الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 قد يكون من الضروري قبل الانطلاق الى دراسة عناصر، الموقع، الوجهيات الداخلي، والروضة في جامع السلطان حسن، او مدرسته ان شئت الدقة، من وجهة نظر للزخرفة على نحو ما تجلت في ابرز العمائر المملوكية البحرية والبرجية، فمن شأن هذه الخطوة ان تعيدنا الى المناقشة المفعمة بالحيوية التي خضنا غمارها حول هذا الموضوع لنضع يدنا على زبدته مفادون تكرار تفاصيله. لقد سبق لنا القول ان الخصائص الرئيسية للزخرفة المملوكية تتمثل في مايلي: ـ اختيار عناصر الزخرفة بحسب وظيفة الجزء من الصرح الذي تجرى زخرفته: بهذا المعنى فان المبدع في الزمان المملوكي كان يتبنى تقليدا ممتدا في الزمن درج عليه المبدعون في مختلف ارجاء دار الاسلام، لكن التمسك به في العمائر المملوكية ارتفع الى ذروة رفيعة. ـ تماسك الموضوعات الزخرفية: مرة اخرى فان التمسك بهذه الخاصية يعكس تبنيا للحلول التي ابدعت في العالم الروماني ـ البيزنطي للعديد من مشكلات العلاقات بين العمارة والزخرفة. ـ الطابع التجريدي للزخرفة: جنبا الى جنب مع عدم التحمس للتصوير التشبيهي يلاحظ الاهتمام الكبير في الزخرفة المملوكية بالتسطير والعريسة والرقش وادماج عناصرها في وحدات زخرفية ذات ايقاع متكرر مع الجرأة في ترك مساحات كبيرة من الصروح المعمارية بدون اي زخرفة على الاطلاق لافساح المجال لابراز جمال مادة الحجر نفسها. ـ ا لاستخدام النادر للمواد الطينية: لقد استوعب الفنان المسلم في الزمان المملوكي الدروس القاسية التي تجسدت في التدهور المروع للصروح التي استخدمت فيها المواد الطينية في بلاد مابين النهرين وفارس والاندلس، ومن هنا جاء التفضيل في مصر للاحجار على ا ختلاف انواعها وتنفيذ الزخرفة فيها وعبرها بجرأة واقتدار، وهو مايبرز في العديد من العمائر التي لا تزال صامدة في وجه الزمن حتى اليوم على الرغم من البيئة الحضرية المحيطة بها التي يمكن وصفها بأنها معادية بل وعدوانية الى حد التخريب. ـ الاهتمام الخاص باحجار العقود وافاريز الاسكفات والاعتاب وزخرفتها: ويرجع الاهتمام الخاص الذي ابداه الفنان المسلم في الزمان المملوكي بهذه الاحجار وزخرفاتها الى السبب الذي سبقت لنا الاشارة اليه من قبل مرارا وتكرارا وهو انها تقع في الارض الصعبة بين العمارة والزفة والحلي المعماربة وعلى سبيل المثال فان الوجه الظاهر من احجار العقود، والذي ينفذ غالبا باحجار حمراء او سوداء او بيضاء، وهي الوان ترتبط بالمسارات التبادلية لبنية الجدار، تبدو لاول وهلة انعكاسا لنظام معقد في تقطيع الاحجار او تقليدا لنسق معقد من الالسنة والاسافين والحلي الدرجية، ولكنها في حقيقة الامر ليست الا نسقا للفصل اللني يعلو نسقا ابسط بكثير مؤلفا من الاحجار العادية. ـ الولع بالتنزيل والتلبيس: لعل ابرز النجاحات التي حققها الفنان المسلم في الزمان المملوكي حيال التنزيل والتلبيس خاصة بالنسبة للرخام في العمائر الصرحية ذات الاهمية الكبيرة تتمثل في التنفيذ على اسطح متعامدة ذات مساحة هائلة الامر الذي يسفر عن الوصول الى ايقاع قوى على نحو ملحوظ واثراء ابعاد السطوح المعالجة على هذا النحو. وغالبا ما عمد المبدع