الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 القرآن الكريم هو معجزة الإسلام الخالدة التي لا يزيدها التقدم العلمي إلا رسوخا في الاعجاز أنزله الله سبحانه وتعالي على رسولنا الكريم «صلى الله عليه وسلم» ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم، حول هذا المعنى يدور كتاب «الاعجاز العلمي والتاريخي في القرآن» لمؤلفه د. محمد محمود عبد الله مدرس علوم القرآن بالأزهر الشريف. لقد بلغت الآيات التي تتحدث عن الكون وظواهره في القرآن الكريم أكثر من ألف آيه أي بما يشكل سدس القرآن، هذه الآيات تفسر في كل عصر بما وصلوا إليه من تقدم في العلم وبما لديه من وسائل تكنولوجية، فمثلا عن إتساع الكون قال الله عز وجل في كتابه الكريم «لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون» لقد تأكد العلماء وبعد قرون طويله أن كل ما في الكون هو في حركة دائمة سواء كانت حركة إنتقالية أو حركة دورانية حول محور أو مركز من مراكز الجذب، واقرب مثال للحركة الدائمة في الكون هو المجموعة الشمسية التي تدور فيها النيازك والمذنبات والكواكب والكويكبات حول الشمس في مدارات شبه دائرية «بيضاوية» تتفاوت طولا كما تدور «التوابع» أو الاقمار حول نفسها. كلمات قليلة كما أن الشمس تجري والقمر يجري والأرض كذلك وهذا ما بينه القرآن مفصلا وتفصيلا دقيقا في كلمات قليلة لا تتجاوز ثلاثة آيات على حين أن العلم ظل إلى عهد قريب يتحسس طريقه بالإفتراض أن الشمس ثابتة في مكانها بعد أن اقام الحجه على أن الارض تدور حول نفسها محدثة حركتها هذه الليل والنهار وأن حركة الشمس من الشرق إلى الغرب إنما هي حركة ظاهرية ولكنه لم يدرك وقتئذ أن للشمس حركة أخرى يعتبر اكتشافها من أمهات حقائق العلم الحديث، ومن هنا تظهر عظمة القرآن ودقته المتناهية في تصوير حقائق الكون الراهنة وجمع المعاني المتعددة في لفظ واحد يقول سبحانه وتعالي في كتابه «والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون». فإذا تم التعرض بالتحليل إلى كلمة «لمستقر» نجد أن اللام في اللغة العربية لها ثلاثة عشر معنى من بينها «في» وإذا اخذنا بهذا المعنى لوجدنا معنى الآية أن الشمس تدور في مستقر لها أي في مكان مستقر لها وهذا ما بينه العلم الحديث فهي تدور حول نفسها في ستة وعشرين يوما. وينتقل المؤلف إلى القمر ومن خلال الآية الكريمة «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم» يشير إلى أن المعنى هنا هو أن القمر غير ثابت فهو ينزل منازل مختلفة يتغير فيها مظهره فيظهر للناس بأوجه مختلفة حتى يصير بدرا ثم يتناقص ويعود في النهاية كما بدأ أي هلالا، وقد شبه القرآن الكريم الهلال بالعرجون القديم أي الشمراخ المعوج القديم الذي يمتاز بانحنائه وبهتان لونه، ولابد أن ينزل القمر منازل مختلفة بأن ينتقل من مكان لآخر وبذلك فالقرآن يعلل أوجه القمر بأن سببها هو انتقال القمر في أمكنه مختلفة بالنسبة للأرض وهو في انتقاله يتغير مظهره وهذا ما يطابق ماوصل إليه العلم أخيرا وهو أن سبب ظهور القمر بأوجه مختلفة هو دورانه حول الأرض مع مواجهته لها بوجه واحد. نظرية حديثة وفيما يتعلق بالسماء والأرض أتى المؤلف بالآية الكريمة «أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون»، فالآية تقول أن السماء والأرض كانتا قطعه واحدة ثم فصلت أحداهما عن الأخرى وهذا هو عين ما تقوله النظرية الحديثة لتكوين المجموعة، الشمسية، وفحواها أن هذه المجموعة كانت سديما سابحا في الفضاء كما كانت الاجرام السماوية ثم وقع هذا السديم بطريقة ما تحت تأثير جرم كبير من الاجرام السماوية الأخرى فتفككت الاجزاء الخارجية لهذا السديم وامتدت منه أذرع اكتسبت شكلا حلزونيا من جراء دوران السديم، وأخيرا انقشع هذا السديم تدريجيا فاجتماع الاجسام الصغيرة حول الاجزاء الكبيرة فكانت الكواكب التسعة عطارة والزهرة والارض والمريخ والمشترى وزحل وأورانوس وبنتون وبلوتو والكويكبات التي بين المريخ والمشترك وعددها يزيد على الألفين، وهذه النظرية الحديثة هي نفس ما قاله القرآن الكريم من ان الأرض كانت جزءا من سديم عظيم سابح في الفضاء ثم تفرق هذا السديم بعد ذلك إلى أجزاء انفصل بعضها عن بعض فتكونت المجموعة الشمسية بشكلها الحالي: الشمس والأرض والكواكب. أما السحاب فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالي «يزجي سحابا» أي يسوقه بالرياح «ثم يؤلف بينه» اي يجمع قطع السحاب فيجعلها واحدا متراكما للافق «فترى الودق» يعني المطر «يخرج من خلاله» أي من مخارجه كما ينزل بعض البرد من الجبال في السماء، ولقد أفاض القرآن الكريم في وصف العوامل والأسباب التي تتدخل في تكوين السحب وهطول المطر وذلك قبل أن يتوصل العلماء حاليا إلى معرفتها، وقد أوضح القرآن أن الرياح هي التي تثير السحاب وتوزعها وتوزع حملها من الامطار «الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فاذا اصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون»، كما فرق القرآن الكريم بين أنواع السحب وأوضح كيف يخرج الودق من خلال هذا الركام الذي يشبه الجبال وكيف ينهمر البرد من هذا النوع من السحب فقط، وقد أصبح معروفا الآن أن السحاب تتكون عندما يبرد الهواء ويصل إلى نقطة الندى أو درجة التشبع فتقل قدرته على حمل بخار الماء فيتحول إلى نقطة ماء أو بلورات ثلج حسب درجة حرارة تلك المنطقة من الجو وينزل الماء الطهور بهطول السحابة وهو ما أشار إليه القرآن في قوله تعالي «وأنزلنا من السماء ماء طهورا». القاهرة ـ مكتب «البيان»: