الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 أخرج الديلمى فى الفردوس، والسيوطى فى جمع الجوامع، وابن كثير فى الكافى الشافى فى تخريج احاديث الكشاف، والعجلونى فى كشف الخفاء، كما روى القرطبى فى تفسيره حديثا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم). يقول فيه: «إن الله أنزل أربع بركات من السماء الى الأرض: الحديد والنار والماء والملح» وعلى الرغم من وجود ضعف فى اسناد الحديث الا ان به سبقا علميا معجزا، والذين سمعوا هذا الحديث الشريف فهموا انزال كل من النار، والماء، والملح من السماء الى الأرض، ولكنهم لم يستطيعوا فى زمانهم استيعاب فكرة إنزال الحديد من السماء الى الأرض، على الرغم من وجود اشارة واضحة اليها فى كتاب الله حيث يقول (عز من قائل): «... وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس...» (الحديد: 25)، وعلى ذلك فان اغلب الذين تعرضوا لشرح كل من هذه الآية القرآنية الكريمة، والحديث النبوى الشريف فسروا (الإنزال) بأنه استعارة لخلق وإيجاد عنصر الحديد. ولكن فى العقود المتأخرة من القرن العشرين اتجه علماء الفلك والفيزياء الفلكية الى دراسة التركيب الكيميائى للجزء المدرك من الكون ففوجئوا بأن العنصر الغالب فيه هو غاز الأيدروجين (أخف العناصر، وأبسطها بناء) الذى يكون اكثر من 74% من مادة الكون المنظور، ويليه فى الكثرة غاز الهيليوم (العنصر الثانى فى الجدول الدورى للعناصر) والذى يكون 24% من مادة الكون المنظور، وان باقى العناصر التى تعرف عليها الانسان والتى يقدر عددها اليوم بمائة وخمسة عناصر تكون اقل من 2% من مادة الكون المنظور. هذه الملاحظة ادت الى الاستنتاج المنطقى ان كافة العناصر المعروفة لنا قد خلقت من غاز الأيدروجين بتكثفه على ذاته، واتحاد نوى ذراته مع بعضها البعض. وبالنظر فى الشمس ثبت ان وقودها هو غاز الايدروجين الذى تتحد نوى ذراته مع بعضها البعض لتكون نوى ذرات الهيليوم، وتنطلق الطاقة الهائلة التى أعطت لب الشمس حرارة تقدر بحوالى 15 مليون درجة مئوية. ولسطحها ستة آلاف درجة مئوية، ولألسنة اللهب المندفعة من داخلها حوالى المليون درجة مئوية، وثبت ايضا ان عملية الاندماج النووى فى قلب الشمس لاتصل ابدا الى انتاج به عناصر ثقيلة فضلا عن انتاج الحديد، فلا يتكون فى داخل الشمس بهذه العملية سوى الهيليوم ونسب ضئيلة من العناصر القليلة التى تلى هذا الغاز فى الجدول الدورى للعناصر. وهنا برز التساؤل: من أين جاءت الكمية الهائلة من حديد الأرض؟ والتى تفوق ثلث كتلة الأرض المقدرة بحوالى ستة آلاف مليون مليون مليون طن (أى 6 10/18 35.9%= 2.154 10/18 طنا من الحديد)؟ بالدراسة المستفيضة ثبت ان النجوم تمر بمراحل عدة فى تاريخ حياتها منها مراحل تتوهج فيها توهجا شديدا فتعرف باسم المستعرات والمستعرات العظمى، وان درجة حرارة لب النجوم فى تلك المرحلة تتعدى عشرات البلايين من الدرجات المطلقة، وان لب هذه المستعرات والمستعرات العظمى هى الأماكن الوحيدة المعروفة لنا فى صفحة الجزء المدرك من الكون التى تتم فيها عملية الاندماج النووى حتى يتحول لب النجم بالكامل الى حديد، وبتحوله الى حديد يستهلك طاقة النجم بالكامل فينفجر وتتناثر أشلاوه فى صفحة الكون، وبذلك يصل الحديد الى عدد من إجرام السماء من مثل كوكب الأرض، تماما كما تصلنا نيازك الحديد اليوم. هذه الملاحظة الصحيحة قادت الى التصور الصحيح ان الأرض عند انفصالها عن الشمس (أو عن السحابة الكونية التى نشأت عنها مجموعتنا الشمسية) لم تكن سوى كومة من الرماد ليس فيها عناصر أعلى من الألومنيوم والسيليكون، ثم رجمت بوابل من النيازك الحديدية، والصخرية، والحديدية الصخرية، التى تحركت بحكم كثافتها الأعلى من كثافة الأرض الابتدائية (كومة الرماد) فتحركن الى مركز تلك الكومة حيث انصهرت بحرارة الاستقرار، وصهرت كومة الرماد، ومايزتها الى سبع ارضين: لب صلب (أغلبه الحديد 90%، والنيكل 9%، وعناصر اخرى 1%) ولب سائل (له نفس التركيب الكيميائى)، ثلاثة أوشحة متتالية تتناقص فيها نسبة الحديد من الداخل الى الخارج، ثم الجزء السفلى من الغلاف الصخرى للأرض، ويليه الى الخارج الجزء العلوى من الغلاف الصخرى للأرض (قشرة الأرض وبها 5.6% حديد). بهذه الملاحظات ثبت أن كل حديد الأرض قد أنزل اليها إنزالا حقيقيا من السماء تصديقا لما جاء فى كتاب الله، وفى هذا الحديث الذى نحن بصدده من أقوال رسول الله (صلى الله عليه وسلم).ولولا حديد الأرض ماكان لها هذا المجال المغناطيسى الذى يمسك بغلافيها الغازى والمائى، وبكافة صور الحياة على سطحها، ولو لم ينزل الحديد الى الأرض من السماء ماكانت الحياة، لأن الحديد يشكل جزءا مهما من المادة الحمراء فى دم الانسان، وفى دماء العديد من الحيوانات، كما يشكل جزءا مهما كذلك من المادة الخضراء والتى بدونها ماكانت النباتات. ويعجب الانسان من هذه الاشارة العلمية الدقيقة إلى إنزال الحديد الى الأرض من السماء فى كل من كتاب الله، وفى هذا الحديث من احاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من قبل الف وأربعمائة سنة، وهى حقيقة لم يتوصل اليها الانسان الا منذ عشرات قليلة من السنين، وهى شهادة حق على ان القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وان هذا النبى الخاتم (صلى الله عليه وسلم) كان موصولا بالوحى، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض. د. زغلول النجار