في العمائر المملوكية الى اطلاق العنان لخياله التسطيري مما ادى الى الوصول الى نتائج مذهلة لم يفلح مرور القرون ولا تعاقب المحن في التقليل من بهائها وقدرتها على اثارة الاعجاب. ـ الارتفاع بتوظيف المقرنصات الى الذروة: على الرغم من ان المقرنصات تنتمي الى تلك العناصر الحائرة في العمارة الاسلامية بين الانشاء والزخرفة والحلي المعمارية، الا انها هنا تم الارتفاع بها الى ذروة فريدة يعز نظريها في ارجاء دار الاسلام، وخاصة لدى التنفيذ في بواطن القباب، حيث يبدو التأثير النهائي تحديا حقيقيا لكل قواعد العمارة. الآن دعنا نأخذ هذا الجانب زادا لنا في رحلتنا مع العناصر التي حددناها والتي ستكون مناط اهتمامنا في دراستنا لجامع السلطان حسن من منظور الزخرفة ومساهمتها في تكريس جماليات المكان. موعد مع القدر اذا كان هناك مبنى في مصر كلها يمكن ان يقال انه كان على موعد مع القدر فإن هذا المبنى لن يكون الا جامع السلطان حسن. ولعله ليس من قبيل الصدفة ان المستشرقين لم يترددوا كما رأينا في وصفه بـ «الحصن الالهي» وكما لمحنا في قصة الظاهري التي اوردنا عن انطلاق فكرة بنائه، فان الطموح كان مواكبا لهذا المبنى الهائل وهو في المهد، ولا حصر للمرات التي تباهى السلطان حسن فيها بأن عقد الايوان الكبير في مدرسته اعلى من عقد القصر الساساني في المدائن المعروف باسم طامر كسرى. هذا الطموح الذي اشرنا اليه حالا كان طموحا شاملا، لم يقتصر على جانب دون الآخر، فمن حيث الابعاد المعمارية يعد هذا المبنى اضخم مسجد في القاهرة الكبرى على الاطلاق، وبفاصل كبير عما يتلوه في هذا السياق، ويكفي ان نتذكر ان تكلفة البناء والزخرفة بلغت من الجسامة حدا تعين معه ترك العمل من دون اتمامه، ويكفي ان نلقي نظرة واحدة على اعلى الوجيهة الصرحية لكي ندرك ان باقي البرنامج الزخرفي الذي اعد لها لم يقدر له الاكتمال قط، فسبحان من له الكمال. وثمة رواية شهيرة في هذا الصدد مفادها ان السلطان حسن قال انه كان سيضرب صفحا عن المشروع باسره لولا انه خشي ان يقول الناس ان سلطان مصر عجز عن اكمال مسجد شرع في اعماره. ولعل حياة السلطان الشاب نفسه وموته يوضحان طبيعة الدور الذي لعبه القدر، فنحن نعلم انه كان الابن الاصغر للناصر محمد بن قلاوون وقد ولى العرش صبيا لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره واستمر حممه عبر السنوات 1347 ـ 1351 لكن المتلاعبين بالسلطة من نواب السلطنة انزلوه عن سدة العرش ليولو ااحد اخته مكانه وما لبث ان عاد ليحكم في السنوات من 1354 الى 1361 وعندما قتل في السادسة والعشرين من عمره لم يعثر لجثمانه على اثر قط. وهكذا ظلت روضة اضخم مساجد مصر خالية على امتداد اكثر من قرن من الزمان الى ان دفن بها امير لم يصل الينا اسمه. من تصاريف القدر كذلك ما يتعلق بالموقع الذي تم اختياره لتشييد الجامع عليه، فخلافا لم يعتقد البعض لم يكن هذا الموقع الذي يمتد لمساحة تصل الى ثمانية الاف متر خاليا عندما اختير ليقام فيه ا لجامع، وانما كان يشغله قصر عتيق تم القيام بهدمه، لتتكشف ابعاد المساحة المختاره للبناء والتي كانت تطل على ميدان المرماح وسوق النخيل آنذاك، قبالة قلعة الجبل، مقر سلاطين مصر وملوكها. هكذا فان هذا الموقع ما كان يمكن الا ان يوصف بانه من ا كثر المواقع تميزا في القاهرة، وبأنه قلب المشهد البانواني الذي يطل عليه المرء من القصر الابلق بشبكات نوافذه المذهبة، وقد استجاب المفهوم الكلي لهذا الصرح الهائل للطابع المميز للموقع. غير ان صرحا هائلا كهذا ما كان يملك لتقلبات القدر دفعا، حيث كان الموقع في جانب من جوانبه ـ عبئا عليه، وتعين ان يدفع الثمن غاليا، وجعله قربه من القلعة يتعرض للرزاء لم يعرفها مسجد في دار الاسلام باسرها، فلنتأمل على سبيل المثال ما حدث في عهد السلطان برقوق، اذ في غمار الاضطراب الذي فرضته حركة الخروج عليه ، عمد الخارجون على السلطان الى اقتحام المسجد ووضع ايديهم عليه واستخدامه في التصويب على القلعة، وعندما قمع السلطان حركة مناوئية، عمد الى درج الجامع فهدمه حتى لا يتكرر مستقبلا ماوقع خلال العصيان. ولما كان التاريخ يكرر نفسه، فانه في وقت لاحق بادر احد السلاطين الى ارسال جنده لاحتلال المسجد ومنع الخارجين على السلطان من التحصن به، ومن جديد عمد السلطان جقمق الى سد الدرج سدا لتحقيق ما سبق ان حققه برقوق بالهدم كلية. لكن السلطان جنبلاط تفوق على كل من سبقوه حقا، حيث تحدثنا الحوليات القاهرية بانه عمد في عام 1500 ميلادية الى اتخاذ قرار بهدم الجامع وازالته كلية، ومضى قدما في تصميمه على تنفيذ ما قرره فبعث بفريق من الاختصاصيين في الهدم لتسوية المسجد بالارض حتى لا يستخدمه احد في الخروج عليه، وعمد هؤلاء الى تنفيذ ما امروا فه، وكان يمكن ان يكون هذا هو مصير اضخم مساجد مصر لولا ان موجة من النقد العارم حالت بين السلطان وبين ماعقد العزم عليه. في العصر العثماني بدوره، لم يستطع المسجد الهرب من القدر ا لمقدر الذي اوقعه الموقع في شباكه، حيث دار القتال حوله، وبلغ من تعرض قبته للرصاص الحد الذي تعين معه ازالتها خوف من سقوطها على حين غرة، وهكذا اصبحت هذه القبة العملاقة البديقة اثرا بعد عين، لتحل محلها القبة الحالية اليت تمثل اساءة تفسير معمارية صارخة لسابقتها، ومن المرجح ان يكون سقوط احدى المئذنتين ومعها دعامتها بما تحمله من مقرنصات بديعة راجعا الى معارك احتدمت حولها وتركت بصمتها الخيمة عليه وفي القرن الثامن عشر اعيد فتح الجامع بعد ان كان قد اغلق على ا متداد نصف قرن لاسباب وضفت بانها «امنية» وكم من جرائم ترتكب باسم الامن وحمايته! هذه الوجهيات الحزينة في صدر العمر، وذات يوم خريفي جميل لازلت اذكر ملامحه حتى اليوم، اقبل استاذنا، المغفور له باذن الله تعالى، د. حامد عبدالله ربيع، وبحرص شديد فتح حقيبته الجلدية السوداء العتيدة التي يعرفها كل تلاميذ ومحبيه، وما اكثرهم في عالمنا العربي، واخرج منها مجلدين من القطع الصغير مغلفين بجلد مراكشي ثمين، ودفع ــــ إليّ بأصغر هذين المجلدين، وأشار إلى موضوع من الكتاب وإلى امتداده عبر أربعين صفحة، وشدد على المبادرة بترجمة الصفحات الأربعين من الانجليزية إلى العربية واعداد ملخص لها والاستعداد لمناقشة مطولة معه حولها. كان ذلك النص هو أدل عمل أترجمه في حياتي، وعندما انتهيت منه أدركت السر في طلب استاذنا الجليل ترجمته، لقد أراد ان نقرأه، ولكن