الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 في دراسة للدكتور محمد محمود أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة القاهرة تؤكد أن بني البشر جميعا خلقوا من التراب والى التراب يعودون حيث أن هذا الانسان الغريب ما هو الا سلالة من طين، ترابية الأصل تحتوي على جميع العناصر التي تدخل في كيميائية الأرض، بدءا بالجير «الكالسيوم» الى الحديد والنحاس وغيرها من المعادن . وبالنسبة لتفسير الحياة لهذا الانسان تشير الدراسة الى انه حينما يتوفى الله الأنفس حين موتها تنطلق الروح من عقالها، وتترك الجسم لقدره المحتوم؛ حيث تقوم تلك الأنزيمات بهضم مكونات الجسم، وتحولها الى سوائل تكون غذاء شهيًا للهوام والحشرات والديدان الأرضية، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: (اللهُ يَتَوَفى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى اِلَى أَجَلٍ مسَمى اِن فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ )، كما يمسك الله « سبحانه وتعالى» الروح من النفس التي قضى عليها الموت، ويحدث الانفصام الذي لا رجعة فيه الى يوم القيام. وترى الدراسة انه اذا أراد الانسان الاتصال بالله فعليه بالصوم بمعناه العميق، والصلاة والذكر اللانهائي مثل الأنبياء والرسل والصالحين الذين يعمقون الصلة بالله بالصوم حتى يكون انفعالهم ملائكيًا، وتسبيحهم ملائكيًا، وصلتهم بالله كصلة الملائكة بالعرش العظيم حتى يأتيهم اليقين، ويروا نور الله العظيم، فلقد نذرت مريم - التي اصطفاها الله، وطهرها، واصطفاها على نساء العالمين- للرحمن صومًا، وهي الطاهرة البتول ليكون الرحمن الرحيم معها أينما وجدت. فكانت تناديها الملائكة وتتحدث اليها وهي قائمة تصلي في المحراب، والصوم كان يسمو بنفسها الى نور الله العظيم فترى الطمأنينة والرضا بقدر الله ويناديها جبريل: ألا تحزني وألا تعيشي في قلق.. بل قريرة العين مرتاحة الضمير مطمئنة الى رعاية الرحمن الرحيم. والصوم بمعناه الكبير هو نوع من التسامي النفسي والشفافية الروحية والاتصال الوجداني بالبارئ العظيم وهو تدعيم لقوة الروح التي تسيطر على مادية الجسم وهو ركيزة من ركائز الايمان. والصوم الحقيقي دعوة الى السمو الخلقي والبعد عن الخطايا، وهو نوع من الاسترخاء النفسي والعقلي، فضلا عن أن المؤمن الصائم يتصف بالسماحة الخلقية وهو من الكاظمين للغيظ والعافين عن الناس وهو ممن يتصفون بالسيطرة على الغضب.. حيث أن الغضب والغيظ والحقد على الناس طريق يؤدي الى هلاك الانسان نفسه!! وتوضح الدراسة تفسيرا لهذا الهلاك للنفس بان الانسان الحاقد حينما ينتابه الغضب أو الغيظ أو الحقد على الناس يلبسه الشيطان ويتقمص شخصيته فيكون هو الشيطان نفسه في تصرفاته وانفعالاته الشخصية، والاخطر من ذلك أن رسالة الغضب والغيظ والحقد تنتقل الى مستويات المخ العليا حيث ستستقبلها مراكز كيميائية تتفاعل معها، وتنقلها الى جسم يُسمى «هيبوثلاموس» Hypothalmus بطريقة كيميائية معجزة، حيث تنتقل بدورها الى الغدة المعجزة «الغدة النخامية» Pituitary. الغدة المعجزة وتوضح الدراسة طبيعة اعجاز الغدة النخامية بأنها معجزة من معجزات الخالق «سبحانه وتعالى» حيث تزن تلك الغدة حوالي نصف جرام ـ أي بما يعادل حجم الحمصة الصغيرة - وتفرز العديد من الهرمونات الرئيسية في الدم وتحمل الأوامر المباشرة الى كل الغدد الهرمونية الموجودة في الجسم، وبذلك تُجري تنبيها لتلك الغدد الأخرى لتفرز هرموناتها فورًا في الدم. ومن ثم فان الغدة الرئيسية التي تنفعل عند الغيظ والغضب والحقد هي غدة الأدرينال «فوق الكلية» وطولها بوصتان وعرضها بوصة، ووزنها أوقية تقريبًا، وتتكون من قسمين: هما القشرة واللب - مثل قشرة البندق ولُبها- وكل قسم يفرز الهرمونات الخاصة به وتفرز القشرة العديد من الهرمونات التي تؤثر في عمليات التمثيل في الجسم، بينما يفرز لب الأدرينال هرمونين: الأدرينالين Adrenalin والنورادينالين Noraderanalin. وعند الغضب والغيط والحقد تُرسل الغدة النخامية الأمر الى غدة «الأدرينال» التي تستجيب على الفور.. حيث يُفرز هرمون «الأدرينالين»، الذي يؤدي افرازه في الدم الى تغيرات فسيولوجية وكيميائية حيوية مذهلة.. انه يهييء الجسم لقوى شيطانية رهيبة،وذلك استجابة لاشارة التهديد الصادرة من الغضب والغيظ والحقد، وتقوم أيضا غدة «الأدرينال» بافراز هرمونات القشرة مثل هرمون «الكورتيزون». لاعداد الجسم بيولوجيا للدفاع عن الارهاق النفسي بأشكاله المختلفة . وتمضي الدراسة لتؤكد على انه حينما يتعرض الانسان الى تلك الانفعالات السابق ذكرها لفترات مستمرة تزيد افرازات تلك الهرمونات التي تؤدي الى تغيير مدمر لكيميائية الجسم.. من هدم في أنسجة الجسم وافراز الكلوكوز في البول والذي قد يسبب على المدى الطويل الاصابة بمرض «السكر»، ويسير الجسم بخطى وئيدة الى زيادة نسبة «الكولسترول» في الدم.. وهو ما قد يؤدي الى حدوث الذبحة الصدرية، وتصلب الشرايين، وأمراض أخرى مدمرة لكيان الانسان، هذا بجانب الأمراض النفسية العضوية. كما أن حصيلة كظم الغيظ والعفو عن الناس والخلاص من الحقد هو الطريق الوحيد للخلاص من قوى التدمير النفسي والعضوي، وهو الطريق المضيء نحو الاستقرار الوجداني والأمن النفسي والسعادة الروحية، وحينما أمرنا الحق « سبحانه وتعالى» بالصوم بمعناه الحقيقي.. انما أراد بمشيئته تعالى أن يُسبغ علينا السعادة الروحية، والاسترخاء العقلي، والأمن النفسي، والاصلاح لمادية الجسم حيث تنبعث السكينة في قلوب المؤمنين، ليزدادوا ايمانًا على ايمانهم. القاهرة ـ مجاهد المليجي :