أعمدة بديعة ذات ألوان مختلفة. ولا يفوتنا كذلك ان نشير الى الميضأة التي تتوسط الصحن والتي استكملت في عام 1362، وهي مكونة من ثمانية اعمدة رخامية تعلوها قبة بصلية من الخشب مزخرفة بحزام من الرقش البارز، ويعتقد ان هذه القبة ربما كانت نسخة مصغرة من قبة الجامع الأصلية التي كانت ايضاً بصلية ومن الخشب ايضاً. ضريح ودروس في الحياة لو ان المرء دقق في حائط القبلة بجامع السلطان حسن، وأمعن فيه النظر، للاحظ ان المحراب يكتنفه بابان يوصلان الى الروضة، او القبة، او الضريح، وهي كلها ألفاظ تؤدي المعنى نفسه، حيث تشير الى الموضع الذي يوجد به القبر الذي لم يقدر للسلطان حسن ان يدفن فيه قط، وذلك في مفارقة لما درج عليه العرف المعماري من ابعاد الضريح عن حائط القبلة. غير اننا هنا امام قبلة فريدة من نوعها، لا يمكن الا ان تدهشنا أبعادها، فهي مربعة طول كل ضلع من اضلاعها 21 متراً، وارتفاعها حتى ذروتها 28 متراً، ولها محراب من الرخام المحلى بزخارف دقيقة، ويدور على جدرانها افريز خشبي نقشت به بحروف بارزة وكبيرة آية الكرسي. وتوضح لنا دوريس بيرنز ابو يوسف مدى غرابة وندرة توضع القبة خلف حائط القبلة على هذا النحو في العمارة المصرية كلها، فتشير الى ان هذا الوضع لا نظير له في العمارة الاسلامية المصرية الا في مسجدين آخرين هما مسجد الامير حسين (1319) ومسجد محمود باشا (1568) ذلك انه حتى اذا اتصلت القبة بحائط القبلة فإن المعماري كان يعمد الى جعلها في احد جانبي بيت الصلاة، بحيث لا يتجه المصلون في صلاتهم نحو القبة بحال. وهي تفسر هذا الوضع الغريب بأنه يعود الى الوضعية الحضرية للبناء، الذي شيد ليؤثر في النفوس، لدى الاطلال عليه من قلعة الجبل، بضخامة المسجد وجسامة القبة، وهكذا فإنه بسبب الموقع لم يكن حل لتحقيق هذا الغرض الا بجعل القبة خلف حائط القبلة. وهذه القبة التي ظلت خاوية قرنا من الزمان او يزيد قبل ان يدفن فيها احد، وكأنما هيمنت عليها لعنة غامضة تعد الاضخم من نوعها في القاهرة ويتوقف الكثيرون عند افريزها الرقشي الذي جملت الاجزاء النافرة منه باللون الابيض، على نحو اصبح من السهل معه قراءة الآية الكريمة رغم ارتفاعها الكبير عن موضع الرائي. هذا المكان الذي يكرس وظيفياً للاعلان بحضور الموت تتدفق فيه حياة غريبة يعلن عن حضورها عبر عبقرية الفنان الذي صمم وأبدع النوافذ ذات الزجاج المعشق بألوانه المدهشة، لينهل النور منها، منسابا على حطات المقرنصات الضخمة في المواضع التي يتحول فيها البناء من الوضع المربع الى الوضع الدائري فتحار هل تقف امام انشاء أم زخرفة ام انك تمضي في الارض الحائرة بينهما ومن حسن الحظ ان هذه النوافذ جرى ترميمها على نحو بارع لا يسيء الى الاصل الاثري بقدر ما يحافظ عليه. اخيراً، لسنا نملك الا ان نلاحظ ان الغنى الطائل كان هو الذي اتاح للسلطان حسن ان يبني هذا الجامع الذي تباهى بأن ايوانه الكبير فاق ايوان كسرى في المدائن، ولكن ألم يكن هذا الغنى منحدراً من صلب الطاعون الذي اودى بثلث سكان مصر في القرن الرابع عشر؟ ألم يتكشف هذا الغنى الذي يأخذ الظلم والبطش بأكنافه عن فقر اوشك على ان يحمل السلطان الشاب على ان يضرب صفحاً عن إكمال البناء؟ أليس حقاً علينا ان نفتح القلوب والعقول لما قاله أهل الحقيقة من ان «الغنى هو سكون القلب بوعد الله تعالى»؟