الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 الآن، بعد ان انتهينا من محاولة تحقيق الحد الأدنى من الوضوح بخصوص الموضوعات الأربعة الرئيسية للزخرفة الاسلامية في سياقها المسجدي، ينفتح الأفق أمامنا رحباً لكي ننطلق إلى دراسات الحالات التي ستقدم لنا فرصة رائعة لكي نضع موضع الاختبار ذلك الرصيد من المعرفة ليساعدنا على ان نخوض غمار تجارب جمالية حقيقية ونحن نرتحل متأملين مجموعة من الصروح المعمارية الاسلامية لعلها الاكثر بروزاً في تاريخ العمارة الاسلامية بأسره. لقد قمنا في اطار من التبسيط ولغرض الدراسة، بالاقتراب من كل موضوع من موضوعات الزخرفة الاسلامية وتأمله على حدة، ولكن هذا كله سيندمج ويستحيل إلى كل معرفي واحد، عندما نبحث صرحاً معمارياً بعينه حيث تتداخل فيه موضوعات الزخرفة وتتضافر وتتحاور، وعلينا ألا ننسى في كل الاحوال ان هدفنا هو ان نتفهم بأقصى حد ممكن من الوضوح كيف ساهمت هذه الزخارف في التحليق عالياً بجماليات المكان في هذه الصروح الخالدة التي سبق لنا ان رأينا ان مؤرخي الفن لم يترددوا في وصف بعضها بأنه البناء الاكثر جمالاً في التاريخ البشري بكامله. وإذا كان من الطبيعي والمنطقي والعقلي ان نبدأ دراسات الحالات هذه بمسجد قبة الصخرة فإن المصافحة الأولى مع هذا الصرح الإسلامي الخالد تفتح المجال ـ على الفور تقريبا ـ لخمسة أسئلة محددة، نرى انه من دون الاجابة عنها ستكون جولتنا مع هذا المسجد وفيه أقرب إلى نظرة خارجية تفتقر إلى العمق والأصالة معاً، حتى لتوشك أن تحاكي نظرة سائح يرى بعدسته اكثر مما يرى ببصره وبصيرته. خمس علامات استفهام من المحقق ان علامات الاستفهام التي تطرحها قبة الصخرة لا تتوالى بصورة عشوائية، وإنما هي تمضي في سياق تتابعي منطقي، يمكننا ان نرصده على النحو التالي: ـ أولاً: ما هي قبة الصخرة بالضبط؟ لأول وهلة قد يبدو هذا السؤال غريباً للبعض إلى حد العبثية، فهل هناك من يتساءل عن طبيعة صرح بهذا الوضوح والظهور والتجلي ونقول: نعم إن هذه الطبيعة ينبغي ان تناقش ويكفي انها قد حار فيها المؤرخون المسلمون القدامى، وقد كانوا أولى منا بتجاوز الحيرة لو لم تكن هناك اشكالية حقيقية هنا، وعلى سبيل المثال سنجد المقدسي يشغل نفسه بها ويشغلنا معه طويلاً، بما ان نطاق الغموض والالتباس والبعد عن الموضوع سيدفع مستشرقاً من عيار أوليج جرابار إلى القول عن قبة الصخرة في الكتاب الذي قدمه عنها مع سعيد نسيبة انها في جوهرها «مزار»! ولا تتردد الباحثة دومنيك كليفنو في كتابها «الحلي المعمارية والزخرفة في العمارة الاسلامية» في القول انه لم يقدر للوظيفة الأصلية التي أقيم من أجلها هذا الصرح ان تتحدد بصورة مؤكدة. غير ان العقل والوجدان الاسلاميين يجدان طريقهما وسط هذا الغموض الذي أشار إليه المؤرخون المسلمون المبكرون فنرى باحثاً اختصاصياً في العمارة الاسلامية، استقطب الأنظار بدراسته لنيل درجة الدكتوراه التي أعدها في جامعة هارفارد، عن قلعة الجبل، هو ناصر الرباط، يبادر إلى استخدام تعبير لا ينقصه التوفيق، حين يقول ان قبة الصخرة هي أول عمل معماري اسلامي واع لعظمته بل ومتباه بها، ولعلها كذلك من أروع ما خلفته لنا العمارة القروسطية في أي مكان في العالم على الاطلاق، ويشير إلى انه ينظر إليها كأثر قائم ينبغي لمن يتناوله ان يحاول فهم شكله وزخرفته على ضوء المعطيات التاريخية المتوافرة عنها. لكن على الرغم من براعة هذا التعبير وما يواكبه من توفيق، ألا نلاحظ انه في نهاية المطاف يتجنب تحديد طبيعة هذا المكان وهويته والوظيفة أو الوظائف التي يضطلع بها؟ بلى. وحقيقة الأمر ان طبيعة هذا الصرح وسبب بنائه وتوقيته وأهمية موقعه كلها تثير أسئلة صعبة وشائكة ولاتزال بمعنى ما من المعاني مطروحة حتى يومنا هذا وقابلة للأخذ والرد. فلنكتف، إذن، بالقول اننا أمام قبة مذهبة ترى من مسافات بعيدة إلى حد يدفع للقول انه ربما كان التأثير البصري القوي الذي تتركه هدفاً من أهداف بنائها، وهي مبنية فوق صخرة مقدسة ومزنرة بممرين يدوران حولها بمسقط مثمن وممر دائري يحيط بالصخرة مباشرة، ترتفع شامخة في الهواء، والمبنى المثمن نفسه يبدو خفيضاً نسبياً، حيث لايتجاوز ارتفاعه اثني عشر متراً وقطره أربعة وخمسون متراً تقريباً، ومن هذا المبنى تشمخ قبة يصل ارتفاعها إلى أربعة وخمسين متراً تستند إلى رقبة اسطوانية بها ست عشرة نافذة ينهل منها الضوء بعد ترشيحه عبر زجاج معد خصيصاً لهذا الغرض. لا يتردد أوليج جرابار في تأكيد ان الكمال الشكلي الذي يتمتع به هذا الصرح مصدره تطبيق الهندسة التي شهدت على يد المسلمين تطوراً هائلاً انعكس في توظيفها في العمارة والزخرفة على حد سواء، ولهذا لم يكن غريباً ان المؤرخين والرحالة عبر العصور تحدثوا بغير قليل من الانبهار عن صفات البريق واللمعان التي تخطف الأبصار، من دون ان يتوقفوا ليقولوا لنا على وجه الدقة ما الذي كانت تمثله هذه اللوحات الفسيفسائية التي بهرتهم. هكذا تكلم ابن بطوطة دعنا نضرب مثالاً بما يقوله أبو عبدالله محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي الملقب بشمس الدين والمعروف لنا جميعاً باسم ابن بطوطة، حيث يقول لدى حديثه عن قبة الصخرة «هي من أعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلاً، قد توفر حظها من المحاسن ، وأخذت من كل بديعة بطرف، وهي قائمة على نشز في وسط المسجد، يُصعد إليها في درج رخام، ولها أربعة أبواب، والدائر بها مفروش بالرخام أيضاً محكم الصنعة، وكذلك داخلها وفي ظاهرها وباطنها من أنواع الزواقة ورائق الصنعة ما يعجز الواصف، وأكثر ذلك مغشى بالذهب، فهي تتلألأ نوراً وتلمع لمعان البرق، ويحار بصر متأملها في محاسنها ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها، وفي وسط القبة الصخرة الكريمة التي جاء ذكرها في الآثار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرج منها إلى السماء وهي صخرة صماء ارتفاعها نحو قامة وتحتها مغارة في مقدار بيت صغير ارتفاعها نحو قامة أيضاً ينزل إليها على درج وهنالك شكل محراب وعلى الصخرة شباكان اثنان محكما العمل يغلقان عليها، أحدهما وهو الذي يلي الصخرة من حديد بديع الصنعة، والثاني من خشب، وفي القبة درقة كبيرة من حديد معلقة هنالك، والناس يزعمون انها درقة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه». ما الذي نلاحظه هنا بالضبط؟ لسوف نلاحظ، على الفور تقريباً، ما جعل ابن بطوطة هذا الرحالة الخالد الذي نعرفه، فهو لم يكن عالماً ولا مفكراً ولا منشئاً بليغاً، وإنما كان جواب آفاق عاشقاً للمعرفة، وللاطلاع على كل ما هو غريب ومدهش، يشاهد بعينه فيعرض على وجدانه وينقل ما يروي له فإن تشكك فيه صدره بتعبيرات دالة من قبيل «يزعمون» التي رأيناها قبل قليل، ويجمع هذا كله إلى جوار توخي الامانة وظرف الاسلوب. وهو في واقع الأمر، بالنسبة لقبة الصخرة، يمثل القاعدة السائدة في صفوف الرحالة والمؤرخين، فعلى الرغم من انه شدد على «النور» و«اللمعان» و«البريق» في وصفه لزخارف القبة، إلا انه لم يتوقف ليحدثنا عن طبيعة هذه الزخارف. وما تمثله، وهكذا فإننا نجد أنفسنا غير قادرين على الحكم على مجمل البرنامج الزخرفي بالقبة التي فقدت جانباً لا يستهان به من فسيفسائها الأصلية. ومع ذلك فإنه لا تزال لدينا ـ كما سنرى تفصيلاً ـ من الشواهد الباقية على الرواق المثمن الداخلي وعلى رقبة القبة ما يتيح لنا حداً أدنى من الوضوح بخصوص موضوعات تلك الزخرفة ونماذجها. ـ ثانياً: من أين جاء مخطط قبة الصخرة على وجه الدقة؟ لابد ان نتذكر هنا أن قبة الصخرة هي الصرح الاسلامي المبكر الوحيد الذي لا يزال باقياً لنا وماثلاً بين أيدينا في أقرب هيئة يمكن التطلع إليها من الأصل، ليس هذا فحسب، بل انه على الأغلب اقدم صرح معماري كبير شيده المسلمون في الأرض التي فتحها الله عليهم، من هنا يبدو هذا الشكل، هذا الاهاب، هذا الاطار المعماري اشكالياً ملغزاً، ومتشحاً بالغموض، فهو أبعد ما يكون عن البيت الحرام، وهو لا يعكس بساطة المسجد النبوي بالمدينة المنورة بكل ما فيه من بساطة وتجريد، وهو مختلف عن المساجد الجامعة التي حرص المسلمون على المبادرة بتشييدها في البصرة والكوفة والفسطاط، وهو مختلف ـ بالطبع ـ عن المسجد الأموي في دمشق، فماذا إذن؟ يبادر ناصر الرباط إلى ايضاح ان مخطط القبة ليس غريباً بالدرجة التي يبدو بها اليوم، فهو ذو أصل روماني يعرف بمخطط ضريح الشهيد، وهو في جوهره مخطط مركزي يتحلق حول بؤرة مهمة كضريح عظيم أو تمثال إليه ليتمكن الزوار من الطواف حوله، الأمر الذي يفصح عن ان هذا المخطط وظيفته طقوسية، طوافية، ومن هنا فقد جاء استخدام هذا التصميم في الفترة المسيحية المبكرة في بلاد الشام وفي مجمل الأراضي البيزنطية، في عمارة العديد من الكاتدرائيات المهمة، مثل كاتدرائية بصرى في حواران التي لا تزال بقاياها قائمة اليوم وكنيسة القيامة في القدس نفسها، والاثنتان تعودان إلى عهد الامبراطور البيزنطي الكبير جوستنيان ولكن قبة الصخرة اكثر هذه المخططات توازنا هندسياً. ـ ثالثاً: ما هي رسالة فسيفسائها؟ إذا كانت المصادر الأدبية القديمة لم ترسم لنا صورة واضحة عن الفسيفساء التي تألقت في قبة الصخرة فإن من الواضح انها ما كان يمكن ان تلقي لنا الضوء على الرسالة التي تحملها هذه الفسيفساء مع ذلك فإن الاجزاء التي بقيت لنا من هذه الفسيفساء، والتي ثبت على نحو يتجاوز الشك انها أعمال أموية أصلية كفيلة بأن توضح لنا بأننا بازاء أسلوب حرفي بيزنطي شامي، نجد أمثلة شهيرة له في كنائس الأردن ولبنان وفلسطين، فضلاً عن كنائس القسطنطينية، وعلى وجه التحديد أيا صوفيا، وكذلك كنائس سالونيكا الاغريقية، ورافينا البيزنطية المطلة على البحر الادرياتيكي في ايطاليا، وهي كلها نماذج تعود للقرنين الخامس والسادس الميلاديين. غير ان موضوعات هذه الفسيفساء تبدو أكثر تعقيداً في أصولها