السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 بأي قلم يمكن للمرء ان يكتب عن مسجد السلطان حسن الجامع الكبير في حي القلعة بالقاهرة او ان شئت الدقة فقل مدرسته كما يحرص الاختصاصيون على القول؟ بقلم من شجن؟ من حزن؟ من أسى؟ من وجع؟ من عذاب؟ من فجيعة؟ من جنون؟ بأي مداد يمكن للمرء ان يكتب عن هذا الصرح الذي لم يتردد العديد من المستشرقين في وصفه بـ «الصرح الالهي»؟ بمداد من عرق؟ من دموع؟ من دم راعف يشخب تحت الشمس كأنه يصرخ طالبا ثأرا يجري سكوت وحشي عنه؟ لا أعرف. كل ما أعرفه انه يصعب علي كأشد ما تكون الصعوبة ان أكتب بموضوعية عن هذا المبنى الخالد ذي المكانة المميزة في العمارة الاسلامية على امتداد العالم بأسره. وليس مصدر هذه الصعوبة ذلك الارتباط العاطفي الحميم بالمبنى والتردد عليه والاعجاب به منذ صدر الشباب، فلست الا واحدا من دفق هائل من الناس على امتداد الزمان منذ رأى النور احبوه حد العشق ورأوا فيه رمزا للانجاز الحضاري الرفيع وللارادة البشرية عندما تسخر في خير الاغراض وأعظمها، ألا وهو تعمير المساجد. ربما كان مصدر هذه الصعوبة يرجع الى اعتقادي ان ثمة ارتباطا لا مجال لفصمه بين صعود حضارات الامم وارتقائها وبلوغها الذروة وبين شموخ معمارها، تماما كما كان ان هناك صلة وثيقة بين انكسار المسيرة الحضارية والانكفاء المعماري، وهذه الفكرة ليست وليدة اليوم ولا الامس القريب، وانما يمكن ردها ـ بمعنى من المعاني، الى النظرية العمرانية المدهشة التي اودعها ابن خلدون مقدمته الشهيرة والتي طبقها تلميذه العاشق للقاهرة كأشد ما يكون العشق تقي الدين المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» والذي حاول من خلاله اثبات انحطاط الدولة المملوكية وتراجعها عن مركز الصدارة في عصرها من خلال جرد واف ودقيق للتدهور العمراني والمعماري اللذين خيما على القاهرة ابتداء من النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي. لقد كان استاذنا، المغفور له بإذن الله تعالى، دكتور حامد ربيع مولعا بالقول: «لا تكتب الا عما تعرف». ولقد علت بي سنوات العمر لأدرك كم كانت نصيحته تلك مفعمة بالمحبة والمودة والصدق، ولادرك ايضا مدى قلة ما اعرفه وتواضع قيمة هذا القليل الذي ازعم لنفسي معرفته. لكنني اعرف ـ عن يقين ـ ان الجيل الذي انتمي اليه كان يحلم بدولة قومية تجسد على ارض الواقع المفهوم الهيجلي للدولة كفكرة عليا لها تجلياتها الواقعية والعملية على الارض، دولة لا حدود لمنجزاتها تعود من رحلة الانجازات تلك لترصع افق القاهرة بالعمارة التي تعكس عمق الانجاز وشموله، وفي صدارة هذه العمائر ـ الحلم مسجد دولة يتجاوز مسجد السلطان حسن نطاقا وحضورا ورهافة. ترى هل من قبيل المصادفة ان مصر ـ اقدم دولة في العالم ـ ليس فيها مسجد دولة بالمعنى المعماري الصحيح اليوم؟ حين تعشق العمارة قلت انني لست الا واحدا من دفق لا ينتهي من اناس احبوا مسجد السلطان حسن الى حد العشق، ولكن اين انا منهم؟ لقد كان اولئك العشاق العظام ممن يملكون عبقرية التعبير عن عشقهم هذا للصرح الخالد الذي يشمخ قاب قوسين او ادنى من قلعة الجبل، فلا تملك هذه الاخيرة الا التواري خجلا وغيظا من بهائه. وقد كان بعض هؤلاء العشاق للجامع العظيم ممن علموني محبة العمارة وأفاضوا علي من علمهم فكانوا وراء القليل الذي ازعم لنفسي انني اعرفه. دعني استهل حديثي عن مسجد السلطان حسن بالاشارة الى بعض لمحات الاعجاب بهذا الصرح الخالد، فلسوف نرى في غمار دراستنا كيف ان الباحث ستيفين همفريز في دراسته «القصد التعبيري للعمارة المملوكية في القاهرة» لن يتردد في الاشارة الى ان السعي للتأثير هو مظهر مميز لكل المباني المملوكية خاصة السلطانية في مقدمتها جامع السلطان حسن. ومن لمحات الاعجاب بهذا الجامع الفريد ما يلي: ـ هل تريد خصما اشد عتوا لدولة المماليك وكل ما تمثله من السلطان العثماني سليم الاول الذي قدر له ان يقضي على هذه الدولة؟ لقد كان هو من وقف حيال جامع السلطان حسن عندما دخل القاهرة في عام 1517 الى الوقوف حيال الجامع مفتونا متأملا، ولم يتردد في وصفه بأنه «حصار ـ اي قلعة ـ عظيم». ـ وقف المصور الفرنسي الاستشراقي اوجين فرونتان طويلا امام الجامع، ولم يتردد في قول عبارته الشهيرة عنه، حيث قال انه درة من انفس ما جاءت به عصور الحضارة من مبان. ـ وقف جاستون فبيت الوقفة نفسها، ومضى ينقل البصر بين قلعة محمد علي وجامع ـ او مدرسة ـ السلطان حسن، وما لبث ان قال: «ان من يتأمل البناءين تبدو القلعة في عينه جاثمة تستعد للوثوب والانقضاض، على حين تبدو المدرسة هادئة سامقة متعالية ترنو للقلعة المتحدية في شموخ الواثق دون مبالاة». ويمضي فييت شارحا جماليات المبنى مستعيرا من الموسيقى انطباعة تعيش في وجدانه فيقول: «انا لا نملك تجاه هذا الاثر الفريد الا ان نحس بأننا بين يدي سيمفونية كاملة اشترك فيها الاوركسترا بكافة عناصره في عناية ودقة بالغتين، وباحساس مرهف مدرك للفروق مهما دق شأنها، فليست هذه التحفة مجرد تآلف بين عدد محدود من النغمات، أو ربط بين مجموعة محدودة من الالحان فحسب، بل انها شيء يفوق ذلك كله، فبفضل جاذبية التوافق الهارموني وسحر التوزيع الاوركسترالي يرتفع العمل ككل واحد الى ذروة التعبير الفني، فلقد عرف المعماري كيف ينقل تأثيره الى اعماق النفس باخضاع العناصر الزخرفية للمفهوم المعماري ككل بحيث تصبح خادمة له ساعية بين يديه. ـ كان المعماري حسن فتحي عاشقا حقيقيا لجامع السلطان حسن، ولا حصر للمرات التي عاد فيها الى المبنى يضرب به المثل في نقاط يوضحها للتلاميذ او محبيه او المتحمسين لرؤيته المعمارية التي لقيت من الاستجابة في العديد من ارجاء العالم اكثر مما لقيت في عالمنا العربي، يحرص في غمار مناقشته لمخطط المبنى العظيم على الاشارة الى الكيفية التي يفضي بها المدخل الى الدهليز ومن ثم المجاز وصولا الى الصحن حيث الفضاء الخاص المفعم بالسكينة والذي ينهل فيه النور صافيا وعذبا بعد عتمة المجاز، وهذا الانتقال يتحقق في سلاسة ورفق، مولدا الانفصال بين فضاء الشارع الدنيوي الحافل بالضجيج والغبار وبين داخل المسجد المترع بالسكينة والصفاء. وهكذا فإن العمارة هنا تبدو لنا تشكيلا للفضاء او الفراغ وتحكما فيه وصياغة له بما يحقق التوقعات والاحتياجات الانسانية. وهناك نقطة اخرى كان حسن فتحي يحرص على الاشارة اليها والتشديد عليها، فكان يقول انه على الرغم من الضخامة الفائقة لهذا المبنى الصرحي المدهش، الا ان عبقرية المعماري الذي صممه وشيده تتجلى كأوضح ما تكون في الجمع بين الابعاد الهائلة للمبنى وبين المقياس الانساني، وذلك بتجزئة عناصر المبنى وتوزيعها بصورة منطقية تجمع بين وحدة التصميم وتعدد العناصر التي ينبغي ان تنشأ عند تزايد الحجم مع الاحتفاظ بالقياس الانساني. ويقول حسن فتحي ان ما تحقق من هذا الجانب في جامع السلطان حسن هو على عكس ما نراه مثلاً في كنيسة القديس بطرس بروما، التي تضخم حجمها من دون مراعاة هذا التجزيء والتوزيع، مما جعلها تبدو كأنها مبنى صغير الحجم نتطلع اليه من خلال منظار مكبر. لقد غاب المقياس الانساني عن تلك الكنيسة مما دفع الفنان برنيني الى محاولة اعادة هذا المقياس اليها فأنشأ اروقة ذات اعمدة تحيط بالساحة الممتدة امام الكنيسة. يعبر دكتور ثروت عكاشة في أكثر من موضع من كتاباته عن عشق حقيقي لجامع السلطان حسن، فنراه يقول عنه في كتابه «القيم الجمالية في العمارة الاسلامية» انه جامع يهول الناظر لفرط ضخامته، وهو يستمد جماله من رافدين، هما بنيانه نفسه وما يحتويه من قيم معمارية والمقياس الانساني، فالمبنى قطعة من الفن المعماري الجريء يغني تأمله عن الافاضة في وصفه، ولعله اكمل اثر خلفته لنا مصر الاسلامية، واجدر صرح يمكن مقارنته بآثار مصر الفرعونية من الدولة القديمة. وتتواصل التعبيرات عن الاعجاب بجامع السلطان حسن، ربما بلا انتهاء تقريباً، فلنكتف بهذا القدر منها، اذن، ولنبادر بقطع الخطوات الضرورية التي تفضي بنا الى تأمل هذا المنجز المعماري من وجهة نظر جماليات المكان ومدى مساهمة الزخرفة بأنواعها المختلفة في تكريسها. لغز المخطط الرباعي عديدة هي الاسرار والالغاز التي تكتنف اللقاء بين الكتلة المعمارية الهائلة لجامع السلطان حسن وعالمها الزخرفي السحري، على نحو ما يعبر هنري وآن سترلين في كتابهما بعنوان «روائع عالم اسلامي». غير ان من المحقق ان اكثر هذه الاسرار والالغاز غموضاً هي تلك المتعلقة بالمخطط الرباعي للجامع او المخطط المتصالب او مخطط الايوان، حسبما يطيب لك ان تعبر. اننا نعرف ان المساجد القاهرية شيدت في غالبيتها الكاسحة وفق ما يعرف بالتصميم العربي، اي ذلك التصميم الذي يبدو فيه بيت الصلاة غابة اعمدة حقيقية تحمل السقف اما مباشرة او عبر عقود اضافية تحقيقاً لامكانية رفع البناء ليأخذ ابعاداً صرحية. لكننا في حالة جامع السلطان حسن سنجد انفسنا امام مخطط الايوان بل لن نجد انفسنا امام ايوان واحد وانما بازاء اربعة اواوين، على حين ان الايوان كعنصر معماري وتشكيلي انتمى الى التقاليد المعمارية لبلاد ما بين النهرين وفارس منذ ما قبل ظهور الاسلام، ولم يختف بعد قدومه، وانما لعب دوراً اساسياً انشائياً ومعمارياً متكاملاً مع غيره من العناصر التي اقتبسها المسلمون الاوائل من الحضارات التي وجدوها في البلاد التي فتحها الله عليهم. هكذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: كيف انتقل مخطط الايوان من بلاد فارس وما بين النهرين ليتجلى امامنا في جامع السلطان حسن بهذه القوة وبذلك الرسوخ؟ يشير هنري وآن سترلين في معرض مايشبه الاجابة عن هذا السؤال الى انه ربما كان المعماري الذي شيد الجامع من اصل شامي، ويضيفان الى ان هذا البناء هو النموذج الاكثر كمالاً لمدرسة ذات اربعة ايوانات الامر الذي يقف شاهداً على تأثير العمارة الايلخانية. ولكن هل هذا الطرح كاف للاجابة عن السؤال ـ اللغز الخاص بكيفية انتقال مخطط الايوان الى قاهرة القرن الرابع عشر الميلادي؟ اننا، يقيناً، لا نراه كافياً للاجابة عن سؤال يعكس هذا القدر من الصعوبة والتعقيد، فدعنا اذن نحاول ان نضع ايدينا على قلب الاشياء حتى وان خضنا اليها غمار طرق لا تنقصها الوعورة. دعنا، ابتداءً، نلاحظ ان اوليج جرابار يشير في العدد الاول من مجلة «مقرنص» الشهيرة الصادرة في عام 1983 وفي دراسة بعنوان «تأملات في دراسة الفن الاسلامي» الى ان التطور الهائل في الفنون الاسلامية في القرن الرابع عشر الميلادي قد تزامن مع ارتقاء في الحساسية الفنية للمتلقي المسلم وشق طريقه الى كتابات ذلك العصر وانعكس في المحاولات التاريخية النظرية لتعريف سمة العصر الحضارية من خلال ربطها بالانجازات المعمارية على نحو ما فعل المقريزي. في ضوء هذه الملاحظة يمكن تأمل النصوص التاريخية المتعلقة بالعمارة المملوكية بنظرة جديدة تأخذ في الاعتبار امكانية استقراء الحساسية الفنية من مصادر القرن الرابع عشر وما يليه بما لم يكن متوفراً لمصادر القرون السابقة. الآن دعنا نأخذ هذا كله زاداً معنا في رحلتنا ونحن نقرأ قصة بناء جامع السلطان حسن كما اوردها خليل بن شاهين الظاهري في كتاب «زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك» حيث يقول الظاهري «حكي ان الملك الناصر حسن المشار اليه لما امر بعمارتها طلب جميع المهندسين من اقاطير الارض وامرهم بعمارة يكون ليس عمّر اعلى منها على وجه الارض وسألهم اي الاماكن اعلى في الدنيا في العمارة فقيل له ايوان كسرى أنو شروان فأمر بأن يقاس ويحرر وتعمر المدرسة اعلى منه بعشرة اذرع فعمرت.. وايوان كسرى كان واحدا وبهذه اربعة اواوين وهي عجب من عجائب الدنيا». هذه الرواية كانت ـ لا شك ـ موضع اهتمام الباحثين والدارسين وخاصة من منظور الجزء الختامي منها الذي يتحدث عن المقارنة بين الايوان الواحد لطاق كسرى انو شروان وبين الاواوين الاربعة التي يضمها جامع السلطان حسن. ويبادر المعماري ناصر الرباط، في هذا الاطار، في كتابه «ثقافة البناء وبناء الثقافة» الى التشديد على تعذر تتبع الطريق الذي سلكه هذا الطراز في تطوره بدقة منذ المئة الثانية قبل الميلاد حتى قاهرة القرن الخامس عشر، لكنه يقترح ان يكون مناط الاهتمام هو المرحلة ما قبل الاخيرة في هذا التطور، اي العمارة السلجوقية في فارس، والاناضول ووريثتها الايلخائنية في ايران لانهما شكلتا الوعاء النهائي الذي