الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 مع قدوم شهر رمضان تنتاب المسلم مشاعر خاصة لا يشعر بمثلها فى اى وقت اخر من العام فالمسلم يقترب من ربه وتتوثق علاقته بالمسجد وتمثل له صلاة التراويح خلاصا روحيا من علائق الدنيا ومباهجها وتدفعه سنة الاعتكاف الى التحلى بالفضائل والتخلى عن الرذائل ويعد انتظاره وترقبه لليلة القدرة امتثالا لاوامر وتوجيهات النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطمعا فى رحمة الله ومغفرته. فى هذا الحوار مع الدكتور عبد الحكم الصعيدى الاستاذ بجامعة الأزهرنفتح كتاب ذكرياته مع الشهر الكريم ثم يتطرق الحوار الى قضايا اخرى تتعلق بالصيام وشهر رمضان. ـ ما أهم المشاعر الروحية التى تشعرون بها مع مجيء شهر رمضان ؟ ـ حينما يقبل على الناس شهر رمضان يكون الفلك قد دار دورته ومضى عام على رمضان الماضى وخلال هذه السنة يسبح الناس فى شئون دنياهم سبحا طويلا فمنهم من يسلك طريق الخير ومنهم يتنكب جادة الطريق ولكن حينما يظهر فى الأفق هلال شهر رمضان فإن النفوس تتعلق به وتنشط القلوب وترحب بهذا الزائر العزيز والضيف الكريم حتى من هجر الصلاة وانصرف عنها وفرط فيها يستعد لأيامه ولياليه وينشط الناس لعبادة الله فى هذا الشهر الكريم وبطبيعة الحال هذه الظاهرة لها ارتباط وثيق بالحالة الشعورية وبالحالة النفسية لدى الناس لأن رمضان شهر يتجلى فيه الله سبحانه وتعالى على عباده وتغلق ابواب النار وتفتح ابواب الجنة وينادى مناد من قبل الحق تبارك وتعالى: يا باغى الخير أقبل ويا باغى الشر أقصر وما يفعله الناس حيال هذا الشهر قد يكون بدافع نفسى بحت وهذا واقع يتناغم مع هذه الاستعدادات الربانية والفطرة الكونية التى يتأهب فيها الكون لاستقبال هذا الشهر الكريم. ذكريات ـ ما أهم الذكريات التى مرت بكم خلال هذا الشهر الكريم ؟ ـ كل إنسان له مع هذا الشهر ذكريات فهو يتذكر العام الذى بدأ يصوم فيه أو دربه والداه فيه على الصيام واهم النوادر التى حدثت وهل استطاع ان يكمل صيام الشهر او أنه صام بعض فقط، أيامه أو ربما كان وهو صغير يتناول بعض الاشياء ويعتقد انها لا تفطر هذه الذكريات تمر بكل إنسان ومن الطريف فى هذا الشهر أن أذكر واقعة حدثت لى وهى اننى كنت فى أثناء حرب الاستنزاف مجندا وحينما كنت فى إحدى نقاط الملاحظة لقوات العدو فى سيناء وأثناء خدمتى في المراقبة كنت أقرأ القرآن واذكر يومها أنى كنت أقرأ سورتي ياسين والزمر حتى وصلت إلى آخر سورة الزمر وبقى على انتهاء خدمتى عشر دقائق فأخذت أتاهب واستعد لكى انزل وكنت على ارتفاع 66 مترا واستخدم سقالة خشبية فى الصعود والنزول وأثناء تحركى نحو السقالة اذا بعاصفة شديدة تقتلع السقالة تماما وتتركنى معلقا فى الهواء ممسكا بقطعة خشبية على هذا الارتفاع الكبير ولم يستطع زملائى ان يفعلوا شيئا وظللت أقرأ القرآن وادعوا الله ان ينجينى وبعد فترة وانا على هذا الوضع اذا بحدة الريح تنكسر والغبار ينتهى واستقرت الأخشاب وبدأت أمشى على خشب السقالة فى الظلام فقد حدث ذلك ليلا حتى وصلت الى قضيب حديد فأمسكت به وخلال ثوانى نزلت إلى الارض واستقبلنى زملائى بالهتاف والتكبير. ـ ما الذى تعلمته من هذا الموقف ؟ ـ تعلمت أن المواقف الصعبة التى يتوجه فيها الإنسان لله سبحانه وتعالى تكون الشدائد فيها سهلة جدا وربما تفتح للانسان الوان من الفرج لا يعلمها الا الله سبحانه وتعالى واذكر حادثة اخرى حدثت لى في شارع رمسيس فقد طلب سائل منى 20 قرشا وكان ذلك فى السبعينيات وأعطيته المبلغ ولم أنظر إلى وجهه ولم أراه ولكن راودني الاحساس فى هذه اللحظة ان هذه الصدقة مقبولة فكنت إذا وقعت فى شدة ادعو الله بهذه الصدقة وقلت لعل الله انقذنى ببركة هذه الصدقة. التعبئة الروحية ـ ما الدور الذى يجب ان يقوم به الدعاة خلال هذا الشهر الكريم؟ ـ الدعاة عليهم واجب مهم جدا عليهم فى تعبئة الناس تعبئة روحية ليس بمجرد الحكاوى ولكن بتوضيح مزايا هذا الشهر وفضل العمل الصالح فيه وفضل المحبة ونبذ الشرور والتقرب من الله سبحانه وتعالى لان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما اخبر سلمان الفارسى يقول خطبنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى آخر يوم من شعبان فقال: ايها الناس: قد اظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه الليلة خير من ألف شهر شهر اوجب الله صيامه وسن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيامه من تقرب فيه لله سبحانه وتعالى بخصلة من الخير كان كمن ادى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن ادى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزاد فيه من رزق المؤمن من أفطر فيه صائما كان كفارة لذنوبه وعتقا لرقبته من النار واستكثروا فيه من اربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم سبحانه وتعالى وخصلتين لا غناء لكم عنهما أما اللتان ترضون بهما ربكم سبحانه وتعالى شهادة ان لا اله الا الله وتستغفرونه واما اللتان لا غناء لكم عنهما تسألون الله الجنة وتستعيذونه من النار واستكمال لهذا الحديث فان بعض الصحابة سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم فقال النبى «يعطى الله هذا الثواب لمن أفطر فيه صائما على مزقة لبن أو شربة ماء أو تمرة» فقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستغل هذه المناسبات ليوجه الأمة التوجيه الصحيح ويضعها على طريق الحق وبالتالى علينا أن نستكثر فى رمضان من طلب الرحمة وطلب المغفرة ومن اخلاص كلمة التوحيد لله سبحانه وتعالى والإستعاذة من الشيطان. وهذا الشهر فرصة طيبة ليقلع فيه الكثيرون من أصحاب التصرفات والسلوكيات الخاطئة مثل الذين يدخنون فالصائم بطبيعة الحال يمتنع عن التدخين طيلة النهار وبالتالى يمكنه أن يستغل الفرصة ليدرب نفسه على قوة الاحتمال وترك هذه الأشياء ولو استمر على ذلك طوال الشهر فسيخرج من الصيام ويودع شهر رمضان وهو فى حالة طيبة تعطيه دفعة قوية لأن يقلع عن هذه الشرور كلية. ويضيف د.الصعيدي: أنا دائما أنصح الناس بأن يستغلوا شهر رمضان وأن يضع كل واحد بطاقة فى جيبه فاذا راودته نفسه بسوء فعليه ان يضع نقطة فى هذه البطاقة وكذلك يضع نقطة اذا اغتاب أحد أو سبه أو اذا تمردت عليه نفسه وفى نهاية اليوم يجلس يحاسب نفسه كم نقطة خالف فيها تعاليم الإسلام ويتصدق بعدد هذه النقاط لأن الله سبحانه وتعالى يقول «ان الحسنات يذهبن السيئات» وهذا نوع من التقويم النفسى الذاتى. سنة كونية ـ ما الحكمة التى يتضمنها الصيام ؟ وما أهم فوائده للإنسان ؟ ـ الصيام من الناحية الصحية سنة كونية لا ينفرد بها الانسان ولكن انفراد الانسان بها لينال القرب الى الله سبحانه وتعالى ولكن هناك من الحيوانات مثل الضفادع والسلاحف والجمال والدبب وكثير من مخلوقات المملكة الحيوانية لها فترات تمتنع فيها عن الطعام وهذا صيام فطرى وليس صياما تعبديا ولكن اذا اخذناه من منظور «وان من شئ الا يسبح بحمده» فلماذا لا يكون تسبيحها وصيامها عبادة اجبرها الله سبحانه وتعالى عليها.. فهى تصوم وتشارك وفى هذه الطاعة بالوسيلة التى ميزها الله بها حتى ان بعض الدول بدأت تعالج المرضى عن طريق الصيام ومن الطريف انهم قدروا للانسان حتى يعيش فترة حياة طيبة أن يأخذ الفترة من ثلاثة إلى اربعة اسابيع يدرب نفسه فيها على الامتناع عن الطعام لمدة 8 إلى 10 ساعات فى هذه الحالة يضمن لنفسه صحة مستقرة وحياة رشيقة وهذا هو ما اوجبه الله علينا بالصيام ولو أخذنا متوسطات الأيام التى نصومها خلال السنة فاننا نصوم فى ايام طويلة وقصيرة قد يكون اليوم فى الشتاء مثلا 11 ساعة أو 10 ساعات وفى الصيف قد يكون 12 ساعة أو 13 ساعة اذن المعدل الذى افترضه الله سبحانه وتعالى علينا يدور حول 10 و 12 ساعة بمعدل ثابت لا يتجاوز 4 أسابيع وعلى ذلك فالعقل البشرى لو تمتع بالحيادية وبحث عن الحقيقة لوصل إليها ولاعترف ان هذا الدين من عند الله سبحانه وتعالى ومن بين هؤلاء الذين يبحثون عن طول فترة الصيام وساعاته أطباء وهذا يؤكد أن ما نزل على محمد هو وحى محكم من عند الله الإعلام ـ ما الدور الذى يجب أن تقوم به وسائل الإعلام فى رمضان ؟ ـ دورها لا يقل خطورة عن دور الدعاة وهى تقوم بعبء كبير فى الدعوة الى الله والتوجيه الصحيح فعليها أن تضاعف من مساحة البرامج الاعلامية ولنا ملاحظة على هذا التوجه وهو ان المساحة الاعلامية الدينية لا ينبغى ان تكون لها بداية ولها نهاية فلا يقبل عقلا أوشرعا ان تأتى بعد نص دينى فقرة رقص أو غناء لابد أن يراعى التنسيق والا تحشر البرامج الدينية حشرا على الخارطة الاعلامية لابد ان نأخذ المستمع أو المشاهد فى نقلة منسجمة بداية بنص دينى أو حلقة دينية لا مانع ان يسبقها نوع من الابتهال الذى يتناسب مع طبيعة هذه الحلقة وبعد ان تنتهى الحلقة يجرى حوار حولها ونخفف او نبتعد عن الغناء والاعلانات الراقصة لأننا يجب أن نرقى بالمستمع فمهمة وسائل الاعلام أصبحت خطيرة لأنها تشكل فكر الناس ولذلك علينا ان نرشدها ونجعلها تساعد الناس على عبادة الله وعلى ان يزدادوا روحانية فى هذا الشهر. القرية والمدينة ـ هل يختلف شهر رمضان فى القرية عنه فى المدينة ؟ ـ رمضان فى القرية يختلف عن المدينة وهذا راجع لطبيعة الحياة فى كل منهما ففي القرية الناس تعرف بعضها ولهم عادات اجتماعية ولهم صلات قرابة وفى القرية روح الاسرة اما فى المدينة فهناك الفردية فحتى فى البناية الواحدة التى تتكون من عدة طوابق وشقق ربما لا نجد حتى سكان الدور الواحد يعرفون بعضهم البعض والاسلام يدعو الى ان يترابط المجتمع والله يدربنا على نظام المحمية الفكرية والسياسية... فمكة أول محمية إسلامية ولها حدود لا يدخلها مشرك «إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وان خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله» والمحمية نمط سكنى ومعيشى وعبادى ويجب أن يكون لكل مجتمع طابعه وأن يتمسك بمبادئ الاسلام وبذلك تكون حياته فاضلة ويمكن ان ندرب انفسنا على ذلك فى شهر رمضان فالفرصة فى هذا الشهر سانحة. القاهرة: ضياء الدين أحمد