السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 ربما يعرف الكثير من الناس نوعية رد الفعل المتوقع لو تم توجيه كلمة من نوع: ياقرد.. لأي شخص كان.. فالجميع يعتبر ذلك من أقسى أنواع الشتائم والتحقير للانسان.. ويذكر أن بشارا الأعمى لم يجزع من هجاء قط كجزعه من بيت حماد عجرد حين قال له: ويا أقبح من قرد اذا ما عمي القرد وأعتقد أن لبشار الحق كل الحق في الزعل والجزع من هذا البيت القاسي، وذلك لسبب معروف وهو أن رب العباد عز وجل عندما أراد تعذيب طائفة من البشر واهانتهم خسف بهم ومسخهم الى قرود وخنازير، وفي ذلك دلالة واضحة على أن ذلك هو قمة الذل والتحقير، بالرغم من وجود حيوانات وحشرات أخرى يضرب بها المثل في الذل والهوان أكثر من القرود!! ولكن مع ذلك على الأنسان أن يعترف بانه لايوجد شيء على هذه الأرض أشبه صورة به وأقرب اليه شكلا من القرود، وهي من الحيوانات التي ترتبط بعلاقات تاريخية قديمة جدا معه.. صحيح أن هذه العلاقة متناقضة تماما فالعرب مثلا كانوا يعتقدون قديما أن القرد هو تجسيد للشيطان بينما على النقيض من ذلك كان الهندوس وشعب الملايو يؤلهون القردة.. وقد وجدت رسوم هذه الحيوانات على الكثير من الآثار التي وصلت من الأزمان الغابرة، كما جاء ذكرها في الأعمال الأدبية والدراسات التي تؤرخ العصور القديمة.. ورغما عن أنف الانسان هناك صفات عديدة مشتركة بينه وبين هذا الحيوان فالقرد يضحك ويطرب ويقعى ويحكي، ويتناول الطعام بيديه ويضعه في فيه، وله أصابع وأظفار، وينقي الجوز، ويأنس الأنس الشديد، ويلقن التلقين الكثير، واذا سقط في الماء غرق ولم يسبح كالانسان قبل أن يتعلم السباحة.. ويحكى عن القرد من حبه للزواج وشدة غيرته على الأزواج ما لا يحكى عن مثله الا عند الانسان، لذا فقد اجتمعت في القرد خصلتان كريمتان، واجتماعهما من مفاخر الانسان على الحيوان هما الزواج والغيرة!! ولا يوجد في الحيوان أشبه فما ووجها بالانسان من القرود.. والأكثر من ذلك كله ماذكره العالم الأنجليزي آرثور كيس من أن جسم الأنسان يحتوي على 1065 خاصة تشريحية، منها 312 خاصة بالانسان وحده فقط، و396 منها مشتركة بينه وبين قرد الشيمبانزي، و385 منها مشتركة بينه وبين الغوريلا، و354 مشتركة بين الانسان وقرد انسان الغاب، و113 منها فقط بين الانسان وقرود النسناس الصغيرة!! وليس من الممكن حتى الآن القول بشكل دقيق كم عدد الخواص التشريحية التي يشارك فيها الانسان قرود البونوبو، ولكن من المؤكد أنها لا تقل عن الخواص المشتركة بينه وبين القرود الشبيه بالانسان اذا لم تكن أكثر، فقرد البونوبو هو الحيوان الوحيد الذي لم يزل يعيش الآن ويملك شفتين بلون ضارب للحمره، كما أن البونوبو يمشي منتصب القامة كما يفعل الانسان تماما.. وقرد البونوبو تم اكتشافه من قبل عالم يدعى ابرنست شوارز عام 1929 عندما كان يقوم بدراسة هياكل عظمية معروضه في متحف بلجيكا لبعض القردة التي تعيش في الكونغو، فوجد بعضا من العظام تعود الى قرود صغيرة وأصغر من الشيمبانزي، وخلص الى نتيجة بأنها تعتبر نوعا جديدا، وعرفت بعد ذلك باسم شيمبانزي شوارز القزم.. وبعد فترة وصل اثنان من أفرادها الى أوروبا من الكونغو وضع واحد منها في حديقة الحيوان بباريس والآخر في انتويرب ببلجيكا.. والبعض يعتبر البونوبو هو النوع الرابع من القرود الشبيهة بالانسان بعد الشيمبانزي والغوريلا وانسان