الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 من هو الأسبق الى الوجود البيضة أم الدجاجة؟ سؤال شهير تاريخيا كان السبب في ظهور مفهوم الجدل البيزنطي في العصور القديمة.. وفي عالم الحيوان هناك سؤال آخر يسبب جدلا شبيها بالجدل البيزنطي حول ماهية اللون الأساسي لحمار الوحش أو حمار الزرد المعروف باسم «زيبرا» أسود أم أبيض؟ بمعنى هل لون الحمار الأساسي هو الأبيض مع خطوط سوداء أم هو لون أسود مع خطوط بيضاء؟!! وفي الوقت الذي أشتد فيه الخلاف حول هذه المسألة فان علماء الحيوان قد أثبتوا أن حمير الزرد تختلف من حيث اللون فبعضها يملك خطوطا عريضة وبعضها بخطوط ضيقة وبعضها بلون مخطط بالأبيض والأسود والبعض باللون الأبيض والبني.. فقد كانت هناك اختلافات بنيوية فيما بينها.. وبالمناسبة فان خطوط الحمار الوحشي هي وسيلة تخف وتمويه فاعلة جدا فكلما زاد عدد الخطوط على جسم الحيوان قلت المسافة التي يمكن أن يبدو منها مندمجا مع القطيع دون أن يظهر منفردا في عين الحيوانات المفترسة.. ومثل هذا التضليل يتسبب في اضطراب نظري للمفترس ولمزيد من التوضيح فحين تشعر الحمر الوحشية بتهديد سبع مثلا فانها تتجمع حول بعضها وتتلاصق بحيث تنبهر عينا المفترس من التأثير البصري الناجم عن تكتلها.. وخطوط حمار الوحش مرتبة بطريقة تجعل الخطوط العريضة لجسم الحيوان وهو داخل القطيع تغيب تماما وهي الظاهرة التي تعرف علميا باسم التلون الأندماجي وبدلا من أن تقوم الخطوط البيضاء والسوداء باظهار معالم الجسم فانها تختلط وتنساب معا بشكل يترك في عيني الحيوان المفترس الناظر شكلا ضخما واحدا متكتلا لا معالم لحيوان يمكن افتراسه.. كما أن تنوع أنماط التخطيط على جسم الحمار الوحشي يربك المفترس ويمنعه من تقدير المسافة بينه وبين الفريسة حينما تكون بمفردها وبالتالي تكون واضحة أمام عينه ومما يزيد المسألة تعقيدا أمام المفترس أن هذه الحمير وهي متجمعه حول بعضها لا تبقى هادئة ساكنه بل تدأب على الاستمرار في الدوران حول بعضها على نحو يحول منظرها الى ما هو اشبه بخيوط متضاربة الألوان تدور وتتشابك وتلتف بشكل يمنعه من القيام بهجوم ناجح ومحسوب بدقة.. وأثبتت الأبحاث الحديثة أن هناك العديد من الخلايا العصبية في العين التي يثيرها هذا التقابل بين الخطوط البيضاء والسوداء وقد أوضح الباحثون أن الحمر الوحشية تجتذبها الخطوط البيضاء والسوداء أيضا وتسعى اليها بصورة نشطة الى حد أن لوحة لأحد الهواة تلفت نظرها وهذه السهولة في التعرف على هذه الخطوط تساعد القطيع في التجمع بسرعة ساعة الخطر لدى التعرض لأي هجوم.. ومن المفارقات العجيبة لخطوط الحمر الوحشية أنها لا تتشابه أبدا تماماً كالبصمات عند البشر!! وسواء كان حمار الوحش أبيض أم أسود فانه لم ينج من الابادة نتيجة اعتداءات الانسان عليه وبالأسلحة النارية فقطعان كبيرة من «خيول الشمس » كما كان يطلق عليه اعتادت الرعي في السهول الافريقية المعشبة كانت تصاد من الأفارقة وعلى كل حال لم يكن ذلك السبب المباشر في فناء حمار الزرد فالأفارقة كانوا يقدمون على اصطياد هذه الحيوانات وليس ابادتها الا أن الأبادة الحقيقية لهذا الحيوان لم تأت الا على يد أصحاب البشرة البيضاء القادمين من أوروبا مما أدى الى القضاء على مئات القطعان الضخمة منها بشكل كامل.. لقد كانت حمير الزرد معروفة في اوروبا منذ العصور القديمة فقد جاء الرومان ببعض أفرادها من أفريقيا وكانوا يطلقون عليها «نمور الخيل» كما أن البحارة البرتغاليين