الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 أدى استيلاء محمد الفاتح على مدينة القسطنطينية إلى توثيق الأواصر الفنية بين تركيا العثمانية ودول القارة الأوروبية وطفقت التأثيرات الأوروبية تترك أثرا عميقا على مجرى الإنتاج الفني في مختلف أرجاء الدولة العثمانية. وتبقى أهم المؤثرات الأوروبية على فن التصوير التركي ماثلة في ذلك الولع الذي أبداه سلاطين اسطنبول بدءا من عهد محمد الفاتح بالصور الشخصية «البورترية» والحقيقة أن هذا النوع من التصوير لم يكن معروفا في التصوير الإسلامي ، ناهيك عن الفرع التركي منه، ولم يهتم المصور المسلم بإبراز السمات الشخصية والمميزة لأبطال منمنماته إلا في فترات متأخرة وعلى يد نفر قليل من المصورين الايرانيين من أمثال كمال الدين بهزاد ودوست محمد ورضا عباسي. ومهما يكن من أمر فقد كان الاتصال بأوروبا وراء الاهتمام بفن الصور الشخصية وهو أمر حدث ليس فقط في تركيا العثمانية بل وفي كل من إيران الصفوية والهند المغولية. ومن المعروف أن المصور الإيطالي الشهير جنتيلي بلليني كان قد استدعى من البندقية في عام 1480 م ليقوم بعمل صورة شخصية للسلطان محمد الفاتح وقد قام هذا الفنان برسم عدة صور لأمراء عثمانيين بالإضافة الى الصورة المعروفة للسلطان العثماني المحفوظة في المتحف الوطني للصور بلندن، وفي هذه اللوحة يظهر السلطان في صورة نصفية في وضع جانبي وقد اعتمر عمامة تركية الطراز ويحيط به عقد نصف دائري رسم خارجه عن اليمين واليسار ثلاثة تيجان ترمز إلى الانتصارات الثلاثة التي حققها الفاتح وقضى بها على ثلاثة عروش وهي انتصاره على القسطنطينية وتقويض عرش البيزنطيين بها وانتصاره على قيصرية طرابزون « 865هـ ـ 1461م » وأخيرا الهزيمة النكراء والتي أوقعها محمد الفاتح بالتركمان أصحاب الشاه البيضاء «الأقة قويونلو » عند دحر جيشهم بقيادة حسن أوزن واستولى على عاصمتهم أرزورم« 877 هـ 1473م». ونشاهد هذه التيجان الثلاثة أيضا في ميدالية من البرونز قام بعملها جنتيلي بلليني أيضا وعلى وجهها صورة نصفية للسلطان محمد الفاتح حيث يظهر في وضعة جانبية « بروفيل» بعمامته المتعددة الطيات وتبدو عليه ملامح العظمة والقوة، وهذه الميدالية محفوظه في متحف جلبنكيان بمدينة لشبونة ومن الصور الشخصية التي رسمها بلليني واحدة لأمير عثماني يحتفظ بها متحف جاردنر بمدينة بوسطن الأميركية. وقد توافدت على تركيا بعد النجاحات المالية والفنية التي حققها جنتيلي بلليني أعداد أخرى من المصورين الأوروبيين وخاصة من إيطاليا بحثا عن نجاح يصبونه أو شهرة يصادفونها في بلاد الشرق ومن هؤلاء الإيطالي الذي قام برسم صورة شخصية للسلطان محمد الفاتح وهي تبدو أكثر تعبيرا عن السلطان بعدما تقدمت به السن قليلا فضلا عن التزامها برسم اللحية الحمراء له والتي رسمها بللبني في لوحته باللون الاسود. ولم يتخلف المصورون الأتراك عن اللحاق بركب الصور الشخصية ومن أقدمهم « سنان بك » الذي ترك لنا صورة شخصية للسلطان محمد الفاتح يحتفظ بها متحف طوبقابي باسطنبول وهي شديدة الشبه بالتصويره الإيطالية الأخيرة لهذا السلطان ويظهر السلطان في تصويرة سنان وقد جلس الجلسة الشرقية « القرفصاء » وفي إحدى يديه زهرة وفي اليد الأخرى يمسك منديلا، وربما كانت هذه الصورة أول صورة شخصية حقيقية يقوم برسمها مصور تركي. وتحمل الصورة بعض التأثيرات الفنية الأوروبية وبخاصة من فن التصوير الإيطالي، ولقد وفق المصور سنان بك في استخدام الألوان المتناسقة ووضحت مهارته الفنية في إبراز شخصية السلطان محمد الفاتح وقد حاول إظهار قوته الجسمانية وعزيمته وحزمه عن طريق إبراز بدانة جسمه وان جاء ذلك على حساب رسمه للساقين بأسلوب غير دقيق أو واقعي . وفي عصر السلطان سليمان القانوني ذاع صيت المصور التركي حيدر الريس المعروف باسم « بخاري » وكان كبيرا لرسامي البلاط العثماني وقد عرف عن هذا المصور الفرنسي « كلويه » وهو مصور الإمبراطور فرانسوا الأول. وبعد أن تجاوز الريس حيدر مرحلة النقل ونضجت مواهبه الشخصية التي منح بسببها رتبة باشا أخذ في إنتاج الصور الشخصية للسلاطين العثمانيين وأمراء البلاط ومن تصاويره واحدة تمثل السلطان سليمان القانوني بعد أن تقدمت به السن وقد نجح « بخاري» في أن يعطينا صورة واقعية تسودها هيبة السلطان وجو الرهبة الذي يحيط به عن طريق اللحية المدببة التي غزاها الشيب والعمامة الكبيرة وقد رسم خلفه حارسين من الانكشارية أحدهما يحمل السيف. ونفس الملامح التي قوامها لحية بيضاء وعمامة كبيرة إلى جانب القوة وملامح القسوة نشاهدها في صورة شخصية من أروع أعمال حيدر الريس وهي تمثل القائد البحري الشهير «خير الدين باربا روسا» ويظهر فيها بأبهى زي وهو يقبض بيدة اليمنى بالصولجان الذي أهداه له السلطان وفي يده اليسرى بزهرة قرنفل يتنسم عبيرها. ومن المعروف أن خير الدين وشقيقه «عروج» قد لعبا دورا رئيسيا في حماية الشواطئ الإسلامية من إغارات السفن الأوروبية « الأسبانية خاصة » في حوض البحر الأبيض. ومن أجمل أعمال «حيدر» تلك الصورة الشخصية التي قام برسمها للسلطان سليم الثاني بن سليمان القانوني « 1506 - 1571 م » وتختلط فيها التأثيرات الأوروبية بالإحساس التركي الشرقي. وتعكس هذه الصورة الشخصية الملامح الحقيقية للسلطان سليم الثاني الذي ورث عن أبيه سليمان العظيم إمبراطورية شاسعة الأرجاء ونخبة إدارية وعسكرية متمرسة نجحت في يسر وسهولة في المحافظة على حدودها، وكان السلطان سليم شاعرا وراعيا للفنون وقد وجه اهتماما كبيرا للعمارة والفنون التطبيقية. وقد رسمت هذه الصورة للسلطان حوالي سنة 978 هـ « 1570 م » أي قبل عام واحد من وفاته وهو في الخامسة والأربعين من عمره.ويبدو السلطان فيها متنكرا وذا لحية وشارب أحمرين شأنه في ذلك شأن العديد من الشخصيات التركية التي وصلت إلينا بعض صورها الشخصية، وقد جلس الجلسة الشرقية التي نراها تتكرر في كل تصاوير أبطال القصص الواردة في الصورة الإيرانية والتركية على حد سواء. ويرتدي السلطان قفطانا قرمزيا قوام زخرفته. رسوم السحاب الصيني ومن المعروف أن اللون الاحمر كان من الألوان التي رآها البيزنطيون ومن بعدهم الأتراك ألوانا ملكية. وقد كشفت أكمام القفطان عن قميص أزرق يميل إلى اللون البنفسجي. ويبدو السلطان وهو يحمل في يده اليمنى كأسا أما يده اليسرى فتقبض على منديل ويتدلى على كتفه الأيمن جزء من عباءة ذات أطراف من فراء ثمين أما العباءة ذاتها فموشاة بزخارف نباتية مذهبة قوامها رسوم التوريق العربية « الأرابيسك » المعروفة في تركيا باسم « رومي ». ويعتمر السلطان سليمان الثاني عمامة بيضاء كبيرة ذات طيات تخرج منها ريشتان على العادة المرعية بين قبائل الترك. وخلف السلطان يقف أحد خدام القصر ولعله من الخصيان إذ صور على هيئة شاب أمرد يرتدي قفطانا بني اللون وله نفس زخارف قفطان السلطان « السحب الصينية » وقد رفع يده اليسرى في حركة تشف عن نيته في الحديث مع السلطان وقد ارتدى هذا الخادم قلنسوة حمراء لها أربعة أطراف ومن المعروف أن أغطية الرؤوس كانت تستخدم للتمييز بين مختلف طوائف العاملين في خدمة الدولة العثمانية. والصورة في مجملها تكشف عن شخصية السلطان المتميزة والعامرة بالحركة والحيوية ورغم تأثرها بالطابع التصويري الأوروبي إلا أنها لم تفقد شخصيتها الشرقية المميزة. ومن الجدير بالذكر أن «حيدر الريس» في الوقت الذي رسم فيه هذه الصورة الشخصية كان يعمل مديرا لأحواض السفن والترسانة التابعة للسلطان العثمانية في اسطنبول. ومن المصورين الذين مهروا في رسم الصور الشخصية المصور «عثماني» والمصور المعروف عبد الجليل شلبي «لوني» الذي عمل في المرسم السلطاني وقد ترك لنا عدة صور شخصية من أهمها صورة للسلطان عثمان على عرشه تتضح فيها قدرة «توني» على تصوير الأشخاص بدقة ومهارة وأخرى لأحد القواد العسكريين ويدعى «خليل بن وايس أغا ». ومن أشهر لوحات البورترية التي أنجزها لوني تلك التي صور فيها السلطان أحمد الثالث وابنه وهي محفوظة في متحف طوبقابي باسطنبول.ويبدو السلطان في هذه الصورة وكأنه إله مقدس إزدان بالذهب والحلي، وقد صور وجهه وخفة تبدو متناقضة مع ثراء الملابس والمفروشات وأن كان يؤخذ على تلك التصويرة أن المشاهد لها يفقد التركيز على وجه السلطان ويجنح به الخيال بعيدا إلى ما يرتديه من ملابس وحلي. د. أحمد السيد محمد