السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 الحمد لله، خلق الانسان في أحسن تقويم وجعله في أبهى صورة وأكمل هيئة، وقال الله تعالى: «لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم» وقال: «يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك» ولقد سخر الله تعالى الكون للانسان لينتفع به على الوجه اللائق، وفي ذلك يقول جل وعلا: «الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون». وهكذا الانسان ينتفع بكل ما خلقه الله تعالى من خلال وحي الله تعالى «الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار». والانسان هو المخصوص بالتكريم الإلهي لقول الله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً». وإن منطق العقل وتوجيهات النقل لتؤكد ان الغاية التي من أجلها خلق الانسان، وهي عبادة ربه تعالى الذي أنعم عليه، والتزام أمره وتعمير أرضه ونصرة دينه، قال الله تعالى: «وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون» فإن الانسان لم يخلق عبثاً ولا لمجرد الأكل والشرب، ولا للاعجاب بشكله ومظهره أو للمخايلة بقوته، فإن الحيوان يفوقه في كل هذا. قال الراغب الاصفهاني: لم يفضل الانسان غيره بقوته، فالخيل والبعير أقوى جسماً منه، ولا بطول عمره، فالنسر والحية أطول عمراً منه، ولا بشدة بطشه وفتكه فالاسد والنمر أشد منه بطشاً وأسرع فتكاً، ولا بحسن لباسه جمال هندامه فالطاووس أجمل منه وأحسن، ولا بكثرة الذهب والفضة والمعادن فالجبال اكثر منه ذهباً وفضة، ولا يقتصره المخلوق منه فإن من طين لازب، وإنما بما خصه الله تعالى به من العقل والعلم وحسن الخلق. وهذا جعل الملائكة يسجدون لآدم عليه السلام، تقديراً لعلمه واحاطته بأسماء الاشياء كلها، وبما ان الانسان نفخة من روح الله تعالى كما في قوله تعالى: «فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» فلابد وان تكون غايته المسير على منهاج الله تعالى وأن تكون أخلاقه مطلوبة لله تعالى فالاخلاق الفاضلة هي أسمى ما يؤخذ من العبادات وأفضل ما يستثمر من الطاعات، ففي الحديث القدسي عن رب العزة جل وعلا «أنا الله خلقت الخلق بعلمي، فمن أردت به خيراً منحته خلقاً حسناً، ومن أردت به سوءًا منحته خلقاً سيئاً»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم اخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟، قال: المتكبرون. والثرثار هو كثير الكلام تكلفاً، والمتشدق المتطاول على الناس بكلامه، والمتفيهق هو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه ويعرب به اظهار الفضيلة على غيره. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق» ويقول صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين ايماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم». وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً ولم يكن فاحشاً ولا متفحشاً وان الله تعالى يبغض الفاحش البذيء، وعن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والاثم فقال: «البر حسن الخلق والاثم ما حاك في صدرك وكرهت ان يطلع عليه الناس». روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وان المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». والرجل رجلان: رجل تقي كريم على الله، ورجل شقي هين على الله، والخلق الخبيث طريق الشياطين والمنحرفين والمبعدين عن جوار رب العالمين.. طريق ابليس ومن على شاكلته، حين أبى واستكبر فكان من المبعدين، قال الله تعالى: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس أبى واستكبر وكان من الكافرين». وصاحب النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على التقصير وتدفعه إلى طريق الفضيلة في الجنة مع النبيين والصديقين والصالحين وحسُنَ أولئك رفيقاً. و«قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها». و «قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون». علي محمد عثمان الضبع