الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 أخذ موضوع الإرهاب اهتماما كبيرا من الكتاب والمفكرين في مختلف دول العالم وخاصة في الدول الإسلامية وذلك بسبب الهجمة الغربية الشرسة ضد أبناء هذه الدول على أساس أنهم وراء كل العمليات الإرهابية التي وقعت في بقاع شتى من العالم، ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الإرهاب بين الفرض والرفض في ميزان الإسلام» لمؤلفه الدكتور عبد الحي الفرماوي. في البداية حرص المؤلف على تعريف الإرهاب بأنه في اللغة هو حالة الإفزاع والإخافة، أما في الفكر المعاصر فقد تبلور في الأذهان بعد قيام الثورة الفرنسية وما رافقها من أعمال عنيفة ارتكبت بغية تصفية أعداء الثورة وإرهاب الآخرين للحيلولة دون محاولة التصدي لها، ولعل أقرب التعاريف للإرهاب في مفهوم الباحثين بشكل عام «أنه عبارة عن العمليات المادية أو المعنوية التي تحتوي نوعا من القهر للآخرين بغية تحقيق غاية معينة. في حين أن الأمر يختلف في النظرة الإسلامية للإرهاب فوفقا لمصادر التشريع الإسلامي نجد أن مفهوم الإرهاب واضح وصريح منذ نزول القرآن على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه لا إرهاب من مسلم لمسلم فردا كان أو جماعة وإنما الإرهاب لأعداء المسلمين، وأن الإسلام لا يعترف إلا بالأدوات البناءة كوسائل لإرهاب الأعداء حيث يقول الله تعالى «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم»، على ذلك فتعريف الإرهاب في المفهوم الإسلامي هو إفزاع الأعداء وتخويفهم والقاء الرعب في قلوبهم بإمتلاك أدوات التقدم والتفوق المادي والمعنوي، مما يساعد على عرض المبادئ ونشر الافكار دون تصد لأصحابها أو اعتداء عليهم. ست مرات وقد وردت في القرآن الكريم عدة الفاظ تدور معانيها من الناحية اللغوية حول مفهوم الإرهاب مثل الخوف وقد وردت مائة وثلاث وعشرون مرة ومن ذلك قوله تعالى «أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد»، وكذلك لفظه الرعب ووردت في القرآن خمس مرات، ومن ذلك قوله تعالي «وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو أطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا»، كما وردت لفظة الروع مرة واحدة في القرآن في حين وردت كلمة الفزع ست مرات وهي تدور في إطار مفهوم الرهبة والخوف، أما كلمة الرهبة فقد وردت ثماني مرات فقط منها ما جاء في السور المكية مثل قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد وإياي فارهبون »، ومنها ما ورد في السور المدنية مثل قوله تعالى «لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون». ويشير المؤلف إلى أن الإسلام يرفض الإرهاب الذي يستخدم أدوات هدامة أو الذي يتخذ صورا تخريبية للعباد أو للبلاد أو للأجسام أو للممتلكات الخاصة أو المرافق العامة، لأن هذه الادوات تهدم ولا تبني وتخيف ولا تؤمن وتفسد ولا تصلح ولذلك فهي محرمة في الإسلام على مستوى الفرد والجماعة، وقد وضع لها المشرع سبحانه وتعالى العقوبات المناسبة ليقطع دابرها من المجتمع الإسلامي، بل والمجتمع البشري كله تحقيقا للأمن وإشاعة للطمأنينة، ومن هذه الادوات الهدامة البغي وقد حرمه سبحانه ونهى عنه في قوله «ان الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، والطغيان وقد حرمه الله في قوله «فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا» وقد توعد الله الطاغين في قوله تعالى «ان جهنم كانت مرصادا، للطاغين مآبا». صور هدامة ولا تقتصر أدوات الإرهاب الهدامة على ذلك فهناك الظلم وقد توعد الله الظالمين بعذاب كبير في مثل قوله تعالى «ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا»، والعدوان وقد حرمه الإسلام حيثما كان كما في قوله تعالى «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين»، ومعنويا كما في قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين».. وهناك الخيانة كإحدى أدوات الإرهاب الهدامه وقد حرمها الإسلام كذلك في قوله تعالى: «وان الله لا يهدي كيد الخائنين»، والغدر والقتل، والسرقة،والحرابة، فالإسلام لا يبيح ذلك لأي سبب من الأسباب، بل يحارب كل هذه الوسائل والصور الهدامة السلبية المخزية ويضع في الوقت نفسه العلاج الناجع عن طريق العقوبات وغيرها لقطع دابرها من المجتمعات ووقاية الناس من أخطارها وشرورها. ويرى المؤلف إن الإسلام يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في تأمين الناس وطمأنتهم على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم صيانة لحقوقهم وجلبا لراحتهم ومساعدة على حسن إنتاجهم وتفوقهم وذلك حينما يحرم ترويع المسلم وإخافته وأن كان ذلك على سبيل المزاح، لما فيه من الإيذاء، ومن ذلك ما روى عن عامر بن ربيعه رضى الله عنه أن رجلا أخذ نعل رجل فغيبها وهو يمزح فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال عليه السلام «لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم»، ومن ذلك يتضح أن ترويع المسلم وإرهابه بأية صورة أو وسيلة من وسائل الإرهاب هي عمل محرم ومرفوض في نظر الإسلام لما فيه من إلحاق الأذي بالناس وإزعاجهم وقض مضاجعهم والحيولة بينهم وبين حسن أدائهم لرسالتهم في هذه الحياة. وينتقل المؤلف إلى نقطة أخرى مهمة وهي أنه إذا كان الإسلام يرفض الإرهاب في صوره المدمرة وبأدواته وأساليبه الهدامة، فلا يعني ذلك أنه يريد لأتباعه أن يعيشوا في خضوع أو في تبعية ومذلة في عالم قد تسوده أو تشيع فيه هذه الصور التي يحرمها والادوات التي ينفر منها اتباعه، وبالتالي تقل هيبتهم بين الامم وتتدنى منزلتهم في عالم لا يحترم إلا الأقوياء ولا يسمع إلا من الأغنياء، إنما يريد الإسلام لاتباعه أن يكونوا على القمة في كل شئ يعلى قدرهم ويساعدهم على تحقيق رسالتهم، فهو يريدهم أقوياء، أغنياء، على درجة عالية من العلم، وإمتلاك القوة التي تجعلهم مرهوبي الجانب أمام أعداء رسالتهم والمناوئين لها والمحاربين لنشرها وتبليعها للعالمين. القاهرة ـ مكتب «البيان»: