الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 من يمعن النظر في هذا الشهر الكريم يتجلى له فيه روح الأمان وترفرف على أيامه ولياليه راية الأمن والأمان، ففي لحظات الرسالة الأولى في ساعة اللقاء الأعظم، كان الروح الأمين جبريل عليه السلام يلقي في روع رسول الله للانسانية صلوات الله وسلامه عليه في مكان هادئ خال من ضجيج البشر وخلافاتهم باسم الله كلمة المعلم: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». فإن من كرم الله جلت قدرته ان خلق هذا الكائن المبدع، من علق وعلمه بالقلم مالم يعلم.. «وكان فضل الله عليك عظيماً». فكان تاريخ الإنسانية في ذلك الوقت يصحح مساره فيتوجه الاتجاه السليم وينقل بالإيمان الانسان من الضعف إلى القوة ومن الظلام إلى النور، يأخذ فيه للمظلوم من الظالم وللبريء من الآثم، ويملأ الدنيا عدلاً وانصافاً وسلما وسلاماً، وينعم العالم في ظلاله بليلة تعادل في موازين خالق الكون ألف شهر «سلام هي حتى مطلع الفجر». ففي هذا الشهر الميمون كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزداد صفاءً ونوراً ويشرق قلبه الكبير بالصفح الجميل على أهل مكة جميعاً فها هو يوم الفتح الأكبر «لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون». يتمنى على الله ان يتم دون اراقة دماء، فيوصي فينطلق مناديه من مركز القوة الايمانية الظافرة أبداً: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن». فعم الأمان كل مكان.. فتستمع مكة وشعابها وهي لا تدري أتعجب بالعفو ساعة المقدرة أم بصاحبه، أتعجب بالعفو ينطلق صافياً رخاءً، يشمل البار والفاجر الطائع والغادر، المؤمن والكافر، أم يزداد اعجابها بتلك الشخصية الفذة التي لم تتزحزح عن فضلها وتميل به إلى الثأر والانتقام في لحظة شدة أو ساعة خطر، حقاً «وإنك لعلى خلق عظيم». ولعل ما يثير العجب ان هذا المشهد ما يكاد يبلغ نهايته حتى يحاول رجل من رجالات مكة هو: فضالة بن عمير ان يبدد هذا الأمن والأمان الذي اضفاه قدوم موكب النصر بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربوع مكة لعشر مضين من رمضان، من السنة الثامنة من الهجرة النبوية الشريفة. وذلك باغتيال حياته الطاهرة وان يحول مجرى التاريخ إلى أسوأ حال.. ويأبى الله إلا ان يتم نوره ولو كره الكافرون. وهكذا دائما تدبر الجرائم والمكائد الشخصية حينما يشعر الخصم بعجزه، وتضيق الفرصة أمامه حتى تكاد تضيع من يده، وتتفلت آثارها من تحت سيطرته، فلم يبق أمامه إلا الغدر والخيانة، يلقيها في وجه خصمه طالما ردت عليه خائبة خاسرة ـ حركة مذبوح. فكان هذا قصد فضالة ساعة الفتح الأعظم، فبينما بمعوث الرحمة صلوات الله وسلامه عليه يطوف بالبيت مع أصحابه شاكراً لله، هذا النصر السلمي وتلك العودة إلى الوطن سالما، إذا بفضالة هذا يستل سيفه من غمده يحاول اغتيال رسول الله في بيت الله، فتنزل اخبار السماء تخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بالمؤامرة فينادي فضالة من وسط القوم ويخاطبه «اتق الله يا فضالة بماذا تحدث به نفسك الآن»؟ وإذا بفضالة يبهت وتأخذه الدهشة كل مأخذ، ويجيب الرسول وهو يرتجف: لا شيء يا رسول الله، فتمتد يد النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، إلى قلب فضالة فتحوله من الظلام إلى النور من الباطل إلى الحق، فيقول بعد ان امتلأ ايمانا: «والله ما وضعت يدك على قلبي ثم انتزعتها إلا ولا أحد وجه الأرض أحب إليّ منك يا رسول الله». وهكذا يفعل داعية السلام ورسول رب الأنام، في القلوب ويترك أثره في الأرواح، وينقلب فضالة رضي الله عنه إلى شخصية أخرى فيعود إلى صاحبته «يقطر روعة» ممتلئ ايماناً وأمنا فيرتجل على الفور: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا يأبى عليك الله والإسلام لو ما رأيت محمداً وقبيله بالفتح يوم تكسر الأصنام لرأيت دين الله أضحى واضحاً والشرك يغشي وجهه الإظلام فبينما كان هذا يحدث والشعر الجزل ينشر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الأصنام فوق ظهر الكعبة وحولها، فقد آن الأوان بعد طوال السنين والأعوام ان تسكن العربدة من حولها وان تفارق الكعبة إلى الأبد، فيشير إليها صلوات الله وسلامه عليه بعصا في يده من بعيد فتقع الاصنام على ظهرها معلنة ان الملك لله وحده، وان العالم قد آن له ان يسوده السلام والوئام وان يتحرر من العبودية نابذاً القهر إلى غير رجعة وان يعود إليه عهد الأمان والاطمئنان، ولنذكر الأسوة الحسنة «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر». فما ينسى أحد موقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من أعدائه وخصومه وهم صرعى مجندلون، وكيف حدثهم حديثاً يفيض فيه قلبه الكبير، رقة وحنوا، وتتجلى فيه روح السلام والوئام، لينقل من عالمنا إلى عالمهم، بأسرع من انتقال حديث بعضنا البعض، فيكون الدليل القاطع على احترامه لحرية الرأي مهما لاقى في سبيله، إذ يقول مخاطباً صناديد قريش وقادتها: «يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة، واستمر يذكر من في القليب واحداً بعد واحد.. هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً». وهكذا كانت نوازع الرحمة لاتفارق قلبه الكبير، الذي كان يفيض بهذا العتاب المسالم الرقيق وهو في أوج نصره وعظيم قوته. فهل يدرك المسلمون انهم حين ينشدون السلام لا يفعلون ذلك عن ذلة أو ضعف إنما هم يستجيبون لصوت تاريخهم ومبادئ دينهم الغالية مؤمنين ان ذلك لا يثنيهم عن عزيمتهم إذا ما جد الجد ولم يبق إلا النضال طريقاً فيومئذ يكون الاحتكام إليه سبيلهم الذي لا سبيل غيره. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتى يفطر والامام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين. فلنستقبل شهرنا الفضيل فرحين مستبشرين واثقين بوعد الله الذي لا يتخلف «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون».