الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 لقيت صناعة المنسوجات والملابس عناية فائقة خلال العصور الإسلامية الوسيطة، فالإضافة إليأهميتها كواحدة من الاحتياجات الفطرية لملبس الإنسان، كانت المنسوجات والملابس أيضا بمثابة النياشين والأنواط التي تمنحها الدول على سبيل التشريف أو التكريم « منح الخلع » وقد أعتاد الخلفاء والسلاطين أن يخلعوا الملابس على رجال الدولة وقاصدي البلاط من الدول الأخرى ولما كانت هذه الخلع التشريفية منحة وميزة سلطانية كان الاهتمام كبيرا بتمييزها عن سواها مما يلبسه عامة الناس. ومن أجل تحقيق هذه الغاية أنشأت الدول الإسلامية المختلفة المناسج الخاصة بها والتي عرفت باسم دور الطراز «وترازيدن» كلمة فارسية تعني النسج أو الزخرفة المنسوجة وقد عرفت دور الطراز بهذا الاسم لأن الخلع التشريفية كانت تزدان بشريط كتابي يحمل اسم الخليفة وألقابه مع أدعية له . ومن المعروف أن هذا الشريط « الطراز » الوارد على المنسوجات إحدى الشارات الثلاث التي ينفرد بها الخليفة أو السلطان وهي الخطبة على المنابر والسكة أي النقود بالإضافة إلى الطراز على النسيج وكانت مناسج دور الطراز على نوعين أحدهما يعرف بطراز العامة كانت هذه الدور تقوم بإنتاج أقمشة تباع في الأسواق أما دور طراز الخاصة فقد كان إنتاجها وقف على تلبية احتياجات ومتطلبات الخلفاء والسلاطين سواء لإستخداماتهم الشخصية أو بغرض الأهداء. والحقيقة أنه بعد الإنتشار الواسع للإسلام وتراجع طابع الزهد والتقشف الذي ساد العالم الإسلامي في القرون الأولى بسبب كراهية الترف والملابس الحريرية، لقيت صناعة النسيج تشجيعا خاصة في الأقاليم والأمصار الإسلامية المختلفة ولاسيما بعد أن إنتشرت عادة الخلفاء والأمراء في مكافأة رجال الدولة بالخلع الثمينة والملابس الفاخرة،وقد حرصت هذه الدول على إنشاء دور الطراز في المدن التي لها شهرة قديمة في صناعة أنواع معينة من الأقشمة وذلك بغض النظر عن ابتعادها أو اقترابها من العواصم والحواضر الكبرى، وقد أدى ذلك إلى التصاق شهرة المنسوجات الإسلامية بمدن بعينها مثل تنيس ودبيق في مصر والموصل في العراق ودمشق في بلاد الشام مع ضمان جود المنتجات بحكم التخصص الدقيق. أما فيما يتعلق بتجهيز ملابس الحكام وخلع الاهداء فقد كانت هناك إدارة خاصة في كل دولة تعني بهذا الامر حتى أن هذه الإدارة في الدولة الفاطمية كانت تحت رئاسة سيدة منحت لقب «صاحبة المقص» أو المقص دار» . ومن ناحية الأتراك فقد أخذت شعوبهم بعد الدخول المتزايد في الإسلام والإتصال بمناطق الحضارة المستقرة ولاسيما في إيران والعراق وبلاد الشام، أخذت هذه الشعوب في العناية بأمر الصناعات النسجية وتعتبر منسوجات السلاجقة أولى الاسهامات الحقيقية للترك في هذا المجال . وقد أهتم سلاطين سلاجقة الروم إبان حكمهم لمنطقة الأناضول بالمنسوجات الحريرية التي عرفت لجودتها باسم «الحرير الرومي» . وخلال رحلته إلى الأناضول امتدح المؤرخ والرحالة المغربي ابن بطوطة أقمشة مدينة لاذيق السلجوقية وهي مدينة أناضولية قريبة من بورصة وذكر أنه كان يضع بها ثباب قطن مقلمة ومطرزة بالذهب لا مثيل لها تطول أعمارها لصحة وقوة غزلها ولفت ذات الامر إنتباه الرحالة الإيطالي الشهير ماركو بولو الذي أشار إلى ما ينتج من منسوجات في الأناضول بقوله «كما يضع هناك كذلك الحراير المصبغة بالأرجوان وغيره من الألوان الزاهية وخاصة في مدن قونية وقيصرية وسيواس . ونظرا لشهرتها فقد كانت المنسوجات السلجوقية تصدر من الأناضول إلى مناطق مختلفة ليس فقط في العالم الإسلامي بل وفي أوروبا أيضا ومن أهم أنواع الأقمشة التي كان سلاطين السلاجقية يقومون بإهدائها للأمراء في الشرق والغرب «الديباج الرومي» و الأطلسي الرومي » ونوع يعرف باسم «شتما» وهو أشبه ما يكون بالقطيفة ذات الزخارف البارزة . وقد إمتازت زخارف المنسوجات السلجوقية الأناضولية بالإقبال على إستخدام صور الكائنات الحية مثل الصور الآدمية وصور الحيوانات والطيور مثل الأسد والفيل والنسر والطاووس بالإضافة إلى رسوم الكائنات الخرافية مثل التنين والغنقاء والنسر ذي الرأسين وكانت ترسم متقابلة أو متدابرة داخل جامات أو مناطق دائرية أو بيضاوية . ولم يغفل النساج التركي خلال عصر سلاجقة الروم إستخدام زخارف التوريق العربية « الأرابيسك » من طراز الرومي والزخارف النباتية من وريقات ووريدات بالإضافة إلى الزخارف الكتابية التي كانت تنسج على هيئة أشرطة عريضة بخط الثلث أو بالخط الكوفي . ومن أشهر نماذج المنسوجات التركية السلجوقية قطعة من قماش حريري أحمر اللون موشاة أو مطرزة بخيوط من الذهب وعليها شريط كتابي يحمل اسم السلطان السلجوقي علاء الدين أبي الفتح كيقباد بن كيخسرو مما يدل على أن هذا القماش قد أنتج على أنوال دار طراز الخاصة والتي كانت داخل قصره بمدينة قونية . ويتألف تصميم هذه القطعة من دوائر لها إطار من وريدات متكررة وبداخل الدوائر صور لبؤات أو فهود في أوضاع متدابرة وقد تشابكت أطراف ذيولها على هيئة رأس تنين وزخرفة عربية مورقة من طراز الرومي في المساحة بين رأسين وتزدان المساحة الخالية بين الدوائر بوريدة سداسية البتلات يحيط بها أربع ورقات نباتية ثلاثية الفصوص، وتوجد قطعة ثانية من قماش موش بالذهب من عهد سلاجقة الأناضول عليها صورة نسر برأسين داخل شكل يشبه الدرع له إطار من حباب اللؤلؤ. وبعد أن ورث الأتراك العثمانيون ممتلكات سلاجقة الروم في الأناضول ووسعوا من حدود دولتهم لتشمل أرض في قارات العالم القديم الثلاث « آسيا - أفريقيا - أوروبا » راحوا يولون عناية خاصة بإنتاج منسوجات وأقمشة أنيقة راقية تكلفة إنتاجها وأسعارها كبيرة وذلك من أجل التعبير عن ثراء الدولة العثمانية وإظهار الفخامة والرفاهية. وقد لعبت الإدارة العثمانية دورا أساسيا في تنظيم عملية إنتاج المنسوجات لضمان جودة السلع المصدرة من ناحية ولضمان وجود مصدر ثابت لخزانة الدولة من الضرائب من ناحية أخرى فقد كانت الحكومة تقوم بمراقبة مستوى الجودة وتحرص على ختم الأقمشة بالتمغة الرسمية وقد تقوم بمصادرتها ووقف بيعها عن طريق المحتسب عند وجود أي تلاعب في المواصفات، أو مغالاة في الأسعار. وكانت منتجات النسيج التركية وخاصة الحريرية تتعرض لتقلبات حادة بسبب تأثير الحوادث السياسية على تجارة الحرير وخاصة في القرنين التاسع والعاشر الهجريين « 15- 16 م » نتيجة للحروب المتكررة وبين شاهات إيران الصفويين، ذلك أن الأتراك العثمانيين كانوا يعتمدون في صناعة الحرير على إستيراد الحرير الخام « الشرانق» من إيران، ولهذا فقد شجعت الحكومة العثمانية مواطنيها على تربية دود القز وإنتاج الحرير محليا للتخلص من الاعتماد على الحرير الإيراني الخام . وقد بدأ الاتراك فعليا في إنتاج شرانق الحرير في مدينة بورصة منذ عام «996هـ « 1587م» في عهد مراد الثالث وأخذ الإنتاج يزداد تدريجيا حتى صارت أراضي بورصة وما حولها مغطاة بأشجار التوت بعد قرن من بداية الإنتاج . وتجدر الإشارة إلى أن الدولة العثمانية كانت تضطر إلى إصدار «فرمانات» للحد من كميات الذهب التي تستخدم في تزيين بعض المنسوجات بخيوط من الذهب وذلك حفاظا على ثروات البلاد من معدن الذهب حتى لا يحدث إنهيار نقدي . ومما يدل على إزدهار صناعة النسيج في تركيا العثمانية نشأت طائفة حرفية « نقابة » للنساجين وكان أعضاء هذه النقابة يسهمون في الاحتفالات العامة فيسيرون في المواكب الرسمية حاملين مصنوعاتهم من الأقمشة وخاصة في فترة حكم السلطان مراد الثالث والسلطان أحمد الثالث . وقد توزع أعضاء طائفة النساجين على عدد من الطوائف فمنهم من أختص بتجارة النسيج ومنهم من تفرد بتجارة الحرير فضلا عن طوائف للصباغين والغزالين والفتالين . وقد اختصت طائفتا الغزالين والفتالين بغزل وفتل الحرير بفك خيوطه من الشرانق وكان فصل الحرير عن الشرانق يتم يدويا وبطرق بسيطة حيث كانت الشرانق توضع في الماء المغلي وتحل خيوطها وتلف على هيئة شلات تضرب فوق حجارة مسطحة ثم تغمر في المياه وذلك للحصول على حرير ذي لون أبيض ناصع خال من الشوائب . وكان صناع طائفة الفتالين ترسل إليهم هذه الخيوط ليقوموا بصبغها بالألوان المختلفة حسب الطلب، وكان الصباغون في العصر العثماني يعتمدون بالدرجة الأولى على إستخراج الصبغات من المصادر الطبيعية، النباتية والحيوانية . ومن أهم الألوان التي إستخدمها الصباغون الأحمر القرمزي وهو أكثر الألوان إنتشارا سواء في أقمشة الأتراك السلاجقة أو العثمانيين وكان هذا اللون يستنبط من حشرة القرمز التي تعيش على أشجار البلوط . أما اللون الأصفر فكان يتم الحصول عليه من أقماع ثمر البلوط الجافة والمعروفة باسم «الفلون» في حين كان اللون الأزرق يستخلص من أوراق شجرة النيلة والتي كان يتم إستيرادها من مصر . وقد ذاعت شهرة مدن تركية في صناعة النسيج مثل بورصة واسكدار وتشير قوائم جمارك الموانئ التركية إلى عشرات من أصناف الأقمشة التي كانت تصدر من الأراضي العثمانية إلى أرجاء أوروبا والحقيقة أن الطابع الترفي والزخرفي المميز للأقمشة التركية وخاصة الحريرية كان وراء إقبال الأوروبيين على شرائها. د. أحمد السيد محمد