السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 لم تعمر المساجد لزخرفتها وبنائها، أو لتكون تحفاً معمارية، يتنافس المسلمون في تزيينها وإقامتها في الحدائق والميادين، والشوارع الرئيسية، والمدن الكبيرة. وإنما تعمر لما بنيت له وهو أداء الصلاة جماعة خمس مرات في اليوم والليلة وبعد ذلك الذكر والتلاوة وتدارس الحديث والسنة والمعارف الأخرى المفيدة في الحياة الدنيا والآخرة. إن أهم رسالات المسجد لقاءات المؤمنين في رحابه، عبادة وتذاكراً وتراحماً وتعاطفاً وتعاوناً، متماسكين كصفوفهم في الصلاة، وللصلاة في المسجد أهمية خاصة لأن المسلم في المسجد يتعلم الكثير وأولها الطاعة المطلقة لله، بمحض الإرادة والاختيار ثم اتباع النظام والتعود عليه ثم التواضع. روى أحمد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من خرج من بيته إلى المسجد كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعد في المسجد ينتظر الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين حتى يرجع إلى بيته» ويمكن تعريف الصلاة في اللغة والاصطلاح الشرعي والجماعة في اللغة والاصطلاح على النحو التالي: 1 ـ الصلاة في اللغة: الصلاة واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسم يوضع موضع المصدر، تقول صليت صلاة، ولا تقول صليت تصلية، والصلاة من الله تعالى الرحمة ومن العبد الدعاء والاستغفار. 2 ـ الصلاة في الاصطلاح الشرعي: أركان مخصوصة، وأذكار معلومة بشرائط محصورة في أوقات مقدرة، أو هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية. 3 ـ الجماعة لغة: الجماعة في اللغة من الجمع: والجمع تأليف المتفرق، وضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال جمعته فاجتمع، والجماعة: عدد من الناس يجمعهم غرض واحد. 4 ـ الجماعة اصطلاحاً: الجماعة في اصطلاح الفقهاء تطلق على عدد من الناس، وهي مأخوذة من الاجتماع وأقل ما يتحقق به الاجتماع اثنان: إمام ومأموم. والصلاة كانت معروفة لأهل الديانات السابقة: يقول الله تعالى عن الرسل: ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين). وقد جاء على لسان سيدنا ابراهيم الخليل: ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء)، كما مدح القرآن الكريم سيدنا اسماعيل لأنه ( كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (وفي وصية لقمان لولده يقول له: (يا بني أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)، وعندما كلم الله موسى قال له: (إني أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدني وأقم الصلاة لذكري (وعلى لسان عيسى: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا). وهى من أحب الأعمال إلى الله وهي الركن الثاني بعد الشهادتين في الإسلام وهي عمود الدين ومن أهم العبادات وأعظم الطاعات، وهي أول ما يحاسب عنه المسلم يوم القيامة فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، وما جعلت المساجد أصلاً إلا لها والجماعة متأكدة بها، وجميع العبادات فرضت في الأرض بأمر الله إلا الصلاة فإنها فرضت من فوق سبع سماوات. والصلاة المشروعة في الإسلام استجابة لغريزة البشر النوعية، غريزة الافتقار والضعف والطلب وغريزة الالتجاء والاعتصام والدعاء والمناجاة، وغريزة الشكر والوفاء والخضوع والتواضع والعبودية والتذلل، وهي معقل المسلم وملجؤه الذي يأوي إليه والعروة الوثقى التي يعتصم بها، ولذلك يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر وا لصلاة إن الله مع الصابرين)، وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) إذا حزبه أمر صلى وروى أبو الدرداء قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا كان ليلة ريح شديدة كان مفزعه إلى المسجد حتى تسكن الريح، وإذا حدث في السماء حدث من خسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى تنجلي. أما المسجد فقد بقي على عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومن بعده رمزاً لحيوية الأمة المسلمة وعمود إيمانها، لقد كان ارتياد المسجد والمداومة عليه علامة إيمان « إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالايمان» والتخلف عن المسجد والصلاة فيه علامة النفاق، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقه). والسؤال: هل يتعين المسجد للجماعة؟ الحنفية والمالكية وبعض الشافعية قالوا: لا يشترط المسجد للجماعة، وآخرون من الشافعية قالوا: الجماعة في المسجد فرض كفاية، أما الرأي الآخر فإنه لا تصح صلاة الجماعة من غير عذر إلا في المسجد. وأدلة الرأي الأول: حديث الرجلين الذين صليا في رحالهما، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) ندبهما إلى فعلها في المسجد، وفي الصحيحين عن أنس قال كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أحسن الناس خلقاً فربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ثم يقوم (صلى الله عليه وسلم) ونقوم خلفه فيصلي بنا، وصح عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: « جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً». أما أدلة الرأي الثاني: قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) : « إني لأهم أن أجعل للناس إماماً ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه»، وعندما سأل بن أم مكتوم قال: « لا أجد لك رخصة» وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». والحقيقة فإن أدلة الرأي الأول أقوى، فإنما شرع المسجد لصلاة الجماعة، فإذا وجدت الجماعة جاز لها أن تؤدي صلاتها في أي بقعة من الأرض بشرط طهارتها، أما أدلة الرأي الثاني، فكأني بها تتناول صلاة الفرد لا الجماعة، فهي تصلح للإحتجاج على من ترك الجماعة لا من ترك المسجد وحصلت له الجماعة. إلا أن هناك من الأدلة الكثير التي تدفع بالفرد على أن يواضب على صلاة الجماعة في المسجد ومنها قول أبي الدرداء لابنه: (يا بني ليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: « المساجد بيوت المتقين، فمن يكن المسجد بيته يضمن الله له الروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة» وعن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: « من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح». والمصلون في المساجد ينعمون بحضور حلقات العلم والمواعظ وتلاوة القرآن مما يدعم تفكيرهم العلمي وينمي ثقافتهم الإسلامية ويجعلهم على بصيرة من أمر دينهم ويتعرفون على إخوانهم فيقلدونهم في استقامتهم ويتأثرون بصحبتهم وتتحرك قلوبهم للتعلق بالمساجد. بتصرف يسير من رسالة الدكتوراه للباحث د. سالم سعيد غبار الشامسي