تجمعت فيه المؤثرات المعمارية الرافدية والفارسية الموروثة وايضاً تلك التي اعيد احياؤها او استنباطها في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين. وهو يخلص الى الاعراب عن اعتقاده بأنه من الاراضي السلجوقية في الاناضول او الاراضي الايلخانية في فارس القرن الثالث عشر انتقلت تلك التأثيرات المعمارية الى العمارة المملوكية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر عبر قنوات مختلفة. ثم نراه لا يكتفي بذلك، بل يمضي فيطرح علينا قناة محددة في حالة جامع السلطان حسن، او مدرسته، ويشير الى ان التأثير المعماري انتقل مباشرة مع تنقل الامراء بين البلاطين الايلخاني والمملوكي، وعلى وجه التحديد من خلال قصة المعلم المعماري التبريزي الذي قدم الى مصر بعد عام 1322 مع الامير أيتمش المحمدي الذي كان مبعوث السلطان الناصر محمد الى بلاط السلطان الايلخاني ابي سعيد خدابنده بن اولجايتو في تبريز، حيث ركزت المصادر المملوكية التي أوردت هذا الخبر على ان المعلم التبريزي كان من بناة مسجد الوزير تاج الدين علي شاه في تبريز (حوالي عام 1315 ميلادية) الذي وصف بأنه عجيبة من عجائب عصره بإيوانه الوحيد الضخم والذي كان سكان تبريز يتباهون قبل سقوط قبوته بأنه اعلى من إيوان كسرى. المشكلة في هذا الاقتراح انه ما من مصدر واحد من المصادر المملوكية يشير من قريب او بعيد الى ان هذا المعلم المعماري التبريزي كان مسئولاً عن اي من الاواوين العظيمة التي بنيت في ذلك العصر في القاهرة، وان كان معروفاً انه بني للأميرين أيتمش المحمدي وقوصون الناصري مجموعة من المباني التي أزيلت لاحقاً ولم يعد لها وجود وأبرزها مسجد لأيتمش وخانقاة لقوصون، كما كان مسئولاً عن مئذنتي جامع السلطان الناصر محمد في قلعة الجبل، وقد كانتا مختلفتين جذرياً عن مآذن معاصرة لهما وتبرز في اشكالهما وزخرفاتهما التأثيرات التبريزية الايلخانية. الآن هل يمكن القول ان هذا المعلم المعماري التبريزي هو حلقة الوصل التي راوغت هنري وآن سترلين فرداها الى مصدر شامي؟ ربما، فالمصادر لا تجزم بذلك، وناصر الرباط نفسه الذي يتحمس لهذا التفسير يكتفي بالقول ان هذا المعلم التبريزي يعد حسب تعبيره: «مرشحاً ممتازاً قائماً في موقع مؤثر كصلة وصل بين العمارتين الايلخانية والمملوكية». عوامل الاختلاف عندما شيد السلطان حسن مدرسته العتيدة هذه لم يكن يقفز في المجهول، او يتحرك في فراغ، وانما كان في واقع الامر يتبنى سياسة لا تعدو ان تكون استمراراً لسياسة تعود الى الحكام الايوبيين بل والى الخلفاء الفاطميين من قبلهم واذا كان قد بناها بين سنتي 1356 و1362 فالثابت انها لم تكتمل قط وان زخارفها لم يتم الفراغ منها حتى اليوم. ولكن الثابت ايضاً ان هذا البناء مختلف عن المباني المملوكية الاخرى وحتى عن تلك التي تم تبني المخطط الرباعي او المتصالب او مخطط الايوان في انشائها. فكيف يمكن تفسير هذا الاختلاف؟ يقترح المعماري ناصر الرباط تفسيراً ثلاثياً لهذا الاختلاف، الذي يرى انه تقف وراءه ثلاثة عوامل مسببة، وهذه العوامل هي على النحو التالي: ـ اولاً: العوامل التاريخية: تندرج هذه العوامل في الظروف الصعبة على مختلف الاصعدة التي مرت بها الدولة المملوكية فمن المعروف ان وباء الطاعون قد ضرب حوض البحر المتوسط بأسره بين عامي 1348-1349 وتراوحت الخسائر الناجمة عنه في الارواح بين الثلث والثلثين من اجمالي عدد السكان. وبينما استطاعت دول شمال حوض هذا البحر توفير المقومات التي تتيح لها بدء رحلة تجاوز هذه المحنة الرهيبة فإن الدولة المملوكية لم تكن على القدر نفسه من التوفيق ويلاحظ ان هذه الدولة طورت عبر سلاطينها وامرائها آليات تتيح لها ولهؤلاء من خلالها ان يكونوا الورثة الشرعيين لكل من لقي حتفه في الوباء من دون ان يعقب وريثاً شرعياً او يكون له من يرثه ولما كانت عائلات بأسرها قد فنيت في الوباء وخربت احياء بكاملها بحكم تفاني ساكنيها ورحيلهم عن عالمنا، فقد كان معنى هذا انه تجمعت لأركان الدولة والقائمين عليها اموال جمة وامكانات هائلة فإذا اضفنا الى هذا الشعور بالأهمية القصوى لاعادة اعمار ما خربه الوباء والواعز الديني القوي الدافع الى التوبة عن ذنوب الماضي لأدركنا سر الحماس لبناء المساجد والمدارس والخانقاوات والربط ودور العلم بعد انحسار الوباء وهي كلها عوامل ادت الى كثرة المباني الدينية في القاهرة في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، وجامع السلطان حسن يعد نقطة الذروة في هذا التيار. ثانياً: العامل التطوري: يسوق المعماري ناصر الرباط لايضاح المقصود بهذا العامل فرضيتين يرى انهما مقبولتان ومحققتان الاولى ان مخطط المدرسة قد اشتق من مخطط المنازل الخاصة التي استعملها اصحابها في اغراض التدريس قبل نشوء المدارس كمؤسسات خاصة والثانية ان استخدام الايوان كفضاء يجري توظيفه لاغراض التدريس قد ظهر في الشام قادماً من الشرق ابتداء من اول القرن الثاني عشر الميلادي وفي مصر نفسها اعتباراً من نهاية القرن نفسه. ثالثاً: العوامل النسبية او العلائقية: يقصد بهذه العوامل ان مدرسة السلطان حسن قد جمعت بين جانبين هما حرص منشئها وبانيها وراعيها على الفخامة والطابع الصرحي على نحو ما رأينا في القصة التي اوردها الظاهري والثاني البعد الوظيفي المتمثل في استيعاب المدرسة لخمسين طالباً من المنتمين الى كل مذهب من المذاهب الاربعة باجمالي يصل الى 200 طالب فضلاً عن المدرسين والعاملين بالمدرسة وهو عدد كبير يفرض مشكلات وظيفية لا يستهان بها. الآن، وبعد ان تم لنا استيعاب هذه الجوانب نجد ان الارضية قد ثبتت تحت اقدامنا بما يتيح لنا دراسة الجوانب المتعلقة بالزخرفة ومساهمتها في تأكيد جماليات المكان في جامع السلطان حسن، وذلك من خلال دراسة اربعة جوانب اساسية في هذا الصرح الاسلامي الرائع هي على التوالي: الموقع، الوجهيات، الداخل، والروضة لكن علينا في غمار هذا كله ان نجمع بين الهمة واليقظة، فما اكثر ما سنصادفه من رموز، وقد قال اهل الحقيقة عن الرمز إنه «معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر» فيالخسارتنا ان حصدنا الكلام الظاهر وغاب عنا المعنى الباطن.