الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 اذا كانت التفسيرات العديدة والتي لا ينقصها الغموض ولا التعقيد التي طرحت لايضاح طبيعة قبة الصخرة والاهداف المتوخاة منها والوظائف التي يفترض ان تؤديها تخفق، بشكل او بآخر، في اقناعنا، وتتركنا في حيرة تفوق تلك التي كنا فيها قبل ان نخوض غمار التفسيرات هذه، فان ذلك لايدع امامنا خيارا الا ان نبحث عن تفسير داخلي من قلب قبة الصخرة نفسها، يمضي بنا عبر موقعها وعمارتها وزخارفها. وفي غمار البحث عن هذا التفسير الداخلي، واذا انطلقنا لتحقيق مصافحة بصرية مع هذا الصرح الفريد، فاننا سنتلقى نوعين من الانطباعات البصرية جديرين بالتوقف عندهما وتأملهما طويلا. النوع الاول من الانطباعات هو، بالطبع، الانطباع البصري الخارجي، وكما سبق لنا القول فان تحقيق انطباع بصري قوي هو هدف من الاهداف العديدة المتوخاة من هذا الصرح الفريد، ويرجع جزء من هذا الانطباع البصري القوي الى ان مصممي المبنى قد وظفوا التقنيات المتاحة لهم لخلق او ايجاد علاقة غير مألوفة بين الممرات الدائرية ذات المسقط المثمن وبين الاسطوانة المركزية المرتفعة، بحيث ان هذه الممرات تشبه حلقة تدور حول الاسطوانة، وليست مرشدا يقود اليها. وفي اطار هذا الانطباع البصري الخارجي يلاحظ ايضا انه ما من تراتبية تبدو واضحة للعيان بين جوانب المثمن او في المداخل الاربعة، وهي جميعها متماثلة تماما. وهذه السمة غير المألوفة يمكن تفسيرها اما على ان المبنى يبدو وكأن هناك مغناطيسا بداخله يجتذب من خارجه بالعنفوان نفسه، واما على اساس ان المدخل الرئيسي ترك بلا تحديد قصدا لانتفاء ماديته او لانه مغلق، وهذا الطرح الخاص بالاغلاق انما يراد به الايماء الى ان المبنى هو اقرب الى جسم قصد به ان تحدث الاشياء خارجه وهي قراءة بصرية من المحقق انها تعكس تأثرا بقراءة معمار المعبد الاغريقي ولكنها لاتبدو قراءة مناسبة في حالة قبة الصخرة. وذلك على اسس شكلية، فالمبنى كلما اقترب المرء منه كلما قلت امكانية تفهمه على الوجه الصحيح فزخارفة عالية للغاية بحيث يصعب تأملها والتدقيق فيها ورقشها لايقرأ بسهولة وهكذا يبدو اقرب للمعقولية ان قبة الصخرة بمثابة كيان مغناطيسي جاذب من بعيد، وينحل الى عناصر ومكونات جزئية ومتكررة مع اقتراب المرء منه. انطباعات بصرية ما ان يلج المرء قبة الصخرة، حتى يتلقى حشدا من الانطباعات البصرية التي تختلف اشد الاختلاف عن نظيرتها في الخارج من حيث درجة تعقيدها واحتياجها الى حساسية اكثر ارهافا، ووسط هذا الحشد من الانطباعات قد يمكننا الحديث بحد ادنى من الوضوح عن ثلاثة انطباعات محددة. ـ اولا: ما يتكشف لاعيننا يوحي، في المقام الاول، بأننا امام حلقة من الفخامة وحوار النور والعتمة. وعلى الفور يتذكر المرء ما قاله ابو عبدالله محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي، ابن بطوطة، جواب الآفاق العظيم عن داخل قبة الصخرة: «الدائر بها مفروش بالرخام ايضا محكم الصنعة وكذلك داخلها، وفي ظاهرها وباطنها من انواع الزواقة ورائق الصنعة ما يعجز الواصف، واكثر ذلك مغشى بالذهب، فهي تتلألأ نورا وتلمع لمعان البرق». ألا ما ألطف عبارة هذا الرحالة