كانوا يحكون قصصا عديدة عن وجود خيول مخططة تعيش في أفريقيا.. ويتشابه حمار الوحش من حيث بنيته بالحمار العادي فهو ذو جسم اسطواني غليظ وعنق كتلي قصير وأذنان طويلتان وعرفها قصير وخشن الشعر وذيلها يشبه المكنسة.. وأفرز علماء الحيوان عدة أنواع من حمير الزرد وتمت تسمية الأنواع الجديدة منه بعد مجيء الرئيس الفرنسي جوليوس غريفي وليس ذلك لأن الرئيس كان عالم طبيعيات أو حتى هاو أو محب لحمار الزرد بل ان المسألة ببساطة لأن الرئيس استلم بمثابة هدية من امبراطور أثيوبيا حمار زرد لم يكن يشبهه أيا من الحمير المعروفة في أوروبا.. وبالتأكيد فان الرئيس الفرنسي لم يستخدم الحيوان «الهدية» بل قام باهدائه لحديقة الحيوانات ولكن المشكلة أن عمال الحديقة لم يعرفوا كيف يطعمون ويهتمون بالحمار الجديد لذلك فقد مات بعد مرور فترة قصيرة غير أن العلماء الفرنسيين درسوا الحمار الميت الذي برز فيما بعد في قائمة الحيوانات التي تعيش على سطح الأرض تحت اسم حمار زرد «غريفي» نسبة للرئيس الفرنسي.. وتتميز الأنواع الثلاثة المعروفة للحمر الوحشية حتى الأن بخصائص مميزة وأعتقد العلماء أن هذه الخصائص لا تميز الا الذكور منها أما الاناث فكانت تختلف كثيرا عن الذكور فهي تتميز بأذنين صغيرتين وذيل سميك وكثيف الشعر ونهيقها يشبه صهيل الخيل ، وهي ليست مخططة الا في الرأس والأعناق والأكتاف أما بقية جسمها فهو أسود.. ولقد مر وقت طويل قبل أن يعرف العلماء أن هذا الحيوان الضخم لم يكن أبدا أنثى لنوع معروف من حمار الوحش بل كان نوعا خاصا ومستقلا منه وكان يطلق عليه في افريقيا اسم «كواغا» وقد لفت هذا النوع انتباه علماء الحيوان كثيرا وكان هو أكثر الأنواع عددا وجمالا.. وقد أبيدت أفراد الكواغا بوحشية لا تصدق لأنها كانت تعيش في جنوب أفريقيا - المكان الذي أستوطنه الأوروبيون باكرا بالمقارنة مع الأماكن الأخرى من أفريقيا - ولم يكد علماء الحيوان يكتشفوا الكواغا حتى أبيد آخر حيوان منه.. وبعد أن قتلت آخر أفراد الكواغا الحرة لم يبق في حدائق الحيوان الا عدة أفراد منها غير أنها لم تعش طويلا هي الأخرى وفي عام 1882 مات آخر حيوان منها يعيش على سطح الأرض في حديقة حيوان أمستردام.. لقد أبيدت حيوانات الكواغا لكن الكارثة لم تتوقف عند هذا الحد فأشقاؤها من حمير الزرد من نوع «غريفي» و«بروتشل» استطاعت بالكاد أن تنجو من مصير مماثل.. ولم تكن حمير الزرد تعترض الناس حتى يكون ذلك مبررا لقتلها فهناك أمكنة واسعة وكافية في أفريقيا تتسع لكل من الانسان والحيوانات البرية على حد سواء الا أن المستعمرين أدركوا سهولة الحصول على غنائم حمار الزرد والمجالات التي يمكن الاستفادة فيها منه لدرجة أنهم راحوا يطعمون عمال الحقول الذين كانوا يعملون لديهم من لحمه ويستخدمون جلودها لحفظ الماء والحبوب.. ولقد قام البيض القادمون من أوروبا بالتخلص من هذه الحيوانات بشكل كامل ، فالمذبحة التي ارتكبوها بحق قطعانه لم تكن تشمل استخدام البنادق فقط بل قاموا بابتكار وسيلة جديدة لابادة حمار الوحش فقد كانوا يسوقون القطعان الى حافة جرف صخري عال ثم يدفع بها لتتحطم وتموت فوق الصخور القاسية في الأسفل!! في احدى اللقاءات التلفزيونية مع مصممة أزياء قالت بالحرف الواحد ان موضة «الزيبرا» تعتبر من الموديلات الخالدة فهي صالحة لكل زمان ولا يوجد من لا يعجب بها.. وعلى ما يبدو أن الزيبرا أو حمار الوحش سيبقى موضة للملابس فقط أما الحقيقة الواقعة فتقول انه سينتهي في يوم قريب دون شك!!