الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 «مجاهل الكون العظيم».. هو موضوع البحث العلمي الذي أعده د. اسماعيل وهدان الأستاذ بالمعهد القومي للبحوث الجيوفيزيقية وفي بحثه يبدأ د. وهدان بالآية القرآنية الكريمة (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون).. ثم يفسرها فيقول: ان الله تعالي لما وصف جدالهم في آيات الله بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالا، فقال (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس).. والقادر على الأكبر قادر على الأصغر لا محالة.. ثم ان هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السماوات والأرض هو الله، ويعلمون بالضرورة أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. وكان عليهم أن يقروا بأن القادر على خلق السماوات والأرض يكون قادرا على اعادة الانسان الذي خلقه أولا.. فهذا برهان على افادة هذا المطلوب. ان الله سبحانه يلفت نظر الناس عموما في هذه الآية الكريمة الى عظمة خلق السماوات والأرض، يلفت نظر العامي والعالم الى ضخامة الكون الذي خلقه وابدعه.. ويستتبع هذا اجتهاد العالم في السعي من أجل التعرف على ما يمكن التوصل اليه من محتويات هذا الكون العظيم.. ومحاولة التعرف أولا على أبعاده. وهو ما لم يتم حتى الآن. اتساع مذهل ويؤكد الباحث أن الكون الذي توصل العلماء الى معرفته حتى الآن يبلغ نصف قطره عشرة آلاف مليار كيلو متر، وهي المسافة التي يقطعها الضوء في عشرة مليارات سنة ضوئية بسرعته البالغة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية.ويحتوي هذا الجزء الذي عرفه البشر من الكون مئة مليار مجرة، ومتوسط كتلة المجرة الواحدة خمسين مليار مرة قدر كتلة الشمس، علما بأن كتلة الشمس تساوي ثلاثمئة وثلاث وثلاثين ألف أرض مثل أرضنا التي نعيش عليها. ولقد صنف العالم الأميركي «ادوين هابل» في القرن العشرين، المجرات الموجودة في الكون ـ بحسب أشكالها ـ الى أنواع رئيسية هي : المجرات البيضاوية والمجرات اللولبية والمجرات غير المنتظمة والمجرات العدسية. أما المجرات البيضاوية فهي حشود بيضاوية من نجوم متكاثفة حول المركز، وتبدو على هيئة كتلة سديمية، وتمثل 25 من مجموع مجرات الكون، وهي صغيرة الحجم، ونادرا ما يتجاوز قطرها 7 آلاف و500 سنة ضوئية. وأما المجرات اللولبية فتشكل ثلثي مجموع المجرات في الكون، ولكل مجرة أذرع حلزونية تتألف من الغاز الكوني والغبار الكوني، ويلتف عدة مرات حول النواه الى أن تختفي تفاصيلها في الهالة الباهتة التي تفصل المجرة عن ظلام الكون. وتدور مجرتنا المسماة «درب اللبانة» والتي تضم مئة مليار نجم، ومن هذه النجوم توجد الشمس.وتقع الشمس المعروفة لنا ومعها مجموعة من الاجرام على بعد 33 ألف سنة ضوئية من مركز هذه المجرة. ويقدر العلماء بأن أقرب شمس لشمسنا تبعد عنها 43ملايين سنة ضوئية، وأن أقرب مجرة لمجرتنا المعروفة هي أندورميدا وتبعد عن مجرتنا 186 ألف سنة ضوئية. وأما المجرات غير المنتظمة فتشكل 10% من مجموع مجرات الكون، وليس لها شكل محدد، والشكل المسطح هو الغالب فيها، ولا يوجد لها مركز ولا أذرع، وتتخللها كميات هائلة من الغبار والغاز الكوني التي شاءت القدرة الالهية أن تكون نجوما جديدة باستمرار. وأما المجرات العدسية فشكل كل منها هو تركيب كروي ثنائي التحدب ونواتها مركزية شديدة الضياء ولا تتكون فيها نجوم جديدة. حركة الكون لا تهدأ وقد تأكد العلماء من حركة الأجرام السماوية، وأن كل ما في الكون في حركة دائمة، سواء كانت حركة انتقالية أم حركة دورانية حول محور ما، أو حول مركز من مراكز الجذب.. ففي المجموعة الشمسية تدور النيازك والمذنبات والكواكب والكويكبات حول الشمس في مدارات شبه دائرية، كما تدور التوابع حول نفسها وحول كواكبها، وتدور الكواكب حول نفسها.. وتدور مجرة درب اللبانة وحشودها النجومية حول مركز المجرة، وتدور الشمس مع مجموعتها الكواكبية حول هذا المركز مرة كل مئتي مليون سنة بسرعة 250 كيلو متراً في الثانية. وبالاضافة لدوران المجرات حول محاورها فانها تتباعد هي وحشودها النجومية عن بعضها البعض بسرعات تزداد بزيادة المسافة، فحشد المجرة التي تبعد عن مجرتنا خمسمئة مليار كيلو متر يبتعد عنا بسرعة 1200 كيلو متر في الثانية، بينما يبتعد حشد الدب الأكبر الذي يبعد عنا بمسافة 15 ألف مليار كيلو متر بسرعة تبلغ 42 ألف كيلو في الثانية.. أي ينتقل كل ساعة مسافة مساوية لبعد الأرض عن أمها الشمس.. وصدق الله العظيم الذي يقول في كتابه الكريم ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون). تطور فكر الانسان عن الكون لقد تطور فكر الانسان وتصور البشر لشكل الكون الذي يعيشون فيه..ويمكن ابراز مراحل هذا التطور.. منذ عهد الاغريق حيث اعتقد أرسطو أن الأرض هي مركز الكون وأنها ثابتة في مكانها بينما يدور القمر والشمس والكواكب والنجوم حولها في مدارات دائرية ثم جاء بطليموس في القرن الثاني الميلادي فقام بعمل تعديلات طفيفه لنموذج أرسطو، يعني أن الاعتقاد بمركزية الأرض للكون ظل كما هو مسيطرا على عقول الناس. وظل هذا الاعتقاد حتى جاء الاسلام فقام المسلمون بتصحيح نموذج بطليموس ووضعوا النموذج الجديد الذي تدور فيه الكواكب حول الشمس.. وقد أخذ كوبرنيكس البولندي هذا النموذج من علماء المسلمين حينما سافر الى ايطاليا ودرس علم الفلك الاسلامي هناك.. وكان ذلك ما بين عامي 1496 ـ 1505 ميلادية.. ثم طبق فريدمان في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي النظرية النسبية العامة على الكون وأوجد لها نماذج وحلول تتفق كلها على أن الكون حاليا في اتساع وتمدد حجمي.واستطاع هابل باكتشافاته العلمية أن يؤكد نتائج فريدمان وأن يثبت بالقياسات أن المسافات بين المجرات في ازدياد مستمر وأن سرعة ابتعادها عن بعضها البعض تتناسب طرديا مع المسافة بينها. وتشير هذه النماذج الى امكانية وجود ثلاثة أنواع أو صور للكون هي : الكون المنغلق حيث تتغلب فيه طاقة الوضع على طاقة الحركة فيقف تمدد الكون الحالي ثم يبدأ في الانكماش.. ثم الكون المنفتح وتتغلب فيه طاقة الحركة على طاقة الوضع فيستمر الكون في الاتساع.. وأخيرا الكون المستوى وفيه تتساوى طاقة الوضع مع طاقة الحركة فيقل تمدد الكون بالتدريج.. ولكنه لا يصل الى الصفر الا فيما لا نهاية. نص قرآني معجز بعد كل الذي ذكرناه نستحضر قول الله سبحانه وتعالي (فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون انه لقول رسول كريم). والمفسرون قالوا في الآية أنه تعالي لما اقام الدليل على امكانية القيامة ثم على وقوعها، ثم ذكر أحوال السعداء وأحوال الأشقياء.. ختم بقوله. (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) يعني جميع الأشياء على الشمول.. ونحن نضيف هنا ـ كما يقول الباحث ـ أن (وما لا تبصرون) تشمل القسط الأكبر من الكون الذي لم يتوصل الانسان حتى الآن الى معرفة كنهه أو محتواه، وسيظل العلماء يلهثون من أجل التعرف على بعضه الى يوم القيامة، سواء بالبصر المجرد، أو باستخدام الآلات والأجهزة. وسيظل ماخفى من الكون أعظم مما ظهر للعيان. واذا كانت الدهشة قد اصابت القارئ مما أوردناه عن اتساع الكون الهائل وضخامته العظيمة، فان الذهول يصيبه أكثر حين يعلم أن ما توصل اليه العلماء حتى الآن ما هو الا عشر الكون..وأن التسعة أعشار الأخرى في طي الخفاء. القاهرة ـ السيد أبو داود: