الجمعة 24 رمضان 1423 هـ الموافق 29 نوفمبر 2002 من الأساليب البليغة الحكيمة التى اتبعتها سورة «الأنعام» فى تسلية النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفى تثبيت قلوب أتباعه على الحق: إخبارهم بأن مرضى القلوب يميل بعضهم إلى بعض، وأن الشياطين من الجن والانس يتحالفون فيما بينهم على الباطل وعلى كل ما هو منكر وقبيح... ومن الآيات التى وردت فى سورة «الأنعام» لتأكيد هذه الحقيقة قوله ـ تعالى ـ: «ويوم يحشرهم جميعا، يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس، وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض، وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا، قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله، إن ربك حكيم عليم. وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون.....» [الآيتان 128. 129] ولفظ «المعشر» معناه الجماعة التى اجتمعت على أمر معين قد يكون خيرا وقد يكون شرا. والمعنى: واذكر ـ أيها الرسول الكريم وليتذكر معك كل عاقل ـ يوم نجمع الضالين والمضلين جميعا من الإنس ومن الجن فنقول للمضلين لغيرهم من الجن: «قد استكثرتم من الإنس» أى: قد أكثرتم من اغوائكم الإنس ومن إضلالكم إياهم، أو قد أكثرتم منهم بأن جعلتموهم أتباعكم، وزينتم لهم المعاصى والسيئات حتى غررتموهم وأوردتموهم هذا المصير الأليم من العذاب. ووجه ـ سبحانه ـ الخطاب إلى جماعة الجن، لأنهم هم الأصل فى إضلال أتباعهم من الإنس، ولأنهم هم السبب فى صدهم عن السير فى الطريق المستقيم. والمقصود من توجيه الخطاب إليهم: توبيخهم وتقريعهم على ما كان يصدر منهم من إغواء الغافلين من الإنس. وهنا يقص علينا القرآن الكريم رد الضالين من الإنس على هذا التوبيخ والتقريع فيقول: «وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا» أى: وقال الذين أطاعوهم وانقادوا لهم من الإنس: يا ربنا لقد استمتع بعضنا ببعض، أى: انتفع الإنس بالجن وانتفع الجن بالإنس، أما انتفاع الإنس بالجن فمن مظاهره: أن الجن زينوا للإنس الشهوات فوقعوا فيها بشراهة وسوء نية، وأما انتفاع الجن بالإنس فمن مظاهره: أن الإنس أطاعوهم واستجابوا لوسوستهم، وصاروا أشبه مايكون بالخدم لهم.. وقال الحسن: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت، وأن الإنس أطاعت، فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت، والإنس بوسوستهم تمتعوا بإيثار الشهوات العاجلة على اللذات الآجلة. وقيل: استمتاع الإنس بالجن هو ماكانوا يلقون إليهم من الأراجيف ومن السحر ومن الكهانة، واستمتاع الجن بالإنس هو طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من المعاصى فصاروا كالرؤساء لهم. والذى ترتاح له النفس أن استمتاع بعضهم ببعض يتناول كل ذلك، حيث انتفع كل فريق بالفريق الآخر باللذات العاجلة، وبالشهوات المردية، التى جعلتهم جميعا وقود جنهم وبئس المصير. وقولهم هذا هو تحسر منهم على حالهم، إذ قالوه اعترافا بما فعلوه من طاعة للشياطين، ومن اتباع لمن طغوا وآثاروا الحياة الدنيا. وإنما قال الأتباع من الإنس هذا القول مع أن الخطاب موجه إلى المتبوعين من شياطين الجن، للإيذان بأن شياطين الجن قد أفحموا وعجزت ألسنتهم عن الاجابة. ثم اتبع الضالون من الإنس تحسرهم هذا بتحسر آخر أشد فقالوا: «وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا» أى: وقالوا ـ أيضا ـ يا ربنا لقد استمتع بعضنا ببعض فى الدنيا عن طريق الشهوات المحرمة، وها نحن جميعا بعد هذا الاستمتاع قد وصلنا إلى نهاية الوقت الذى حددته لنا للحساب وهو يوم القيامة، ونحن الآن فى أقبح صورة، وفى أسوأ عيش، وفى حالة شديدة من البؤس وسوء العاقبة. وهنا يأتيهم من خالقهم الرد الحاسم، والحكم النافذ، حيث يقول ـ سبحانه ـ لهم: «النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله، إن ربك حكيم عليم». ولفظ «مثواكم» معناه: الإقامة الدائمة، والاستقرار الباقى. يقال ثوى فلان بمكان كذا، إذا أقام بدار به إقامة دائمة، واستقر به استقرارا طويلا. والمعنى: قال الله ـ تعالى ـ لهؤلاء الظالمين المعترفين على أنفسهم بارتكاب الموبقات والمنكرات: النار محل اقامتكم الدائمة، فأنتم فيها خالدون فى كل وقت، إلا فى وقت مشيئة الله ـ تعالى ـ بغير ذلك، لأن الأمور كلها متروكة إليه، وخاضعة لمشيئته، إنه ـ سبحانه ـ حكيم فى جميع تصرفاته، عليم بأحوال خلقه، وبما يستحقونه من ثواب أو عقاب. ثم يعقب ـ سبحانه ـ على هذا الاستمتاع المتبادل بين الضالين والمضلين من الجن والانس فيقول: «وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون». ولفظ «نولى» من الولاية بمعنى القرابة والنصرة والمحالفة وما إلى ذلك من أنواع الاتصال. والمعنى: ومثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم لما بينهم من التناسب والمشاكلة، نولى بعض الظالمين من الإنس بعضا آخر منهم، بأن نجعلهم يزينون لهم السيئات، ويؤثرون فيهم بالإغواء، بسبب ما كانوا مستمرين على اكتسابه من الكفر والمعاصى. أما المؤمنون الصادقون فيتعاونون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان ونسأل الله ـ تعالى ـ أن يجعلنا جميعا منهم.