بالطريقة الصعبة، لنظل للأبد في الذاكرة والذهن والوجدان والبال، وأحسبه لا يزال كذلك في ذهني وفي أذهان الكثير من أبنائه وطلابه ومحبيه. لم يكن ذلك الكتاب ذو المجلدين إلا كتاب المستشرق الشهير ادوارد وليام لين الذي زار مصر خلال حكم محمد علي وأقام فيها، وخرج ضمن أعمال اخرى كتابه هذا «طبائع المصريين المحدثين وعاداتهم» ولم تكن الصفحات الأربعون اياها إلا الفصل الذي عقده لين عن الطابع القومي المصري، والكتاب متجم بكامله اليوم، فمن شاء فليعد إليه لكن ما يهمني هنا ان أشير إليه هو قول لين ان الشعب المصري على الرغم من مرحه الظاهر وميله إلى النكتة واللمحة الضاحكة و«القفشة» إلا انه في الوقت نفسه شعب يضرب الحزب جذوره غائزة في قرارة روحه ووجدانه. أعرف مثلما يعرف الكثيرون اليوم ان الطابع القومي للشعوب مبحث تعد طبيعته العلمية موضع مناقشة، وبالتالي فهو لا يتجاوز الانطباعات العامة التي قد لا تكون موضوعية بالضرورة، وقد يصعب تعميمها في كثير من الاحوال، ومع ذلك يظل مثيراً للفضول. فإن سلمت معه بأن الشعب المصري هو شأن كل الشعوب النهرية ـ شعب حزين حتى أطراف الاصابع، لأن تكامل معادلة ضبط الماء لا يتقق إلا عبر نهر مواز من الدماء، فإني أدعوتك ان تشهد هذا الحزن مجسداً فيما يملأ الوادي من آثار وأوابد. ربما لهذا بالضبط لم أتردد في القول ان مسجد السلطان حسن هو حجارة من دموع، أو على الأقل هكذا تراه اليوم عيناي الطليلتان، بعد ان انحسرت عني أوهام الشباب وأحلامه، وربما شطحاته الموغلة في صحراء التمني المهلكة. الجامع، كما يعرف كل من رآه، أو حتى ألقى نظرة عل« صورة شاملة له مبنى قائم بذاته، له ثلاث وجهيات تطل على الفضاء المحيط، وهو نسيج حضري شديد التعقيد، أما الوجهية الرابعة فهي المجمع التجاري الكبير والوحدات التابعة له والمنصوص عليها في صورتها الأصلية في وقفية الجامع التي لا تزال متاحة للباحثين حتى اليوم. النظرة الأولى إلى الجامع تكشف عن كيان صرحي هائل، يبدو كالقلعة، وهو ما توحي به الجدران لامتطاولة، الت يتهول الناظر، والدعامات المتتابعة بانتظام على واجهتها، بالاضافة تعبتها التي تقل كثيراً عن القبلة الأصلية والتي تقع على المحور الرئيسي لمخططها خلف المحراب مباشرة، ويكتمل المشهد بالمذنتين الباقيتين لنا من المآذن الأربع التي كان مخططاً لها، وهو المخطط الذي تم صرف النظر عنه بعد السقوط المأساوي لمئذنة كانت قد شيدت لتوها في حادث أودى بحياة ثلامئة شخص. إذا تجاوزنا هذا الملمح المشهدي العام، واقتربنا من الصرح لتأمل وجهياته، فإن الوجهية التي ستجتذبنا أكثر من غيرها هي ـ الطبع ـ الوجهية الشرقية أي تلك التي تصافح من يطل على الجامع من القلعة، حيث نلمح القبة العتيدة والمنارتين، والقبة كما أشرنا ليست إلا البديل لامتواضع للقبة الأصلية التي غربت شمسها في عام 1661، ولدينا شهادة باقية من رحالة وصفها بزنها كانت قبة هائلة، بصلية الشكل، شيدت من خشب متين وكسيت بالرصاص على نحو ما نجده في قبة جامع الامام الشافعي ويطيب للاختصاصيين ان يشيروا إلى ان وصف هذا الرحالة والمصادر الأدبية المتاحة لنا وف يمقمدتها ـ بالطبع ـ كتاب عاشق القاهرة العتيد تقي