الذي لقبه المستشرق دوزى بلقب «الرحالة الامين» وما احسن تخلصه وما اظرف اسلوبه في سرده اخباره! ما تصافحه عيناك للوهلة الاولى في داخل القبة هو نسيج بالغ الثراء وحلقة ملونة تتداخل فيها العتمة الخفيفة مع الفسيفساء والرخام والسجاد والبسط والنور المترقرق خفيفا، خفيفا، كأنه انامل تمس الروح والقلب، وهذه الحلقة تلتف حول اسطوانة مركزية من النور المنهل من نوافذ خفية لكأنها تحلق عالياً إلى رقبة القبة كطيور سحرية لا اعشاش لها الا في الاساطير ويستقر النور في الاخير على الشكل غير المنتظم للحجر الذي تأخذ العتمة بأكنافه. وسواء أكان هذا النور مصدره تلك النوافذ العجيبة ام الشموع فانه يظل نوعا مختلفا من الانوار ينأى عن وفق النور في الخارج او عن اضواء المصابيح الكهربية. ذلك ان ضوء الخارج المتحرك حركة وئيدة يتم ترشيحه عبر تراكيب الزجاج المعشق بينما نور الشموع والقناديل يخفق كأنه نبضات قلب تتباين قوة وضعفا وارتعاشا وثباتا. وما من حاجة بك الى طويل تأمل لكي تدرك ان مغزى هذه الحلقة الهائلة التي تدور حول المركز الذي يتم التشديد عليه بعنفوان واقتدار هو الايحاء بادراك وفهم فوريين لفضاء المبنى في كليته مع تركيز واضح على المنتصف وتناسق مطلق على وجه التقريب بين المناطق المحيطة به. ولئن كانت هناك حركة فانها لا يمكن الا ان تكون حركة طواف دائرية اجبارية او تكاد، ولكن مع ملاحظة انه لا وجود لمكان تبدأ منه هذه الحركة او تنتهي اليه. ولا يتردد اوليج جرابار في كتابه عن قبة الصخرة في الاعراب عن اعتقاده بأن ثمة تناقضا بين الجذب من كل الجوانب نحو الصخرة المستقرة في المنتصف وبين الدعوة المعتدلة، وان لم تكن الزاما الى الدوران حول الصخرة. وهو تناقص يرى انه تقويه التعديلات المدخلة على المقاييس الدقيقة لمسقط المبنى وارتفاعه، حيث ان دعائم البناء وخاصة الاعمدة مقامة على بعد بوصة او سنتيمترات قلائل من مكانها المتوقع بحيث ان كل مجال بصري رأسي ـ الممرات المثمنة والدائرية ـ يظهر مرتين في كل جزء من البناء، بوضوح من خلال اي موقع يتخذه الرائي. ـ ثانيا ـ لابد لنا ان نلاحظ انه ـ في نهاية المطاف ـ تجتذب نظرة الرائي من الداخل الى خارج المبنى عبر احد الابواب، وهكذا فانه الى جوار تلك الدعوة التي هي اقرب الى الغواية للدوران فيما يشبه الطواف حول المركز، هناك ادراك لكلية المبنى باعتباره تواليا للمجالات الرأسية، التي تشبه العناصر القائمة طوليا في خشبة المسرح، التي تخلق ايهاما بالنظر عبر فراغ الى العالم الخارجي. ـ ثالثا ـ هناك مجموعة ثالثة من الانطباعات يعطيها داخل المبنى، ومصدرها ذلك الكيان من الاشارات الذي تعطيه الزخرفة، وخاصة على نحو ما تطل في الفسيفساء، فهناك حزام الرقش الطويل على الممر المثمن ومن غير المحتمل ان الناظرين او الرائين سيمدون رقابهم ويدورون مرتين حول المثمن ليقرأوا ما كتب عاليا هناك بالتتابع من البداية عند الطرف الجنوبي للمبنى ويشير جرايار هنا الى ان من المحتمل ان هذا الرقش وضع في مكانه العالي ذاك كنوع من الخيط البصري ليضم الفراغ ويحتويه وان محتوياته اريد بها ان تحدد شكل المبنى اكثر مما اريد بها الدعوة الى القراءة والاحاطة بالمضمون او الفحوص. لكن الا تقودنا هذه المجموعة الثالثة من الانطباعات، بالضبط، الى حيث نريد؟ ألا تمضي بنا الى التساؤل حول طبيعة الرسالة الجمالية لقبة الصخرة؟ ألا تطالبنا بمحاولة تفكيك عناصر هذه الرسالة الجمالية وادراك جوهرها الذي يبدو للبعض ملتبسا وملتفا بعباءة من غموض؟ قبل ان نتطرق الى المحاولة الصعبة والشاقة والممتعة في آن لفتح مغاليق الرسالة الجمالية لقبة الصخرة وفهم رموزها واشاراتها ربما يتعين علينا ان نلاحظ مع دومنيك كليفنو مدى الثراء الهائل الذي تتسم به زخارف هذا الصرح الاسلامي المدهش، وان هذا الثراء ينعكس ـ على حد تعبيرها ـ لا في ما ينقله لنا من مدركات بصرية وانما ايضا فيما يورد من ايماءات تستهدف ايضاح المعنى المراد والمقصود. هذه الملاحظة عن الثراء الهائل لزخرفة قبة الصخرة ستقودنا الى ان نتأمل بعدين محددين من دون ان نتوقف عندهما طويلا، لنعمد بعد ذلك الى التناول المباشر للرسالة الجمالية، وهذان البعدان هما: أـ معالجة السطوح الخارجية: تعد معالجة السطوح الخارجية لقبة الصخرة مثالا بديعا للطريقة التي يمكن بها تجاور الطبيعة الصلدة لبناء ما على الصعيد البصري بنجاح يكاد يكون كاملا على وجه التقريب. وعلى الرغم من ان الفسيفساء الاصلية قد احلت محلها في القرن السادس عشر الميلادي رقاقات مزججة فان توزيع الانواع المختلفة من الزخرفة ظل على حاله، فالجزء الاسفل من الواجهة الخارجية تم تلبيسه بالرخام الابيض المزخرف بمؤثرات التسطير البديع، بينما تمت تكسية الجزء الاعلى بالرقاقات المزججة، فتحول الى مساحة لونية يغلب عليها ظل الزرقة، والتي تتواصل الى ما يتجاوز الانكسار المحدد بالحاجز وصولا الى الوجه الخارجي لرقبة القبة وتعلو الرقبة شامخة القبة التي كانت مكسوة بالنحاس، ولكنها غدت اليوم مكسوة بالذهب المتألق الذي يعكس اشعة الشمس من بعيد. وهذا الانقسام الى ثلاثة نطاقات لونية، هي الابيض والازرق والذهبي وهو مالا ينطبق تمام الانطباق مع الانقسام المعماري، يحقق التأثير البصري المتمثل في تحرير الصرح من قوانين الجاذبية، فالجزء الاسفل من الجدار يشكل استمرارية لونية للمحيط بالمبنى والمنطقة الزرقاء العليا تعكس السماء كأنها صقال مرآة وهذا التقسيم يعطي انطباعا بأن نوعا من الافق المعماري يعترض الصرح، الامر الذي من شأنه ان يجعله يتوحد مع ماهو محيط به. وهذه الظاهرة يمكن كذلك ان تأخذ معنى رمزيا اذا اعتبرنا ان هذا التقسيم هو تقسيم كوزمولوجي، يفرز ثلاثة مستويات هي الارض والسماء والمجال الرباني كلى الحضور. ب ـ الاهتمام الاقصى من نصيب الزخرفة الداخلية: ربما يرجع هذا الاهتمام في المقام الاول الى ان الزخرفة الداخلية تعكس ثراء مميزا في عناصرها وتعكس جمعا مميزا بين الاساليب الفنية المستخدمة في التنفيذ ابتداء بتلبيس الرخام مروراً بتطعيم الحجر وتقوير الخشب وترقيس لوحات التأريخ البرونزية والنحاسية وليس انتهاء بحشوات الخزف ولوحات الفسيفساء. وتستوقفنا بصفة خاصة في الزخرفة الداخلية حشود اللوحات الفسيفسائية المنفذة باسلوب بيزنطي يقوم على التجميع الدقيق والمترف لمكعبات زجاجية صغيرة ملونة او مذهبة يمكننا ان نعثر بينها على شرائح من عرق اللؤلؤ وعلى جواهر اصلية لا موضع للتشكيك في قيمتها وتتطابق المساحات المكسوة بالفسيفساء مع العقود والتوشيحات او الكوشات او البندلات ـ سمها ماتشاء ـ الخاصة بكل وجه من وجهي الممرات، والمقصود على وجه الدقة الممر الذي يقسم مساحة الطواف الى مسارين والممر الدائري الذي يحيط بالصخرة مباشرة وكذلك الوجه الداخلي لرقبة القبة. والمؤثرات والاساليب الفنية المستخدمة في التنفيذ مستمدة في المقام الاول من الفن البيزنطي، ولكن مع سمة مميزة لا تخطئها العين هي غياب التصوير التشبيهي، بل التصوير اطلاقا، للاشكال البشرية والحيوانية وهناك بالطبع مؤثرات نباتية واقعية احيانا ومؤسلبة في احيان اخرى في مقدمتها النخيل، شجرة الحياة، الباقات، التجميعات المزهرية والاشكال التوريقية وغير ذلك تثير فضلا عن المؤثرات المستوحاة من الحلى كالقلائد، المشابك، الثريات، التيجان وغيرها من الاشكال التي عرفت تقليديا بـ «الكنوز» والتي سنعرض للغز الذي تمثله لمؤرخي الفن لاحقا. لكن الا ينقلنا هذان البعدان الى التساؤل عن جوهر الرسالة الجمالية لقبة الصخرة؟ من منظور اوليج جرابار ان هذه الرسالة الجمالية الاصلية كانت ـ ولاتزال ـ تنقسم الى قسمين محددين: ـ القسم الاول: قوام هذا القسم من الرسالة الجمالية لقبة الصخرة هو اننا حيال فضاء يجري تكريمه والتعظيم من شأنه عن طريق صرح يقوم مخططه على التركيز على مركزه، وهذا الفضاء هو في جانب منه ذلك الذي تختاره جدران البناء نفسه، اضافة الى كل الفضاءات التي تتأثر بالحضور الشامخ للقبة من جبل الزيتون الى كنيسة القبر المقدس. ومن المحقق ان الطابع المميز لقبة الصخرة، بما في ذلك ارتفاعها الشاهق وزخرفتها الخارجية، يمد قيمه الى المنطقة بأسرها. وتساهم تفاصيل الزخرفة بما في ذلك الجواهر والاشجار والرقش كلها في التعبير عن مفهومي الاحتفاء والتوفير ويستمد جانب مثير للاهتمام من هذا القسم من الرسالة الجمالية لقبة الصخرة من الحقيقة القائلة ان اشكال المبنى لا تفرض وظيفة بعينها ولا طريقة للسلوك ذلك ان هذا المبنى الفريد يفترض به ان «يكون» شيئاً، لا ان «يفعل» شيئاً. ـ القسم الثاني: قوام هذا القسم هو النسيج الدافئ والمترف الذي يخاطب الحواس، بل ان التفاصيل الدقيقة في الابداع في غمار عملية التنفيذ لزخارف السطوح الداخلية والخارجية، مثل تثبيت مكعبات عرق اللؤلؤ والمكعبات الذهبية بزاوية ميل قليلة لابراز الموضوعات التي تصورها، كل ذلك من شأنه ان يذهل الزائرين ويخطف ابصارهم ويرتحل بهم طويلاً في مناخ مختلف اشد الاختلاف عن العالم المحيط بهم. ومن المحقق انه اذا دخل سائح اجنبي معاصر هذا المبنى، فإن اول ما سيحس بغيابه عنه هو الهدف المحدد او القصد من بناء القبة، فمن وجهة نظره ليست هناك بقعة مقدسة او شيء محدد يتم قبوله بشكل عام كبؤرة للاهتمام، وليست هناك علامة محددة ترتبط بهوية الجماعة التي ينتمي اليها المبنى، وربما كان ذلك راجعاً الى انه وقت تشييد القبة والقرون التي اعقبته كانت الاشكال مشمونة بمعان تقل عن مستوى تقبل الجماعة كتعبيرات عن المقدس، ولهذا السبب فإن المبنى لم يتغير الا تغيراً محدوداً للغاية، بينما اجتذب العديد من عناصر الارتباط المختلفة. وفي هذا الصدد، فإن القبة لا يمكن الا ان تكون مبنى اسلامياً بامتياز، حيث ان اجماع الامة هو الذي يحدد هوية عمل معماري بعينه، وليس مجموعة من الاشكال ترتبط بهذا المبنى. وهناك سببان هما اللذان جعلا من الممكن ان يتم في اواخر القرن السابع الميلادي، وهو قرن ارتبط في التاريخ الانساني بالحماس الديني وبالصدامات العقيدية، بناء صرح مقدس حقاً، ولكنه غير محدد في طبيعة قداسته هذه وجوهرها: ـ السبب الاول هو الفن الكلاسيكي المتأخر في شرقي المتوسط تمكن من ان يقدم ثروة مذهلة حقاً من الاشكال الجميلة الصالحة لخدمة جميع الأغراض بالقدر ذاته من الكفاءة والاقتدار. ـ السبب الثاني هو ان الكعبة المشرفة كانت المرجع الوحيد لمبنى مقدس ينعقد عليه الاجماع في الماضي العربي الذي تنهل منه ذاكرة المسلمين الاوائل، وهي شكل هندسي بسيط لا يعدو ان يكون مكعباً بدرجة او بأخرى مليء بكنوز شتى في زمن الجاهلية، واودعت به غنائم مختارة من الاراضي التي فتحها الله على المسلمين في اول عهدهم بالاندياح الى خارج شبه الجزيرة العربية حاملين راية التوحيد، تكسى من الخارج كل عام بكسوة متعددة الالوان، وهي مكان رفعت قواعده ليرى ويلمس ويطاف حوله، بأكثر مما شيد لدخوله، وعلى مهل تكاملت الذكريات القدسية والتاريخية التي تحيط به. وربما لم يقدر لمن شيدوا القبة وزخرفوها، ومن المحقق انهم كانوا ابرع معماريي شرق المتوسط، ان يشدوا الرحال الى مكة قط، ولكن صورة شفهية دقيقة رويت لهم، وتوافرت لهم امكانات وتقنية اكثر تركيباً وتعقيداً في ميدان العمارة والزخرفة، وبها منحوا روحاً وجسداً للوصف الشفهي الذي قدمه لهم رعاتهم. اياً كان الامر فإننا عند هذا المنعطف نجد انفسنا امام جهد ينبغي القيام به لفهم ابرز المعطيات الزخرفية في هذا الصرح العبقري الفريد. الفسيفساء ولغز «الكنوز» يوجز دكتور ثروت عكاشة ابداع الفسيفساء في قبة الصخرة بكلمات قصار تختزل عالماً بأسره، فيقول في كتابه «القيم الجمالية في العمارة الاسلامية» انه: «تعد لوحات الفسيفساء التي تزين المبنى من روائع ما صور من لوحات الفسيفساء الاسلامية، وهي تعكس ألواناً متنوعة من الاشجار كالزيتون والليمون والرمان وتكوينات تجريدية غريبة من الزهور المنسقة في اوانيها». هذا الوصف يعادل إلقاء نظرة على قطرات ماء في مختبر للخروج بصورة ما عن المحيط غير اننا لسنا بين يدي الانطلاق بالقارئ لخوض عباب هذا الازرق المجهول حرفياً ورمزاً، ومن هنا فإننا سنكتفي بالتعرض للمشكلة التي تعرف تقليدياً في تاريخ الفن الاسلامي باسم «مشكلة الكنوز». الحق انه كما قال د. عكاشة لا حدود لروعة اللوحات الفسيفسائية العديدة في قبة الصخرة، غير انها تضم اشكالاً شتى غير الاشجار والزهور التي اشار اليها، ومنها ألوان الحلي والتحف التي تدعى بالجواهر او الكنوز، وجميع مكونات هذه اللوحات، باستثناء الجواهر او الكنوز، هي من العناصر الزخرفية المألوفة ومغزاها سبق تحليله مرات عديدة في دراسات فنون اواخر القرن السابع الميلادي. فماذا اذن عن الجواهر او الكنوز؟ ما هو مغزاها حقاً؟ وبأي معنى تساعدنا على فهم معنى القبة؟ وعلى اي نحو تشارك في تكريس جماليات هذا الصرح المعماري الاسلامي الفريد؟ التعامل الصحيح مع علامات الاستفهام هذه لابد ان يبدأ بايضاح اننا هنا لسنا بين يدي القاء الضوء على ما بقي من جواهر وقطع عرق اللؤلؤ التي تتألق في جذوع الاشجار والفاكهة والورود والحلي القرنية التي تنتمي الى مخطط زخرفي خالص، وانما مناط اهتمامنا تلك الحلي والجواهر والكنوز التي يتزين ويتجمل بها كالتيجان والاساور والاقراط والقلائد والدروع. اذا استقر ما تقدم، فإن المجال ينفسح رحباً لبعض الملاحظات التي نراها على جانب كبير من الأهمية في هذا الصدد: أ- الملاحظة الاولى التي تخطر على البال هي ان الحلي او الجواهر او الكنوز، او اياً كان الاسم او الوصف الذي تؤثر اطلاقه عليها لا تنتشر في ارجاء قبة الصخرة بأسرها، وانما ظهورها ينحصر كلية تقريباً في الوجه الداخلي للممر المثمن وقد اشير في معرض تبرير ذلك الى ان من شأن هذه الزخرفة ان تبدو اكثر تألقاً في مواجهة الضوء غير انه ينبغي ان يشار هنا بجلاء الى ان الفارق بين هذا الجزء من الزخرفة الفسيفسائية وباقي لوحات الفسيفساء لا يكمن في استخدام المؤثر الشبيه بالحلي وانما في نوعية الحلي نفسها، ولو ان التأثير المراد والمنشود كان تأثيراً شكلياً خالصاً لاستخدمت قطع الجواهر وعرق اللؤلؤ على قدم المساواة هنا كما استخدمت في سائر ارجاء القبة، ومن هنا فإن من الاولى ان يشار الى ان هذه التيجان والاساور والقلائد وغيرها من الزخارف المماثلة انما قصد بها المعنى توضع موضع الاختلاف والمفارقة مع الزخارف الشبيهة بالجواهر التي تمتد في مختلف ارجاء القبة. ب- الملاحظة الثانية التي تخطر على البال وترد على الذهن، بعد سابقتها، هي ان هذه الحلي على الرغم من انها في معظم الحالات تم ادراجها بنجاح في الاساس النباتي للاطار الكلي للمشروع الزخرفي، الا انها تظل على الرغم من ذلك قابلة للتعرف عليها وتمييزها عما يمكن ان يتداخل معها ويختلط بها، حيث نجد اما تيجاناً ذات احجار كريمة ترصعها وتتدلى منها وتعلوها في كثير من الاحيان اشكال مثلثية او بيضاوية او مقوسة، وانما تيجاناً تعلوها اجنحة وهلال، وهناك ايضاً العديد من الدروع والقلائد والمشابك والاقراط، وجميعها تقريباً مرصعة بالاحجار الكريمة، اما بالتثبيت فيها او بالتدلي منها، وهذه الحلي جميعها يمكن تعرفها وتحديد هويتها بحسبانها حلياً ملكية او امبراطورية تعود للامراء البيزنطيين والفرس مع وفرة ما ينتمي للبيزنطيين، وقد اظهرت دراسات اختصاصية ان هذه الحلي جميعها، وبدرجات متفاوتة وعلى انحاء متباينة، هي رموز للقداسة والسلطة والسيادة في الفن الرسمي للامبراطوريتين البيزنطية والفارسية وبتعبير آخر فإن زخرفة قبة الصخرة تشهد استخداماً واعياً (بسبب الموضع من المبنى على نحو ما رأينا حالاً) من قبل مبدعي الزخرفة في هذا الصرح الاسلامي لتجليات الرموز التي تنتمي للاعداء الذين اخضعتهم الدولة الاسلامية الفتية الناشئة او الذين لا تزال تخوض معهم غمار صراع لابد له من ان ينتهي باخضاعهم. ثلاث اضاءات للرقش تتسم قبة الصخرة بالثراء البالغ، وغير المألوف، في استخدام الرقش او الخط او الكتابة، اياً كان التعبير الذي تؤثره وهناك ثلاث مساحات من الامتدادات الكتابية لا موضع للشك في اصالة انتمائها الى العهد الاموي، اولها يبلغ طولها 240 متراً وهي تعلو عقود الممر المثمن الداخلي على الوجهين كليهما. وباستثناء الموضع الشهير الذي احل الخليفة المأمون اسمه محل عبدالملك، فإن هذا الامتداد من الرقش متزامن في ابداعه مع البناء نفسه. اما الامتدادان الآخران من الرقش فنجدهما على اللوحتين النحاسيتين الموجودتين على البوابتين الشرقية والشمالية، وهما بدورهما تعرضا للعبث بهما خلال العهد العباسي، لكن الابحاث الاختصاصية تؤكد انهما بدورهما ينبغي اعتبار انهما عائدتان للأصل الأموي. وتورد المصادر العربية قائمة كاملة بالكتابات الموجودة في المبنى، كما نجد في دراسة اوليج جرابار ثبتاً دقيقاً بها عبر ارقام السور والآيات الكريمة وذلك في كتاب «الفن والعمارة الاسلاميان المبكران» من تحرير جوناثان بلوم، وبالتالي لا مجال لتكرار هذا الاثبات هنا، ويكفي ان نشير الى ثلاث نقاط مهمة يؤكدها مجمل هذا الابداع الزخرفي الخطي: 1- ان المبادئ الاساسية للدين الحنيف يتم تأكيدها والتشديد عليها بقوة على نحو ما سيحدث في اعداد لا حصر لها من الامتدادات الكتابية والرقشية في المساجد على امتداد دار الاسلام. 2- ان هذه المساحات الثلاث من الابداع الزخرفي الكتابي تشير الى المكانة الخاصة للرسول صلوات الله وسلامه عليه وأهمية بعثته بالرسالة للناس كافة وللخلق أجمعين. 3- ان آيات الذكر الحكيم التي تمتد عبر المساحات الثلاث تحدد بجلاء لا يعرف اللبس ولا الغموض وضع المسيح عيسى بن مريم وامه والرسل والانبياء الذين روى القرآن الكريم احسن القصص عنهم، حيث يشار الى ان المسيح نبي بعث بالرسالة الى قومه وانه بريء مما ألصقه به البعض من صفات وخلعه عليه من نعوت نفاها القرآن الكريم عنه نفياً قاطعاً وهذه الآيات الكريمة المستخدمة هنا ليست مما سنراه مألوفاً في الكتابات بالمساجد والابنية الدينية، ربما في تأكيد غير مباشر لكون القبة ستظل مبنى لا يعرف المثيل ولا النظير في تاريخ العمارة الاسلامية اما الآيات الكريمة المستخدمة في قبة الصخرة والتي ستغدو مألوفة في المساجد على امتداد دار الاسلام فإنها هنا ان لم تكن تستخدم للمرة الاولى فهي على الاقل توظف زخرفياً لتكريس جماليات المكان في هذا المبنى الاسلامي الفريد في وقت لم تكن فيه هذه الممارسة شيئاً مألوفاً ولا معتاداً بعد. ومن خلال هذه الآيات الكريمة فإن الرقش يحمل نتيجتين ضمنيتين للاستخدام المعماري والجمالي، اولاهما الدعوة الى ادراك الجوهر الحق للاسلام باعتباره «الدين» ـ بالمعنى المطلق ـ عند الله، وبحسبان الرسالة التي حملت مبادئه هي الرسالة الخاتم للناس كافة وللبشر اجمعين في كل زمان ومكان، وثانيتهما التأكيد على قوة الدين الجديد وسموه وتعاليه ومعه الدولة الفتية الناشئة التي تقوم استناداً اليه وتحمل رسالته الى آفاق الدنيا بأسرها. ونقول، والله من وراء القصد، لئن اغتربنا عن المعنى الصحيح فكريم آي الذكر الحكيم درب عودتنا الى الحق والصواب ورحم الله الغزالي الذي تقرأ له قوله: «الغربة ثلاثة، غربة عن الاوطان من اجل حقيقة القصد، وغربة عن الاحوال من حقيقة التفرد بالاحوال، وغربة عن الحق من حقيقة الدهش عن المعرفة».