الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 قال تعالى: «مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون» [سورة العنكبوت الآية :41]. إن الإعجاز العلمى فى هذه الآية يتجلى بأجلى معانيه فى لفظة (اتخذت) وهى إشارة علمية فى غاية الدقة للدلالة على أن ما يقوم ببناء بيوت العناكب هى الأنثى منه وأن الذكر من العناكب لا شأن له بذلك وهذه حقيقة ما كان أحد مطلقاً يفطن إليها وقت نزول القرآن ولكن لما اشتغل علماء الأحياء حديثاً بدراسة الحشرات ووضعوا فى دراستها علماً قائماً بذاته تبينت لهم حقائق مذهلة عن الحشرات التى تبلغ مئات الآلاف فى أنواعها وأن كل نوع منها يتميز بأشكاله وأحجامه وألوانه وطبائعه وغرائزه المميزة له عما سواه. وقد دلت الدراسة المستفيضة للحشرات أن بعضها له حياة اجتماعية ذات نظم ومباديء وقوانين تلتزم بها فى إعداد مساكنها والحصول على أقواتها والدفاع عن نفسها والتعاون فيما بينها بصورة تدهش العقول وذلك بإلهام من خالقها الذى يجعلها تبدو وكأنها أمم لها كيان ونظام وعمران. ومن دراسة حياة العناكب لاحظ العلماء أن بيت العنكبوت له شكل هندسى خاص دقيق الصنع ومقام فى مكان مختار له فى الزوايا أو بين غصون الأشجار وأن كل خيط من الخيوط المبنى منها البيت مكون من أربعة خيوط أدق منه ويخرج كل خيط من الخيوط الأربعة من قناة خاصة فى جسم العنكبوت ولا يقتصر بيت العنكبوت على أنه مأوى يسكن فيه بل هو فى نفس الوقت مصيدة تقع فى بعض حبائلها اللزجة الحشرات الطائرة مثل الذباب وغيره لتكون فريسة يتغذى عليها. وإنه لمنظر يثير الدهشة حقاً عندما يرى المرء هذه الحشرة الرقيقة تتحرك بأرجلها الدقيقة بسرعة بين خيوط بيتها الواهى لتمسك بفرائسها. ومع أن الحشرات لا يعلم بعض خفاياها إلا الدارسون لها فإن القرآن الكريم اهتم بأمرها بل سمى بعض سوره بأسماء حشرات منها مثل : سورة النمل ، وسورة النحل، وسورة العنكبوت، ليلفت أنظارنا إلى قدرة خالقها وعدم تحقير شأنها فالله سبحانه هوالذى خلق كل شيء وقدر كيانه تقديراً. يقول تعالى :«يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب » [سورة الحج الآية : 73] إن القرآن الكريم قد تحدى الناس جميعاً أن يخلقوا ذبابة وهى حشرة ضئيلة واستمر هذا التحدى قائماً إلى عصرنا هذا بعد أكثر من أربعة عشر قرناً من نزول القرآن وبعد أن تقدم العلم تقدماً هائلاً بلغت فيه التكنولوجيا ذروة التطور هل تستطيع أن تصنع ذبابة واحدة؟!. ويقول علماء الحشرات :«إن الذبابة تختلف عن غيرها من الحشرات بل وكل الكائنات الأخرى فى أن كل جسمها يكسوه زغب كثيف متداخل حتى يستطيع أن يتعلق بالذبابة فى كل ناحية من جسمها كل ماتقربه الذبابة. ويتضاعف هذا الزغب على الأجنحة والسيقان لنفس الغرض أما أقدام الذبابة فهى أيضاً تختلف عن أى أقدام فهى شاذة التكوين فكل قدم منها مايشبه الخف إلا أنه مكسو بشعر لزج يلتصق به كل ما يمر عليه هذا الخف. وعن طريق هذا الخف اللصاق تستطيع الذبابة أن تسير على السطح الأملس وعلاوة على ذلك فإن لكل قدم منها أجهزة لاقطة تلقط كل ما يصادفها فى طريقها أو تحط عليه وبذلك فإن الذبابة لا تترك جراثيماً إلا ونقلتها ومن ضمن ماتختلف فيه الذبابة عن غيرها أن فمها مكون من خرطوم ينتهى بزائدتين من اللحم الرخو بدلاً من الأسنان ولذلك فإنها لا تأكل شيئاً حتى تذيبه وهى فى سبيله تخرج قطرة سائلة من آخر طعام أكلته على ماتريد أن تأكله حتى تذيبه وتمتصه بخرطومها سائلاً وهذه القطرات التى تفرزها وتصبها على ماتريد أكله من طعام فيه ملايين الميكروبات والجراثيم وسمومها وقرر العلم أن الذبابة إذ تسلب الإنسان شيئاً تذيبه وتمتصه عن طريق إفرازاتها التى تصبها من خرطومها ثم إنها إذ تذيب ماسلبته فإنه يختلط بما صبته وبذلك يستحيل أن يسترده الإنسان بعكس ماتسلبه حشرة أخرى أو أى كائن آخر. إذاً فإن إعجاز القرآن لا يقتصر على الأسلوب البيانى وإنما فيما حوى من منهج علمى تناول كل شيء حتى الحشرات. وعن النحل يقول : «وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون» [سورة النحل الآية :68]. تدل دراسات مملكة النحل أن إلهام الله لها يجعلها تطير لارتشاف رحيق الأزهار فتبتعد عن خليتها آلاف الأمتار ثم ترجع إليها ثانية دون أن تخطئها وتدخل خلية أخرى غير خليتها علماً بأن الخلايا فى المناحل تكون مرصوصة بعضها إلى جوار بعض وذلك لأن الله تعالى قد زودها بنوع من الإحساس الكهربى المغناطيسى فى جسمها مصداقاً لقوله تعالى: «ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل ربك ذللا» وبعد أن يجمع النحل رحيق الأزهار فى جوفه يتحول هذا الجوف إلى مصنع يجعل من هذا الرحيق شراباً فيه شفاء للناس مصداقاً لقوله تعالى: «يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ». ثم إن وصف القرآن لعسل النحل بأن فيه شفاء للناس هى حقيقة علمية أثبتتها التحاليل المعملية لهذه المادة. وقد اتفقت آراء كل العلماء على أن فى عسل النحل شفاء للناس ولم يحدث أن اهتمت الأوساط الطبية بشيء قدر اهتمامها بالعسل الذى صدرت عنه عشرات الآلاف من الكتب. وآخر مااكتشفه العلم فى العسل أنه يحتوى على مادة أسماها «أنهيبين» لها خاصية فريدة إذ توقف نمو الميكروبات فوراً وبعد ذلك تميتها ومازال العلم يكتشف الجديد فى تركيب العسل مما يجعله متميزاً على كل غذاء الإنسان. ويقول تعالى:«إن الله لا يستحى أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها فأما الذين أمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدى به كثيراً ومايضل به إلا الفاسقين »[سورة البقرة الآية : 26]. ورد فى هذه الآية الكريمة أن الذين كفروا يستنكرون ضرب المثل بالبعوضة لحقارتها وأما الذين آمنوا فيرون ما لا يرى الذين كفروا فهؤلاء قد عميت بصائرهم عن إدراك أسرار الخالق فى أصغر وأحقر مخلوقاته ومع ذلك فلا شيء حقير فى خلق الله بل كل ما خلق عظيم حتى ولو كان ذلك فى جناح بعوضة ودعك إذن من بعوضة كاملة فيها من إعجاز الخلق مالا يستوعب شرحه عدة شروح كما أوضح العلم الحديث الذى يقرر أن جناح الحشرة ولا يهم هنا إن كانت لبعوضة أو فراشة أو ذبابة أو نحلة أو أى نوع من مئات الألوف من أنواع الحشرات التى درسها العلماء وعرفوا منها حتى الآن مايقرب من المليون نوع غير مايكتشف كل عام من الاف أخرى يزخز بأسرار كثيرة من ذلك سطح الجناح وماغلفه من تكوينات ذات نظم دقيقة ينطوى عليها تركيبه.