السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 رأينا سابقا كيف أدى الحكم التركي العثماني لأجزاء من جنوب شرق أوروبا إلى نشأة نهضة عمرانية في منطقة البلقان، اعتمدت في طرزها على الجمع بين الطابع العثماني الإمبراطوري وبين بعض التقاليد المحلية البيزنطية السلافية وأن فقدت العديد من مدن البلقان أثارها العثمانية بسبب موجة التعصب ضد الترك خلال فترة الحرب العالمية الأولى وما أعقبها وخاصة عند نشأة الدول القومية الأوروبية الحديثة هناك. والحقيقة أن إهدار التراث المعماري العثماني في هذه الأصقاع لم يكن وقفا على الدول ذات الأغلبية المسيحية، مثلما رأينا في اليونان، وإنما حدث أيضا حتى في الدول التي تحول معظم أهلها تحولا حاسما نحو الإسلام. وتجسد ألبانيا هذه الحقيقة التاريخية الأخيرة، حيث دخل عدد كبير من الألبان في الإسلام خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين ومن ثم نشطت حركة البناء على نطاق واسع لتلبية احتياجات المسلمين الجدد. وفي هذه الفترة ظهر نمط خاص من العمارة الإسلامية العثمانية جمع بين التقاليد العثمانية وبين المفاهيم المحلية مع بعض التأثيرات الأوروبية وشيدت وفقا لهذا المزيج المعماري المئات من المساجد والمدارس والحمامات العامة وبيوت المتصوفة. وعند استقلال ألبانيا في عام 1912 كان المسلون يشكلون 70% من السكان ولكن نهاية الحرب العالمية الثانية حملت الحزب الشيوعي الألباني إلى سدة الحكم واتبعت الحكومة الشيوعية سياسة متغصبة ضد الأديان،واعتبرت المباني الدينية، مسيحية كانت أو إسلامية مجرد منشآت ثقافية وأقيمت هيئة قومية للحفاظ عليها وتم بالفعل إجراء دراسات وعمليات ترميم لبعض هذه المنشآت. وتغير الحال في عام 1967 إذ أعلنت تيرانا أنها دولة لا دينية واعتبرت الاديان السماوية من مخلفات الماضي غير المرغوب فيه.فألغيت المساجد والكنائس وتم تسريح الرهبان والقساوسة والدراويش أما أئمة المساجد فقد اشتغلوا بالمصانع أو حصلوا على معاشات خاصة وقد كان معظمهم من الطاعنين في السن. وعمت البانيا نوبة من التدمير استهدفت المباني الإسلامية على وجه الخصوص. وقد بقيت بعض العمائر التركية وأن كانت تمثل جزءا يسيرا من التراث المعماري العثماني في ألبانيا، التي شهدت منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي اهتماما بترميمها والحفاظ عليها. ففي مدينة «بيراث» نجت من الدمار في أحداث الثورة الثقافية 1967 ستة عشر مسجدا تعتبر أربعة منها من أكبر المساجد وأهمها. ومن هذه المساجد مسجد السلطان بايزيد الثاني الذي لايزال محتفظا بمعالمه الأصلية ومسجد الغرب المشيد في الثلث الأول من القرن التاسع عشر ذلك بالإضافة إلى خانقاه لمتصوفه الطريقة الخلويته ولها سقف جميل من الخشب المحفور. وأصيبت مدينة الباسان بنكبة حقيقية، إذ استهدفت أحداث 1967 طمس الطابع الإسلامي لهذه المدينة التي شيدها العثمانيون في عام 1466 كمركز ولم يبق من مبانيها التاريخية سوى 3% فقط. ففي عام 1930 كان لايزال بالمدينة واحد وثلاثون مسجدا تناقص عددها إلى خمسة في عام 1967 وهي مسجد الغازي سنان باشا (م) ومسجد حسن بايزيد (1608م) ومسجد الناظر (1559م) ومسجد بيكاكسي زاده (القرن 17م) ومسجد الباشا (القرن 19م). وفي عام 1978 أزيلت ثلاثة مساجد من هذه الخمسة وظل مسجد الناظر باقيا لبعده عن قلب المدينة وأجريت مؤخرا ترميمات فيه هو ومسجد بيكاكس زاده الذي تعرض بعد ذلك للهدم، أما مسجد سنان باشا وهو من أقدم مساجد الباسان فقد هدمت مئذنته وأزيل رواقه وغطيت زخرفة المنيا الدقيقة على جدرانه بطبقة سميكة من الجص. وقد تضررت أيضا مدينة «بكين» الصغيرة والتي كانت في الأصل قلعة تركية تتوسط ألبانيا، وكان المعلم الرئيسي فيها تلك المجموعة التي شيدها «عبد الرحمن باشا» والتي كانت تضم في القرن 17م مسجدا ومدرسة وملجأ للفقراء وخاصة للمتصوفة وقد أوصل الرجل مياه الشرب إلى هذه القرية ليرفعها إلى مصاف المدن. وقد تم اعمار المسجد مرة أخرى في القرن 19م على يد أحد أحفاد عبد الرحمن باشا حيث أعيد تشييده بحجم أكبر على طراز الباني أصيل وهو في تخطيطه خليط من قبة مركزية تغطي بيت الصلاة ورواق فسيح (حرم) يتقدمه وبرج ساعة شامخ وظل المسجد قائما حتى عام 1967 محتفظا بمعالمة الأصيلة ولكن في عام 1982 تمت إزالة المئذنة والمسجد وبقى حرم المسجد (الرواق) وبرج الساعة وأصبح الرواق يستخدم كمقهى. ولم يختلف حال الآثار العثمانية في بلغاريا كثيرا عما رأيناه في البانيا. فقد حكم العثمانيون الأقاليم البلغارية على مرحل متعاقبة، فالجزء الجنوبي الأوسط من البلاد (الأراضي الواطئة) انضوى تحت لواء الدولة العثمانية عام 1360م، وقد توطن الاتراك في هذا الجزء وأعادوا تعميره بمدن على الطراز التركي الإسلامي ونظرا لأن الاتراك حكموا هذه المنطقة دون إنقطاع حتى سنة 1885م فإن أقدم الآثار الإسلامية توجد في المراكز الإسلامية هناك مثل بلوفديف وفيليب وساتارازا قورا وأسلميا. أما المنطقة الثانية وهي منطقة جبال رودوب على طول الحدود الجنوبية المواجهة لليونان فقد ظلت مسيحية الطابع حتى القرن 17 م ثم تحول أهلها نحو الإسلام تديريجيا وشيدت بها المساجد والخوانق والحمامات في القرن 18 م وبعد الحرب العالمية الثانية أغلقت هذه المنطقة تماما في وجه الزوار الاجانب ولم يجر اي مسح أثري للأثار الإسلامية منذ 1944 ووجهت كل الجهود نحو طمس الطابع الإسلامي بين السكان الناطقتين بالبلغارية الذين يعرفون باسم البوماك. والمنطقة الثالثة تقع في شمال جبال البلقان عند نهر الدانوب وقد تناثرت فيها جماعات من المسلمين الأتراك وتمركزت عادة حول إحدى الخانقاوات وأقيمت المساجد والحمامات لسد حاجة رجال الحامية والمدنيين وشهدت مدينة «رازجراد» التي شيدها العثمانيون نموا عمرانيا ملحوظا بعد تأسيسها في عام 1520 م حيث شيد بها الوزير الاعظم إبراهيم باشا المسافرين وإيواء الفقراء واطعامهم. أما المنطقة الرابعة في بلغاريا فهي تتكون من غرب وجنوب غرب بلغاريا وقد ضمت بشكل سلمي للدولة العثمانية بعدوفاة حاكمها المحلي وأصبحت مدينة خوستنديل عاصمة لهذه المنطقة واتخذت طابعا إسلاميا منذ البداية،ورغم ذلك فقد أجبر المسلمون على مغادرة البلاد بعد ضم المنطقة لبلغاريا في عام 1878م. وبسبب الروح القومية البلغارية المتعصبة من ناحية وسيطرة الشيوعيين على الحكم في بلغاريا عقب الحرب العالمية الثانية من ناحية أخرى تعرضت الآثار الإسلامية التركية للدمار ومازالت جهود إنقاذ بعضها تقابل بالاعتراض من الإدارة السياسية لبلغاريا ويضطلع بمحاولات الحفاظ على هذه الآثار المعهد الوطني البلغاري للحفاظ على الآثار الثقافية الذي قام بترميم السوق المسقوف في «يامبول» القرن 16م) والمسجد المجاور ومسجد بير قلي بمدينة «ساموكوفا» (القرن 15م). وعندما حاول المعهد ترميم حمام مدينة هاسكوفو (القرن 14 م) اعترض مجلس المدينة وقام بإزالة المبنى بالديناميت. ويعد مسجد بلوفديف واحدا من أهم الآثار الإسلامية في البلقان بأسرها إلى جانب مسجد الجمعة بالمدينة نفسها وقد أوقف مجلس المدينة عمليات ترميمها. وقد اصابت الأثار الإسلامية التركية في المجر نكبات مماثلة ذلك أن هذا البلد الذي خضع لحكم العثمانيين لمدة 150 عاما فقط تعرضت آثاره الإسلامية لدمار شامل على يد النمسا التي أجبرت الترك على مغادرة البلاد في نهاية القرن 17 م. أما ما نجا من الدمار فقد تحول إلى كنائس أو مستشفيات أو مخازن، وتكفلت الحكومة الشيوعية بطمس هوية البقية الباقية من هذه الأثار بعد الحرب العالمية الثانية حتى لم يبق سوى عدد قليل من المباني الإسلامية في مدن صغيرة مثل مدينة «بيش» وبها مسجد الباشا يا كوفالي حسن ومسجد الباشا غازي قاسم ومدينة «إيجر» التي توجد بها مسجد مغطي بقبة. وحتى يوغسلافيا التي ظلت حتى العقد الأخير من القرن الماضي تحتفظ بمعظم أثارها الإسلامية، تعرضت لحوادث العنف الطائفي المصاحبة لتفكيك الاتحاد اليوغسلافي ولا يعرف الآن على وجه الدقة حجم الدمار الذي أصاب هذه الآثار والتي تركزت في مقدونيا اليوغسيلافية (شقوبيه ومونستير) حيث كانت موضع عناية من حكومة « تيتو» وجرى ترميمها باعتبارها من المعالم الثقافية والمزارات السياحية. والذي لاشك فيه أن الدمار الناجم عن الحروب في البوسنة والهرسك قد ذهب بأغلب الآثار التركية من مساجد وحمامات ومدارس وخاصة في مدينة سراييفو عاصمة البوسنة ومن أهم معالمها القديمة مسجد باسكراسيا ومسجد دزاميا ومدينة موستار الشهيرة (مثل مسجد بشكيا)، ذلك بالإضافة إلى عشرات من المساجد نسبة كبيرة من سكان هذا الإقليم مثل بوشتلي (مسجد المدرسة) وجيفنو (مسجد المعسكر) وبيش. وجميع هذه العمائر ذات طابع عثماني واضح بقبابها ومآذنها. د. أحمد السيد محمد