ومعانيها ودوافع اختيارها مما نتصور لأول وهلة، وإذا كانت لوحات الفسيفساء في قبة الصخرة تشترك مع مثيلاتها التي أشرنا إليها في تقنية تنفيذها فإنها في موضوعاتها تركز على نحو لا تخطئه العين في الموضوعات غير التشبيهية، وتعطي الأولوية لعناصر الرقش الذي تكاد تحتكره آيات الذكر الحكيم بصورة كاملة، إلى جوار عناصر العربسة وبعض الأشكال الغامضة، التي أثارت الجدل طويلاً وبصفة خاصة مايعرف بـ «الكنوز» والتي سنلقي الضوء لاحقاً عليها. ـ رابعاً من هم سادة قرار قبة الصخرة؟ قد يبدو هذا السؤال غير مفهوم إلى حد ما، فمن البديهي ان يكون سادة هذا القرار هم صانعو القرار السياسي في الدول الاسلامية الناشئة غير ان هناك من بادروا إلى طرح التساؤل عما إذا لم يكن للمبدعين من الشوام الذين تدربوا في المدرسة البيزنطية ونفذوا هذه اللوحات يد في الخروج بها إلى النور. اننا نعرف ان عبدالملك بن مروان ذلك السياسي الداهية الأريب، هو الذي اتخذ قرار البناء، وانه كانت له مجموعة من المستشارين الذين نعرف على وجه اليقين هوية اثنين منهم على الأقل، هما رجاء بن حيوة الكندي البياني الفقيه الورع ورجل الحركة السياسية البارع الذي لعب دوراً بارزاً في بلاط أربعة خلفاء أمويين وكان له تأثير نافذ في ايصال الخلافة إلى عمر بن عبدالعزيز، بالاضافة إلى يزيد بن سلام الذي يعتقد انه مولى مقدسي لعبدالملك بن مروان. ومن الجلي ان رجالات الدولة الاسلامية الشابة التي ترى لنفسها دوراً حضارياً بالمعنى الذي حدثنا عنه هيغل وتسعى إلى الاضطلاع بهذا الدور حتى وإن قادها إلى أطراف الأرض، ما كانوا ليدعوا زمام القرار في مسألة على مثل هذا القدر من الأهمية يفلت من أيديهم وهكذا كانوا هم أصحاب قرار بناء هذا الصرح أصلاً، ثم اختاروا الموضوعات والنصوص التي قدر لها ان تتألق في لوحات الفسيفساء، وذلك بسبب من وضوح الإرادة السياسية والاعلامية والايديولوجية في الآيات القرآنية الكريمة المختارة، والتي يبدو بجلاء بالغ ان اختيارها تم بدقة بالغة، وكذلك ما عرف تقليدياً باسم «الكنوز» في الرواق حول القبة وبمواجهتها. ـ خامساً ما هو الهدف من قبة الصخرة؟ ربما كان هذا هو السؤال الاكثر صعوبة من بين الأسئلة الخمسة التي طرحناها هنا والاكثر استعصاء على محاولات الاجابة عنه بحد أدنى من الدقة والوضوح، فلننظر مثلاً إلى محاولة المعماري ناصر الرباط للتصدي لعلامة الاستفهام هذه حيث يشير إلى ان القبة هي «مبنى دعائي متباه اقتبس معظم عناصره من التقاليد المحلية وريثة الثقافتين الهيلينستية والبيزنطية المسيحية بعباءتهما الشامية وطورها وحورها وأعاد تشكيلها بما يتلاءم مع أذواق بناته وثقافتهم ورغباتهم، وبما يؤمن لهم الدعاية التي أرادوا بثها لاتباعهم من العرب المسلمين ورعاياهم من العرب المسيحيين، خاصة في القدس نفسها الذين كان ولاؤهم للدولة الأموية مشكوكاً به، وهي على ذلك تمثل مثلاً آخر على تفاعل الفن الأموي مع تراث الأرض التي نشأ ونما عليها واتكائه على منجزاتها ولغتها الفنية في تطوير أشكاله ولغته الجديدة». المشكلة الحقيقية فيما يطرحه المعماري ناصر الرباط في كتابه «ثقافة البناء وبناء الثقافة» هو انه يغامر بالانحياز الكلي إلى تفسير واحد من بين أربعة تفسيرات على الأقل مطروحة في هذا الصدد، ولا تزال حتى اليوم خلافية وأبعد ما تكون عن الحسم. التفسيرات الأربعة هذه التفسيرات الأربعة التي نتحدث عنها هي في جوهرها محاولات للتوصل إلى نوع من الفهم الكلي لما يعنيه هذا المبنى الفريد في التاريخ المعماري الاسلامي، والذي نستطيع القول باطمئنان انه لم تتم محاولة واحدة لتقليده بعد ابداعه في أي مكان من دار الاسلام، حقاً اننا سنجد اصداء له واضحة بما لايدع مجالاً للشك أو الانكار في صرح معماري اسلامي عظيم آخر هو ضريح قلاوون، لكن هذه الاصداء يمكن ان تجد تفسيرا لها، في الجانب النفسي عند قلاوون الذي تركه الانتصار المدوي على الصليبيين في شرق المتوسط. فدعنا نبادر إلى القاء نظرة على هذه التفسيرات الأربعة، لندرك السر في أنه ليس من اليسير مشاركة المعماري ناصر الرباط لهذا التفسير «الدعائي» أو «الايديولوجي» ان شئت والقول به وحده من بين التفسيرات الأربعة التي يمكن ان نوجزها على النحو التالي: ـ التفسير الأول: هذا التفسير هو الذي يصفه الباحثون بالتفسير التاريخي، حيث يشير القائلون به إلى ان بناء قبة الصخرة جاء مرتبطاً بظروف تاريخية محددة، ففي الفترة من عام 680 إلى 692 تواصلت وقائع خروج عبدالله بن الزبير على الأمويين،ولما كان معقله القوي في الحجاز، فقد ترتبت على ذلك صعوبات في الحج بالنسبة لرعايا الأمويين، ومن هنا قيل ان عبدالملك بن مروان قرر جعل بيت المقدس بؤرة للحج فشيد قبة الصخرة لتكون معادلاً للكعبة المشرفة، وجعل تصميمها يستجيب لمفهوم الطواف. من المعروف ان هذا التفسير قال به جولدتسيهر وتبناه كريسوبل وتم رده إلى اليعقوبي البغدادي من ناحية وإلى الراهب بوتنميس الاسكندري من ناحية أخرى. المرء ليس بحاجة إلى الاتكاء على انتقاد اس. دي جوتييل لهذا التفسير، والذي أشار فيه إلى ان طروحات اليعقوبي ويوتيخيس هي طروحات ناتئة وقائمة بذاتها، وليس لها ما يدعمها في كتابات مؤرخين لهم ثقل الطبري والبلاذري والمقدسي، الذين ما كان ليفوتهم الأمر لو ان عبدالملك بن مروان جعل من بيت المقدس مركزاً دينياً بدلاً من مكة التي اعتصم عبدالله بن الزبير بكعبتها المشرفة إلى ان تعاورته السيوف وغدا الراكب الذي آن له ان يترجل كما تعلمنا الأدبيات الشهيرة، فالواقع ان عبدالملك رجل الدولة الأريب، ما كان ليقع في مثل هذا الخطأ الذي يعد انتحاراً سياسياً يعرضه لامكانية تكفيره حتى في صفوف جنده. أما ان شئت إلا العودة في هذا الصدد إلى كتابات المؤرخين فدعنا نتذكر ان الطبري يشير إلى انه في عام 68 هجرية قامت أربع جماعات مختلفة بشق طريقها للحج وأنه في وقت أداء الشعائر على الأقل كان الفريقان يكبحان جماح القتال الناشب بينهما. أياً كان الأمر، فإن شيئاً من التأمل ومراجعة أدبيات المرحلة والفهم السياسي لاطار الصراع، كل هذا كفيل بجعل المرء يصرف النظر كلية عما اطلق عليه التفسير التاريخي لبناء قبة الصخرة. ـ التفسير الثاني: هذا هو التفسير الذي يوصف تقليدياً بالتفسير الديني، والذي يعكس افتراضاً ضمنياً قوامه ان هذاالمبنى شيد تكريماً وتقديراً للصخرة التي بدأ منها معراج الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى السماء على متن البراق وبصحبة جبريل، غير ان أوليج جرابار يشير في دراسته بعنوان «قبة الصخرة الأموية في القدس» إلى