الاثنين 27 رمضان 1423 هـ الموافق 2 ديسمبر 2002 الاختلاف بين الفقهاء أمر طبيعي نظرا لتفاوت قدراتهم العقلية التي ينجم عنها اختلاف في الأقوال وتنوع في الآراء حول النصوص التي يجد العقل فيها مجالا يسمح بذلك، فأحكام الشريعة منها ماهو قطعي الدلالة لا مجال فيه كأركان الاسلام، ومنها ماجاء ظني الدلالة تتعدد حوله الآراء والأقوال لاحتماله معاني كثيرة وفقا لقواعد اللغة العربية، ومن هنا فاجتماع التفاوت في العقول والاحتمال في النصوص لابد وان يؤدي الى اختلاف في الاراء بين الفقهاء.. حول هذه القضية يدور كتاب «الاختلاف الفقهي .. أسبابه وموقفنا منه» للمؤلف د.وجيه محمود. يرى المؤلف ان الاختلاف بين الفقهاء ينمو ويتشعب ويساعد على ذلك تلك الحرية الفكرية التي منحها الاسلام لمعتنقيه، فلا حجر ولا تضييق على الافكار والاراء المستنيرة الى نص صريح أو فهم واضح، تلك الحرية التي هيأت للشافعي ان يقول اليوم بالرأى ثم لا يمنعه مانع ان يغيره في الغد اذا ظهر له من الدليل ما يقتضي التغيير وكذلك لاخوانه من الائمة واسلافهم من الصحابة والتابعين، كما يساعد على نمو الاختلاف تغيير أساليب الحياة وانتقالها من طور الى طور اخر جديد له معطياته الجديدة وتنوع طرائق الناس في معايشهم وارزاقهم الأمر الذي يؤدي الى بروز أمور معيشية جديدة قد تفتقر الى دليل شرعي يوضح موقف الشارع منها مما يحتم اللجوء الى الاجتهاد الذي تتباين معه الآراء وتتنوع الأقوال. فهم النصوص وحول الاختلاف في فهم النصوص والمراد منها يضرب المؤلف مثلا بما حدث بين أصحاب النبي يوم الاحزاب فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاحزاب «لا يصلين احد العصر الا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق قال بعضهم لا نصلي العصر حتى نأتيهم، وقال البعض الآخر: بل نصلي، وعندما ذكر ذلك للنبي لم يعنف أيهما، لأن الذين أخروا الصلاة أخذوا بظاهر اللفظ والذين صلوها قبل فوات وقتها نظروا الى المقصود من ورائه فتغير حكم الفريقين. أما بالنسبة للاختلاف في استنباط الاحكام فيما لا وجود للنص فيه فقد تعرض مشكلة لم يرد فيها نص يوضح رأى الشرع فتختلف أراء المجتهدين حوله كما حدث للصحابة ومن بعدهم من الائمة في مسألة ميراث الجد مع الاخوة، تلك المسألة التي لم يجدوا لها نصا يقضون به فاختلف قولهم، فمنهم من قال ان الجد أولى من الاخوات في الميراث، فإذا وجد معهم حجبهم فلا يبقى لواحد منهم حظ في الميراث لان الجد اقرب الى الميت منهم لانه اب فيحجب الاخوة كما يحجبهم الاب وقد قال بذلك أبوبكر وابن عباس وابن الزبير، في حين رأى اخرون ان الجد والاخوة كلاهما يرث لانهما يتساويان في درجة القرب أو كلاهما يدلي الى الميت عن طريق الاب وقد قال بذلك علي بن أبي طالب وابن مسعود وزيد بن ثابت وذهب الى هذا الموقف المالكية والشافعية وأحمد. وفيما يتعلق بالاختلاف في الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة يشير الكتاب الى ان المجتهد قد يصله نصين أو أكثر يكون في ظاهرهما تعارض بالنسبة لفهم المجتهد وقدرته العقلية حيث لا تعارض حقيقياً بين نصوص الشريعة الغراء، فالتعارض كما عرفه السرخسي «تقابل الحجتين المتساويتين على وجه يوجب كل واحد منهما ضد ما توجبه الأخرى كالحل والحرمة والنفي والاثبات»، وإذا وجد التعارض بين النصوص لجأ المجتهد الى ازالة ذلك بأحد طريقين الأول: الجمع بين النصوص والمقصود به التوافق والائتلاف بين الأدلة الشرعية سواء كانت عقلية أو نقلية واظهار ان الاختلاف غير موجود بينهما حقيقة وسواء كان ذلك بتأويل الطرفين أو احدهما، أما الطريقه الثانية فهي الترجيح وهو تقديم أحد الطرفين المتعارضين لما فيه من ميزة معتبرة تجعل العمل به اولى من الآخر. صلاة الكسوف وقد أورد المؤلف أمثلة على الاختلاف الفقهي بين العلماء مثلما حدث في صفة صلاة الكسوف فقد ذهب مالك والشافعي وجمهور أهل الحجاز واحمد الى ان صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، في حين ذهب أبوحنيفة والكوفيون الى ان صلاة الكسوف ركعتان على هيئة صلاة العيد والجمعة، والسبب في اختلافهم هذا اختلاف الأحاديث الواردة في كيفية صلاة الكسوف فقد ثبت من حديث عائشة انها قالت «خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد ثم فعل في الركعة الاخيرة مثل ذلك ثم انصرف وقد تجلت الشمس»، كما وردت أحاديث أخرى صحيحة بينت ان الرسول الكريم صلى صلاة الكسوف كصلاة العيد منها حديث أبي بكر قال «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكشفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى دخل المسجد فصلى بنا ركعتين مثل صلاتكم هذه حتى انجلت الشمس». وهناك اختلاف في القواعد الاصولية والمقصود بها تلك الضوابط التي يضعها المجتهد امامه عند استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وقد قسم العلماء الأدلة الشرعية الى قسمين الأول الأدلة المتفق عليها وهي الكتاب والسنة والاجماع والقياس، والثاني: الادلة المختلف عليها والتي نجم عنها الاختلاف في الفروع الفقهية وهي كثيرة واهمها مذهب الصحابي واجماع أهل السنة والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف والاستقراء والاستحسان. وينتهي المؤلف الى الحديث عن موقف الأمة من هذا الاختلاف لما يمثله ذلك من خطورة ولما يترتب عليه من نتائج قد تتعلق بمصيرها، لان الاختلاف في الاراء الذي وجدناه عند السلف الصالح تحول الى اختلاف في القلوب عند بعض الخلف الذين لم يعوا المقصد من اختلاف الائمة، فقد وجدنا سلفنا الصالح لا يفرضون رأيا على متبع، كما لا ينكرون على مخالف لأن حمل الناس على طريق واحدة في فروع الدين أمر فيه تضييق وحرج ولا أدل على ذلك من رفض الامام مالك رغبة الخليفتين المنصور والرشيد في حمل الناس على موطنه والعمل بما فيه، ولكي نبين موقفنا نحن المسلمين من اختلاف الفقهاء فلابد من الاشارة الى ثلاثة أمور تكون تمهيدا لتبيان هذا الموقف من الاختلاف اولها ان اختلاف الفقهاء كانت بدايته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر النبي على احد من المختلفين لانه اختلاف في الفروع لا يضر وقوعه، وثانيهما ان اختلاف الفقهاء لم يقع الا في الفروع الفقهية التي جاءت نصوصها ظنية الثبوت والدلالة وتحتمل أكثر من وجه، والثالث ان الاختلاف بين الائمة والمجتهدين لم يكن مقصده الا الوصول الى الحق فكانت الآراء المتنوعة بمثابة الطرق المختلفة التي تؤدي الى هدف واحد ومن ثم سادت بين الأئمة الروح التي تعتمد الحياد وتعمد الى الحقيقة حيث كانت تحترم آراء الغير. القاهرة ـ مكتب «البيان»: