الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 ان اهل البيت الواحد بما يضم من زوجين وأولاد لبنة في بناء المجتمع وخلية يتكون منها ومن الخلايا الاخرى جسم الامة الحي. فهم أرحام وخلطاء وجيران ويتأكد في حقهم الا يزعج ولا يؤذي بعضهم بعضا. ومن ثم فإن الاسلام قد رغب في تكوين البيوت وانشائها. وحرص ان تكون الاسرة سليمة بعيدة عن كل ما يؤخرها ويبعث في اجوائها القلق والاضطراب، فوضع القواعد التي تكفل امنها واستقرارها. وقد أدب المولى سبحانه اقواما بقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون). لانهم كانوا يجهرون بالكلام ويرفعون اصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله سبحانه وتعالى: (ان الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم). لما نزلت هذه الآية الكريمة قعد الصحابي ثابت بن قيس بن شماس في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن عدي بن العجلان، فسأله: ما يبكيك؟ قال: هذه الآية أتخوف ان تكون نزلت في وأنا صيت رفيع الصوت. فرفع عاصم ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا به فقال: «أما ترضى ان تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟ قال: رضيت ولا أرفع صوتي ابدا على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن زيد بن ارقم قال: جاء ناس الى حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادون يا محمد، يا محمد.. فأنزل الله تعالى: (ان الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون).. وجاء في الحديث النبوي الشريف فيما أخرجه الامام مالك وأبو داوود يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يجهر بعضكم على بعض في القرآن». ويكون الاستنكار اشد في حق المرأة، فبعض العلماء يعتبرون صوتها عورة اذا تكلمت لغير ضرورة او حاجة بلهجة خاضعة فيها ميوعة القول ولين الكلام وترقيق الألفاظ عندما تخاطب الرجال فهذا هو المنهي عنه في تحذير المولى جل وعلا في قوله: (فلا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا) الاحزاب. فهذه الآية الكريمة تحدد طريقة كلام المرأة وتبين أدب حديثها وتحوطها بسياج منيع يحول دون الشكوك والشبهات ويمنع التهم والترهات. واذا كان هذا في الكلام العادي ـ فكيف هو في الغناء؟ ان الاسلام اولى المرأة اهتماما معينا لما لها من دور عظيم في المجتمع جعلها شريكة الرجل في العمل والتكاليف. ومن المألوف ان يتشاجر الاطفال فيما بينهم ومع اطفال الجيران ثم ما يلبث هذا الشجار ان ينتقل الى النساء فالرجال وقد يكون بين الاقارب فيؤدي الى قطيعة الرحم. وذلك كله بسبب نقصان الحكمة، فلو كانت العقول حاضرة ما انتقل الشجار الى الكبار. وقد دأب اهل الفضل والمروءات على تربية اولادهم بالآداب الاسلامية القويمة وذلك بعدم رفع الصوت، واحداث الضجيج بالضحك والقهقهة في النقاش، فهو دليل على عدم تهذيب النفس واحترام السامعين، وخروج عن أدب الكلمة والتقيد بالآداب المحمدية، التي تأدب بها اصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ اقتداء به حيث كان جل ضحكه التبسم صلى الله عليه وسلم. وقيل: لا ترفع صوتك فوق ما يحتاجه السامعون فانه رعونة وايذاء. ان البيت الصالح هو الذي يخرج الجيل الصالح عمادا للأمة وقرة عين الاسرة. فلو بحثنا عن المؤثرات في معظم النابهين في التاريخ لوجدنا البيت بعناصره الكبرى ـ الاب والأم ـ عاملا مؤثرا في شخصية الابن وسلوكه. وأهم قضية في حياة البيت المسلم هي تنشئة الابناء تنشئة اسلامية خالصة عقيدة وخلقا وسلوكا وبناء حياتهم على الاستقامة كما اوصى بذلك الامام علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ فيما روى الديلمي: تربية الاولاد على ثلاث خصال: حب نبيكم صلى الله عليه وسلم، وحب اهل بيته، وتعلم القرآن، فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل الا ظله مع انبيائه وأصفيائه. وعلى الجد والحزم والقوة والصبر وحب الطاعة والبر وكراهية الفسوق العصيان والبعد عن الشر ومظاهر الترف ومجالات اللهو، واضاعة الوقت فيما لا يعود عليهم بنفع يدعو اليه الدين ودرءا للمفاسد والتزاما بواجب الوقاية المذكورة في قول الحق سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة). ومسئولية الرعاية في قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». وقد أوصى نبينا الكريم في حديثه المتفق عليه بقوله: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». فحقوق الجار كثيرة يجب مراعاتها في كل وقت حتى لو كان الجار على غير دين الاسلام تواسيه في آلامه وأحزانه، وتعينه اذا احتاج وتتعهد حقوقه اذا غاب، وتشاركه في افراحه. وقد قيل: انك متى أسأت عشرة الناس صاروا لك أعداء، ولو كانوا آباء وأمهات ومتى احسنت عشرة قوم ليسوا لك أقرباء صاروا لك أمهات وآباء.. بل ان كثيرا من العلماء يعتبر ايذاء الجار كبيرة تدخل صاحبها النار. روى الامام احمد عن ابي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال رجل يا رسول الله: ان فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير انها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: هي في النار. قال يا رسول الله: فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها وأنها تصدق بالأثوار من الأقط (قطعة من اللبن الجامد) ولا تؤذي جيرانها بلسانها.. قال: هي في الجنة». وفي حديث معاذ رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلم له: «وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم» او كما قال صلى الله عليه وسلم. وجزى الله القائمين على امر الاوقاف والشئون الاسلامية بدبي التي دأبت على اقامة دروس منتظمة للنساء في بعض المساجد وخصصت لهن اماكن لحضور المحاضرات العامة. وان المشروع الرائد للشيخ مكتوم ـ حفظه الله ـ لتحفيظ القرآن الكريم، الذي قامت دائرة الاوقاف بانشاء المراكز العديدة له شملت كافة مناطق امارة دبي بنين وبنات لهو جدير بأن يدعى لمن قام بكل جهد فيه بالخير والبركة. روى ابو نعيم الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تتعلمون منه»، وهو تجنب رفع الصوت سواء كان ذلك في المناقشات او الحوار او السؤال. خصوصا في طلب العلم. وفي المثل: من شبّ على شيء شاب عليه. وفي الاثر: اغد عالما، او متعلما، او مستمما، او محبا، ولا تكن الخامس فتهلك. واكدت الدراسات انه كلما زادت عوامل الخلاف والصراع داخل الاسرة كلما اثر ذلك سلبا على الابناء وقلل من نسبة التركيز والانتباه وشتت الجهد وضيع الوقت وزاد من نسب التوتر والعصبية. وينصح دائما بأنه عند حدوث خلاف اسري بين الوالدين او بين الاقارب ان لا يتم ذلك بحضور الابناء حتى لا ينعكس ذلك على اساليب التربية والتعامل مع الصغار الذين لا ذنب لهم. وان يعود الاطفال عدم اللعب بالاشياء التي تحدث ضجيجا ما امكن ذلك وألا يعاملوا بعدم مبالاة اذا كان لهم طلب او حدث منهم ما يعكر. يقول الدكتور اوليفر وندل ـ استاذ العلوم الاجتماعية وعلم النفس ـ بريطاني الجنسية: انه كلما تقدمت العلوم ضاقت بينها وبين الدين شقة الخلاف فالفهم الحقيقي للعلوم وتربية النشء يدعو الى زيادة الايمان بالله. ونأتي لقمة اهمية صيانة كرامة البيت وهو كتمان الاسرار فكل بيت له حرمته وقد حذر الاسلام اشد التحذير فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ان لا يتحدث الزوجان عما يدور بينهما اخرج الامام مسلم وأبو داوود: «شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي الى المرأة وتفضي اليه ثم ينشر سرهما». فهذا الحديث العظيم معلم من معالم تربية البيت المسلم، فقد جرت عادة بعض النساء ان يثرثرن اذا اجتمعن بما لا ينبغي من امور الحياة الزوجية الخاصة، وبما يدخل في دائرة اللغو والسفه. وهذا عيب كبير يسيء الى سمعتهن ويجعلهن مضغة للغير، وهذا مما يحتاط منه. يقول جل من قائل: (وقد اخذن منكم ميثاقا غليظا). ولابد هنا من اشارة مهمة وهي ان مسئولية تربية الاطفال ورعاية البيت لا تقع على عاتق الام وحدها كما يظن كثير من الناس، وأن دور الرجال هو تأمين الطعام والشراب والملبس، ونحو ذلك من ضروريات الحياة، فهذا تفكير خاطيء عقيم. بل يجب على الاب تخصيص بعض الوقت للاشراف عليهم في دراستهم وتلبية طلباتهم والتعرف على احوالهم ومشاكلهم، واللعب معهم قدر الامكان وليكن في رسول الله في مداعبته لسبطيه رضوان الله عليهما خير قدوة واعظم مثل. يجب تعويد الاطفال على الصدق والصراحة، والاعتراف بالخطأ ان اخطأوا وعلى احترام الآخرين مهما كان وضعهم فيوقر الصغير الكبير ويحترم الكبير الصغير. ولا يلجأ الى العقاب البدني الا بعد ان يجرب النصح والتوجيه والارشاد والتحذير والتعنيف اللفظي، فإذا لزم الامر فليكن العقاب مناسبا لغرض التقويم والتأديب لا لغرض التخويف والترهيب. اغرس فيهم الثقة فيما تكلفهم به من اعمال ولو كانت يسيرة، وتعاون مع الأم في تطهير البيت من أجهزة اللهو الضارة التي قد تؤدي الى الانحراف. ولا شك اننا في قاع التخلف الاجتماعي والحضاري يصبح واجبا علينا ان نتلمس ما يأخذ بأيدينا الى نهوض مجتمعنا سيما في التربية والعبادة وما هما بمعزل احدهما عن الآخر. ان اسلمة المشاعر ـ ان صح التعبير ـ اسلوب يجب اتباعه لنعود الى فطرتنا الاولى التي فطرنا الله عليها ـ ولا يتأتى لنا ذلك الا بالعودة الى تعاليم القرآن وسنة من جاء رحمة للعالمين. (ربنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب، ربنا انك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ان الله لا يخلف الميعاد). وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. أحمد الريح ابوعاقلة