الدين المقريزي الموسوم «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» لهذه القبة القديمة مبأنها بصلية الشكل إنما يستعد للأذهان جامع صرغتميش الذي شيد قبل جامع السلطان حسن بسنوات قلائل. كما أشرنا، فقد بقيت لنا مئذنة من المئذنتين الأصليتين، وقد كانت تقد المئذنة الاكثر ارتفاعاً في قاهرة القرون الوسطى، حيث بلغت أربعة وثمانين متراً، وهذه المئذنة الباقية حتى اليوم مثمنة البد، شأنها في ذلك شأن نظيراتها في مساجد المارداني وشيخو وصرغتميش وتلفت نظرنا الزخارف التسطيرية على بدنها المنفذة بالحجر المرصع، وتتوجها قمة بصلية تقوم على ثمانية أعمدة، ويبدو بدنها هائلاً مقارنة بالمآذن المناظرة المنتمية إلى المرحلة ذاتها. أما المئذنة فقد انهارت في عام 1656، وحلت محلها بعد وقت قصير المئذنة الاكثر تواضعاً التي لا نزال نجدها اليوم عند الركن الشمالي للروضة. هكذا فإننا من الوجهية الشرقية المطلة على ميدان صلاح الدين، ومن ثم على القلعة نجد انفسنا أمام هاتين المئذنتين والقبة، وهي جميعها ـ كما أوضحنا ـ لا تنتمي إلى التصميم الأصلي، لكن جمال الكتلة المعمارية الأصلية يطغى على هذه العيوب في التفاصيل، كما يعبر دكتور ثروت عكاشة في كتابه «القيم الجمالية في العمارة الاسلامية». هذه الوجهية تبدو لنا بعيدة عن الانتظام في مظهر حيث يبرز منها على ثلاثة جوانب كيان الروضة المقببة والجانب الرابع هو المجاور لحائط القبلة في مفارقة لما درج المعماريون المسلمون عليه تقليدياً، وهذه الجوانب يزيد ارتفاعها عن الثلاثين متراً، وهو ما أوحى للكثيرين بأنهم حبال قلعة أخرى، وعند قمة الجدار تصافح العين حزاماً بارزاً من المقرنصات تصفه دوريس بيرنز أبو يوسف في كتابه «مقدمة للعمارة الإسلامية في القاهرة» بأنه لا نظير له في أي مسجد قاهري آخر. ويلاحظ ان وسط كل وجهية من وجهيات الروضة تزخرفه رصيفة هي عبارة عن نحت نافر للحلية المعمارية المعروفة بعين الثور والتي تؤطرها لوحات متداخلية بلونين لافتين للنظر، وهناك أيضاً صفان من النوافذ، والنوافذ العليا تتوسط حنيات متراجعة عن الوجهية تتوجها امقرنصات تعلوها محارة قليلة الفور، وهي معالجة زخرفية شبيهة بمعالجة المداخل، ويلاحظ ايضاً ان المحارة قليلة الفور تجملها لوحات متداخلة. اما النوافذ السفلى فهي منفذة في حنيات تأخذ شكل هرم مدرج، وتوضح لنا المصادر الأدبية انها أتى عليها حين من الدهر كانت مزينة بفسيفساء من خزف مزخرف، لا تزال هناك بقية باقية منها في الركن الجنوبي، وتوضح هذه الفسيفساء ـ حسبما تشير دوريس بيرنز أبو يوسف ـ ان الحرفيين الذين قدموا من تيبريز في عهد السلطان الناصر محمد لابد انهم قد أبقوا على محترفاتهم في القاهرة على امتداد عقود عديدة من الزمن. اللمحة الأخيرة التي تثير اهتمامنا في هذه الوجهية الشرقية لجامع السلطان حسن نجدها في الاعمدة ذات المقرنصات التي تشع بهاء وحضوراً قوياً من الاران ومن المهم ان نلحظ ان الموضوعة الزخرفية الملتوية والمحفورة في بدن الاعمدة ستطل عليه كذلك من الاعمدة الصغيرة التي تجمل وجهية الجامع الاقمر، وهي موضوعة من المعتقد انه يمكن ردها إلى التقاليد الزخرفية البيزنطية. ولعل أهم ما تتميز به الوجهية الجنوبية للجامع يتمثل في ثمانية صفوف أفقية من النوافذ، التي تتطابق كل اثنتين منها مع طابق من غرف ـ أو خلايا كما يعبر الاختصاصيون ـ الطلاب. وهذا التكوين يخلع هذه الوجهية مظهر عمارة حديثة، هو مظهر لا وجود له في أي مبنى آخر عائد للقرون الوسطى في القاهرة، ويلاحظ ان الوجهية الشمالية التي تضم المدخل الصرحي ـ أو البشتاك كما يعبر الاختصاصيون ـ للجامع تتسم أيضاً بوجود الكثير من النوافذ على الغرار نفسه. البشتاك المحير لما كنا نعلم ان الوجهية الغربية للجامع يشغلها المجمع التجاري المنصوص عليه في الوقفية والوحدات المعاونة له، فإننا لا يبقى لنا من الوجهيات إلا ان نقف عند البشتاك أو المدخل الصرحي في الوجهية الشمالية لنحاول ان نلملم أطراف دهشتنا وحيرتنا واعجابنا حيال ما تقع عليه أعيننا. المقرييزي نفسه هو الذي يصف هذا المدخل بأنه أروع المداخل في عمارة القاهرة الاسلامية، لكننا قبل ان نشارك المقريي اعجابه بهذا المدخل نريد ان نرضي فضولنا بالنسبة لنقطة مهمة تعنينا كثيراً في دراستنا للزخرفة. لقد أشير في عدد لا حصر له من المراجع والمصادر إلى الشبه بين هذا المدخل وبين مدخل مدرسة جوك في الاناضول إلى حد دفع ببعض الباحثين الاثاريين إلى الاعراب عن اعتقادهم بأن مدخل جامع السلطان حسن مستوحى من مدخل مدرسة جوك. فهل هذا الاعتقاد صحيح ام ان الصواب يجافيه؟ لأول وهلة تبدو محاولة الاجابة عن هذا السؤال شيئاً معقداً إلى حد الاستحالة، ولكن يبقى صحيحاً ان ما لا يدرك كله لا يترك كله. فدعنا نحاول القاء نظرة على المدخلين ورصد ما قد يكون هنالك من أوجه الشبه بينهما. الانطباع الأول الذي يتركه تأمل المدخل الصرحي لمدرسة جوك بالأناضول هو ان هذا المبنى بمئتنيه السامقتين يعد احدى الروائع المعمارية التي انشأها السلاجقة في منطقة الأناضول، كما يعد نموذجاً للمدارس ذات الايوانات الأربعة. لعل الالحاح على الشبه مصدره ان المدخل في الحالتين مصمم في صورة دخول مغطى بمقرنصات، ولا يقتصر التشابه على التكوين العام للمدخل فحسب، وإنما يمتد إلى بعض العناصر الزخرفية، وهو ما دفع البعض إلى القول بأن المدخل الاناضولي قد نقل بحذافيره إلى القاهرة. غير ان النظرة الممعنة في التأمل تقودنا إلى استنتاج ان التشابه يقتصر على بعض الزخارف فحسب، مثل المرعبات التي تتوسط أجناب المدخل، ووجود المقرنصات التي تعلو تجويف المدخل. وتميل دوريس بيرنز أبو يوسف، فيما يبدو إلى القول بوجود تشابه كبير بين المدخلين، وان مصدر هذا التشابه قد يكون مصدره تأثير معماري قاهري بمدرسة جوك لدى زيارته للأناضول، أو ان يكوم معماري أناضولي متأثر مبدرسة جوك هو الذي صمم المدخل القاهري. على النقيض من ذلك يرى دكتور ثروت عكاشة ان التشابه محدود، ويضيف: «ما من ريب في ان صفاء التكوين المعماري في مدخل مسجد السلطان حسن وتصميم باقي عناصره في توازن جلي مذهل يعكس عبقرية المعماري المصري في تناوله لعناصر المبنى من الناحيتين التحليلية والتركيبية». هذه الاشارة إلى الصفاء من جانب دكتور عكاشة تلقى هوى في نفوسنا، ولم لا؟ ألسنا نعلم ان الكتاني رحمه الله، سئل عن الصفاء فقال: «مزايلة المذمومات».