الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 إن كل إنسان يستطيع أن يصنع من الطين تمثالاً كهيئة الطير لكن الله أوجد معجزة عيسى أنه يخلق من الطين كهيئة الطير ونفخ فيه وقد تسأل فى ماذا ينفخ فى الطير أم فى الطين أم فى الهيئة ؟ إن قلنا : إن النفخ فى الطين بعدما صار طيراً فيكون النفخ فى الطين كالنفخ فى الطير وجاءت فى اية أخرى أنها نفخ فى الهيئة : «إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذنى )[المائدة :110] إن النفخ فيه تكون للطين أو للطير والنفخ فيها تكون للهيئة وكذلك آية سورة التحريم التى تقول :«ومريم ابنة عمران التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين». وفى سورة الأنبياء :«والتى أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها أية للعالمين [الأنبياء:91]. فى هذه الآية نجد أن الإعجاز ليس فى أن يعقل ذلك فكأنه حينما قال سبحانه وتعالى :«أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله» [آل عمران: 49] كأنه صار طيراً من النفخة لكن صناعة طير من الطين فأى إنسان يمكن أن يفعلها أم أنه (بإذن الله) تضم الكل تضم صناعة الطين كهيئة الطير فيكون طيراً بإذن الله. نعم إن عيسى لم يكن ليجتريء ويصنع ذلك كله إلا بإذن الله. ومادام الطين المصنوع كهيئة الطير قد صار طيراً بإذن الله. لقد جاءت كلمة (بإذن الله) من عيسى وعلى لسانه اعترافاً منه بأن ذلك ليس من صناعته وكأنه يقول لقومه: إن كنتم فتنتم بهذه فكان يجب أن تفتنوا بإبراهيم من باب أولى حينما قطع الطير وجعل على كل جبل جزءاً منهن ثم دعاه :«وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم»(البقرة:260]. إذن كان من الأولى الفتنة بما أعطاه الله إبراهيم من معجزة إن كانت الفتنة من ناحية الإحياء لكانت الفتنة بإبراهيم وإن كانت الفتنة من ناحية أنه جاء إلى الدنيا بدون أب لكانت الفتنة أكثر من خلق آدم لأن الله خلقه بلا أب أو أم. أنتم فتنتم فيه لا من ناحية الإحياء عند إبراهيم ولا من ناحية الإيجاد بدون أب أو أم عند آدم إذن فالفتنة لا أصل لها ولا منطق يبررها. إنه التشوف إلى ملابسة سر الصنعة الإلهية وحين يجيء هذا التشوف من إبراهيم الأواه الحليم فإنه يكشف أحياناً من الشوق والتطلع لرؤية أسرار الصنعة الإلهية فى قلوب أقرب المقربين، إنه تشوف لا يتعلق بوجود الإيمان وثباته وكماله واستقراره وليس طلباً للبرهان أو تقوية للإيمان. إنما هو أمر آخر له مذاق آخر إنه أمر الشوق الروحي إلى ملابسة السر الإلهى فى أثناء وقوعه العملى أراد أن يرى يد القدرة وهى تعمل.«وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى» لقد كان ينشد اطمئنان الأنس إلى رؤية يد الله تعمل ولقد كان الله يعلم إيمان عبده وخليله ولكنه سؤال الكشف والبيان ولقد استجاب الله لهذا الشوق فى قلب إبراهيم ومنحه التجربة الذاتية المباشرة. «قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهم جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم» لقد أمره الله أن يختار أربعة من الطير فيقربهن منه ويميلهن إليه حتى يتأكد من مميزاتهن التي لايخطيء معها معرفتهن وأن يذبحهن ويمزق أجسادهن ويفرق أجزاءهن على الجبال المحيطة ثم يدعوهن فتتجمع أجزاؤهن مرة أخرى وترتد إليهن الحياة ويعدن إليه ساعيات وقد كان ورأى إبراهيم السر الإلهى يقع بين يديه وهو السر الذى يقع فى كل لحظة ولا يرى الناس إلا آثاره بعد تمامه إنه سر هبة الحياة رأى إبراهيم هذا السر يقع بين يديه طيور فارقتها الحياة وتفرقت فى أماكن متباعدة تدب فيها الحياة مرة أخرى تعود إليه سعياً كيف؟ هذا هو السر الذي يعلو على التكوين البشري إدراكه إنه الشأن الخاص للخالق الذى لا تتطاول إليه أعناق المخلوقين.