الغاب، وسمي البونوبو نظرا لنفس الأسم الذي كان يطلق عليه في وطنه الأم الكونغو، الا أن بعض العلماء لا يزالون يعتبرونه نوعا من الشيمبانزي وليس نوعا منفصلا بذاته.. وبغض النظر عن البونوبو فان القرود بشكل عام لها ثقافات مختلفة تماما مثل بني البشر، فقد أكد خبراء الحيوان أن هناك أدلة على وجود فروق ثقافية بين القرود، فالشمبانزي التي تعيش في اطراف مختلفة من أفريقيا قد طورت عادات خاصة بها متميزه بها عن غيرها، اذ تختلف عادات التبرج ورمي الأحجار والأخشاب التي تمارسها القرود بين فئة وأخرى اعتمادا على المنطقة التي تعيش فيها هذه القرود، وتقوم بعض القرود بطرد الحشرات التي تهاجم القرود الأخرى واخراجها من الجلد، بينما تظهر القرود من مناطق أخرى عادات وتقاليد مختلفة مثل قتل الحشرات والدود على أذرعها.. ليس هذا كل شي فقد اكتشف عالما آثار اميركيان وخبير ألماني موقعا أثريا في ساحل العاج بينت دراسته أن القرود استخدمت الحجارة كأدوات بمعنى أنها عاشت عصرا حجريا تماما مثل أسلاف الانسان الاوائل.. وعثر العلماء في الموقع على حجارة استخدمتها قرود الشيمبانزي لكسر حبات الجوز التي كانت تضعها على جذور أشجار حولتها الى ما يشبه السندان.. وقال أحد العلماء المشاركين بالبحث ان بعض شظايا الحجارة التي نجمت عن قيام الشمبانزي بكسر الجوز شبيهة بما تم العثور عليه في المواقع التي عاش فيها الاسلاف القدماء للانسان في شرق أفريقيا.. وتوصلت باحثة أخرى وهي استاذة في علم الحيوان والنبات بجامعة كاليفورنيا الى أن القرود تحصل بالفطرة على نظام غذائي ثري بالفيتامينات والاملاح المعدنية وأن لديها دقة في اختيارها لمصادر الغذاء حيث لا تقدم على تناول أية أعشاب أو ثمار دون التأكد من ثرائها بالعناصر المهمة عن طريق التذوق.. وكشفت الأبحاث أن القرود تحرص على الحصول في غذائها على تناول حوالي 600 ملليجراما من فيتامين سي بينما لا يتعدى استهلاك الانسان 60 ملليجراما!! ومن القرود المميزة النادرة يأتي القرد « ذو الأنف الكبيرة » الذي يواجه الخطر بسبب الاستيطان والزراعة وتجفيف المستنقعات والتنقيب عن المعادن ومشاكل (عويصة) أخرى.. ويتمتع هذا القرد برشاقة كبيرة رغم كرشه الكبير، ويستخدم الصياح كوسيلة لتهديد المنافسين المحتملين، يعني أنه يطبق المثل الشهير « خذوهم بالصوت ليغلبوكم » واذا لم ينجح الهجوم الصوتي في ردع خصم ما، فان الذكور تميل الى القفز العنيف في الجوار بحيث تهز الأشجار بقوة، ونادرا ما تتقاتل مع بعضها البعض بشكل مباشر.. والمهم في هذه القرود أنها ذات تركيبة اجتماعية تشكل لغزا محيرا حتى أظهرت الدراسات مؤخرا أن هذه القرود على جانب كبير من التنظيم، وتضم العائلة الأساسية ما يعرف بمجموعة الحريم، وتضم ذكرا واحدا بالغا وعددا من الاناث ونسلهم، وتشكل الذكور اليافعة الذين يطردون من مجموعة الحريم في عمر مبكر مجموعات مقصورة على الذكور تقضي فيها وقتها حتى تصل سن البلوغ وتشكل مجموعة الحريم الخاصة بها، وتمتاز العلاقات بين الاناث في المجموعة الواحدة بالطابع السلمي عادة بالرغم من وقوع الشجار في بعض الاحيان!! اذن القرود حيوانات منظمة وذكية واجتماعية وفوق ذلك فهي قريبة جدا من الانسان، وأكثر شيء على وجه الارض يشبهه في الوجه والشكل رغم أنفه رضي بذلك أم لم يرض.. فلماذا اذن استشاط بشار بن برد غضبا عند هجائه بذلك البيت من الشعر؟!!