السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 أخرج الإمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك (رضى الله عنه) أنه قال:«إن أهل مكة سألوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين» وأخرج الحديث برواية أخرى عن عبدالله بن مسعود أنه قال: «بينما نحن مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (اشهدوا)». وفى غير صحيح مسلم من كتب الحديث ومؤلفات السيرة رويت واقعة شق القمر على لسان عدد غير قليل من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منهم عبدالله بن عمر (رضى الله عنهما) وعبدالله بن عباس (رضى الله عنهما) وغيرهما. وقد دون كل من التاريخ الهندى والصينى القديم حادثة انشقاق القمر، وأرخوا بها. وفى محاضرة لى بكلية الطب ـ جامعة كارديف فى مقاطعة ويلز غربى بريطانيا، منذ عدة سنوان مضت وجه إلى أحد الحضور من المسلمين سؤالا عن الآيات فى مطلع سورة القمر وهل تمثل ومضة من ومضات الإعجاز العلمى فى كتاب الله؟ فأجبت بأن هذه الواقعة تمثل إحدى المعجزات الحسية التى وقعت تأييدا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى مواجهة كفار ومشركى قريش وإنكارهم لنبوته (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم)، وأن المعجزات خوارق للسنن، وعلى ذلك فإن السنن الدنيوية لايمكن لها تفسير كيفية حدوث المعجزة، ولولا ورودها فى كتاب الله، وفى سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ماكان علينا نحن مسلمى اليوم أن نؤمن بها، ولكننا نقربها، ونؤمن بوقوعها لورودها فى كتاب الله بالنص الإلهى الذى يقول فيه ربنا (تبارك وتعالى): «إقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر * وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر* ولقد جاءهم من الأنباء مافيه مزدجر* حكمة بالغة فما تغنى النذر* (القمر :1 ـ5)وبعد إنتهاء حديثى وقف رجل بريطانى من الحضور واستأذن فى أن يضيف شيئا إلى إجابتى فأذنت له، ثم بدأ بتعريف نفسه على أن اسمه «داود موسى بيدكوك» وأنه مسلم، ويرأس الحزب الإسلامى البريطانى. ثم أضاف أن هذه الايات فى مطلع سورة القمر كانت هى السبب فى إسلامه فى أواخر السبعينات من القرن العشرين، لأنه ببحث مستفيض فى الأديان أهداه أحد المسلمين ترجمة لمعانى القرآن الكريم، وأنه عند فتح هذه الترجمة لأول مرة فوجيء بسورة القمر فقرأ الآيات فى مطلعها، ولم يكد يصدق أن القمر قد انشق ثم التحم فأغلق الترجمة وانصرف عنها. ثم شاء الله (تعالى) أن يشاهد على شاشة التلفاز البريطانى ( B.B.C.) برنامجا عن رحلات الفضاء استضاف فيه المذيع البريطانى المعروف جيمس بيرك (James Burke ) ثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين وذلك فى سنة 1978م، وفى أثناء الحوار كان المذيع ينتقد الإسراف على رحلات الفضاء بإنفاق بلايين الدولارات، والأرض يتضور فيها ملايين البشر من الجوع، والمرض، والجهل، والتخلف، وكان جواب العلماء أنه بفضل هذه الرحلات ثم تطوير عدد من التقنيات الهامة التى تطبق فى مجالات التشخيص والعلاج الطبى، والصناعة، والزراعة وغيرها، وفى أثناء هذا الحوار جاء ذكر أول رحلة إنزال رجل على سطح القمر، وقد تكلفت أكثر من مائة مليار دولار، وجلس المذيع يتابع عتابه على هذا الإسراف، فرد العلماء بأن هذه الرحلة قد أثبتت لهم حقيقة لو أنفقوا أضعاف هذا المبلغ لإقناع الناس بها ماصدقهم أحد... !! فسأل المذيع: ماهى هذه الحقيقة؟ فأجابوا: أن هذا القمر قد سبق له أن انشق ثم التحم، وأن آثار محسوسة تؤيد ذلك الحدث قد وجدت على سطح القمر وامتدت إلى داخله. فقال السيد/ بيدكول: حينما سمعت ذلك قفزت من الكرسى الذى كنت أجلس عليه أمام التلفاز، وقلت: معجزة تحدث لمحمد قبل ألف وأربعمائة سنة، ويرويها القرآن بهذا التفصيل العجيب، يسخر الله من يثبتها للمسلمين فى عصر العلوم والتقنية الذى نعيشه، وينفق هذا المبلغ الكبير، لابد وأن يكون هذا الدين حقا، وعدت إلى ترجمة معانى القرآن الكريم أقرأها بشغف شديد، وكانت ايات افتتاح سورة القمر هى السبب المباشر لقبولى الإسلام دينا. هذا فى الوقت الذى يحاول نفر من أبناء المسلمين القول بأن انشقاق القمر لم يحدث بعد، وأنه من علامات الأخرة إستنادا إلى مطلع السورة:«إقتربت الساعة..» ويتناسى هؤلاء قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) فى الحديث الذى أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه عن سهل بن سعد (رضى الله عنهما) أنه قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يشير بإصبعه التى تلى الإبهام والوسطى وهو يقول:(بعثت أنا والساعة هكذا)». ويستشهد المنكرون لواقعة انشقاق القمر إستشهادا خاطئا بقول الحق (تبارك وتعالى) فى سورة الإسراء: «وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون...» (الإسراء: 59) وهو استشهاد فى غير موضعه لوقوع العديد من الآيات والمعجزات الحسية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) طيلة حياته الشريفة. فصلى الله وسلم وبارك على هذا النبى الخاتم، والرسول الخاتم الذى شق له الله (تعالى القمر مرتين، كرامة له، وتعظيما لشأنه، وأبقى لنا أثر هذا الانشقاق شاهدا ملموسا على شرف نبوته، ونبل رسالته، وصدق الكتاب الذى أنزل إليه، والحمد لله أولا وآخرا. د. زغلول النجار