الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 عن أم المؤمنين السيدة عائشة (رضى الله تعالى عنها) روى كل من البخارى ومسلم فى صحيحه خسفت الشمس فى عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فصلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالناس فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل فى الركعة الثانية مثل مافعل فى الأولى ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس فمحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لاينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتمى ذلك فاذكروا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا...» وكسوف الشمس (أو انخسافها) يتم نتيجة لوقوع القمر بيننا وبين الشمس، فيحجب أشعتها عنا، وقد يكون هذا الكسوف كليا (يحجب جميع قرص الشمس عنا)، ويحدث ذلك فى حزام محدود على نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس، فيتحول النهار ليلا خلال دقائق محدودة، وإلى الشمال والجنوب من هذا الشريط يكون الكسوف جزئيا، ويتناقص الجزء المكسوف من الشمس بالبعد عن حزام الكسوف الكلى فى اتجاه القطبين. وقد جاء فى الحديث الشريف الذى نحن بصدده أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لاينخسفان لموت أحد ولالحياته» بمعنى أنهما ظاهرتان كونيتان دائبتا الحدوث بغض النظر عن موت الأفراد وحياتهم، كما كان يدعى عدد من الناس فى جزيرة العرب وفى غيرها من بلدان العالم الذين كانوا ينسبون تلك الظواهر الكونية لميلاد عظيم أو وفاته، وجاء حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لينفى تلك الخرافات نفيا قاطعا، وليؤكد دورية حدوث هذه الظواهر الكونية. وقد ثبت علميا أن القمر يتبعه مخروط من الظل بفضل حجبه أشعة الشمس، وفى دورة القمر حول الأرض يمر معه مخروط ظله، وفى وقت الاقتران الذى يحدث مرة فى كل شهر قمرى، يصادف أن يكون القمر متوسطا تماما بين الشمس والأرض فيحجب ضوءها عنا كليا أو جزئيا، فتنكسف الشمس كسوفا كليا أو جزئيا، وفى معظم شهور السنة ينحرف القمر فى مروره بيننا وبين الشمس فلا ينحجب ضوؤها عنا، وبالتالى لاتنكسف الشمس، ولذلك فإن حوادث الكشوف الكلى للشمس هى حوادث نادرة، وفى أثناء كسوف الشمس يتوسط القمر بيننا وبينها وقد يحدث أن يبقى من اطراف الشمى مايشبه الحلقة المضيئة تحيط بقرص القمر المظلم، ويسمى هذا الكسوف باسم الكسوف الحلقى. وعند حدوث الكسوف الكلى تظلم السماء، وتظهر النجوم فى منتصف النهار، وينتقل الناس فى دقائق معدودات من وضح النهار إلى مايشبه الليل، مما يدعو إلى شيء من الذعر والانقباض ليس عند الإنسان فحسب بل عند جميع المخلوقات فتأوى الطيور إلى أوكارها، والحيوانات إلى جحورها أو تخلد إلى شيء من السكون الحذر. أما خسوف القمر فيحدث بدخوله فى ظل الأرض الذى يتكون مع دوران الأرض حول الشمس، وهى ظاهرة ترى من جميع الأرض، وفى معظم شهور السنة يمر القمر فوق أو تحت مخروط ظل الأرض، ويتحاشاه فلا ينخسف. وفى لحظات كسوف الشمس تقل كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلينا، فتنخفض درجة حرارة الأرض وعلى العكس من ذلك فإنه فى لحظات خسوف القمر تزداد كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلينا فترتفع درجة الحرارة نسبيا لدقائق معدودة، ولما كانت هذه الأمور محسوبة بدقة بالغة، فإن الأرض تكون معرضة خلال هاتين الظاهرتين الكونيتين لمخاطر لايعلمها إلا الله، ومن هنا كانت وصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالإكثار من ذكر الله بتحميده وتكبيره وتمجيده، وباللجوء إلى الصلاة، والمبادرة بإخراج الصدقات لعل الله تعالى أن يكشف تلك المخاطر عن الأرض وعمن عليها، فلاتزال هاتان الظاهرتان تكتنفان من المخاطر والأسرار مالايعلمه إلا الله...!! ولذلك جاء فى نصوص أخرى لنفس الحديث الذى نحن بصدده قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم): «فافزعوا إلى الصلاة»، وقوله: «هذه الآيات التى يرسلها الله لاتكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» ويعجب الإنسان من هذا العلم النبوى الدقيق الذى نطق به (صلى الله عليه وسلم) منذ أكثر من ألف وأربعمائه سنة، فى زمن كان الناس غارقين إلى آذانهم فى محيط من الخرافات والأساطير، ولم يكن لأحد علم بتلك الحقائق الكونية التى بدأت فى التكشف لعلم الانسان منذ عشرات قليلة من السنين، وهذا الحديث الشريف وحده يكفى أن يكون شهادة حق لنبوة هذا النبى الخاتم، والرسول الخاتم، ولكونه كان موصولا بالوحى، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين. د. زغلول النجار