ان هذا التفسير يفضي إلى مشكلات تفوق تلك التي يحلها، ليس أقلها شأنا اعتقاد البعض ان الصخرة هي التي صلى عليها المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أما بدء معراجه فقد كان من الموضع المجاور لها الذي لا يزال قائماً حتى اليوم والمعروف باسم قبة المعراج. ـ التفسير الثالث: هذا هو التفسير المعروف باسم التفسير الدعائي أو الايديولوجي، الذي سبق لنا ان رأينا ان المعماري ناصر الرباط يتحمس له، ولسنا نرى هذا التحمس أمراً غريباً، فالقائل بهذا التفسير في المقام الأول، هو أوليج جرابار الذي نعرف انه كان المشرف على رسالة الدكتوراه التي أعدها الرباط في جامعة هارفارد عن قلعة الجبل، وجوهر هذا التفسير على نحو ما سبق لنا ان رأينا في المقتطف الذي نقلناه عنه في كتابه «ثقافة البناء وبناء الثقافة» مفاده ان عبدالملك بن مروان أراد بتشييد قبة الصخرة ان يمنح المسلمين الذين لم تكن لهم حتى ذلك الوقت إلا أماكن عبادة متواضعة في عمارتها وتشييدها وزخرفتها، صرحاً نموذجياً ينافس في جسارة مفهومه المعماري وروعة تنفيذه الصروح التي يعتز بها المسيحيون في القدس، وفي مقدمتها كنيسة القيامة وكنيسة القبر المقدس. ـ التفسير الرابع: هذا هو التفسير المعماري بامتياز، والقائل به لا يعدو أن يكون امبرتو ايكو الذي يعرفه العالم برواياته الشهيرة، وإن لم يعرف البعض عمق تخصصه في دراسات القرون الوسطى، حيث يذهب إلى القول ان قبة الصخرة هي على الصعيد المعماري بمثابة «نص مفتوح» بمعنى انها عمل قادر على أن يضم في اهابه العديد من المعاني في آن، ومن هنا يمكننا تفسير قدرته المدهشة على الارتباط بقصة الاسراء والمعراج بالمرونة ذاتها التي يكتسب بها اليوم مغزى جديداً نابعاً من التطورات السياسية الراهنة التي يشهدها شرق المتوسط. منهاجان هذه الأرضية الصلبة في فهم قبة الصخرة التي يتيحها لنا تأمل الأسئلة الخمسة السابقة والتفسيرات الأربعة التي أوردناها حالاً تمكننا من الانطلاق قدماً نحو هدفنا المتمثل في تحقيق قراءة دقيقة لزخرفة هذا الصرح الفريد ومساهمته في تعزيز جماليات المكان تحت افقه. ولكن في اطار أي منهاج يتم هذا الانطلاق حقاً؟ ليس هذا السؤال ومحاولة الاجابة عنه ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة لابد منها، ذلك ان التوصل إلى منهاج دقيق ومحدد هنا يشبه وضع اليد على خريطة دقيقة قد تكون هي الفارق بين الوصول إلى الهدف أو الضرب طويلاً في متاهات الضياع. يمكننا القول ـ بأبسط المعاني ـ اننا بازاء منهاجين اثنين للتعامل مع اشكال قبة الصخرة، يمكننا ايجازهما على النحو التالي: أ ـ تجزئة هذه الاشكال إلى المكونات التقليدية التي يستخدمها مؤرخو الفن من التكوين المعماري أو تقنيات الانشاء إلى الموضوعات الزخرفية أو الخصائص الأسلوبية ثم تحليل وتفسير أهمية كل مكون في التطور الزمني للأشكال أو في السياق الثقافي بأوسع المعاني للقدس في نهاية القرن السابع الميلادي. ب ـ اقتراح تفسير بصري للمبنى ككل ثم ايضاح المعنى، أو بالأحرى المعاني المستمدة من ذلك الفهم. ويبدو لنا هذا المنهاج الاخير اكثر ملاءمة لأغراض دراستنا فضلاً عن معقوليته في ضوء ان جانباً كبيراً من المبنى الأصلي لا يزال باقياً حتى اليوم، وربما تمثلت المشكلة الحقيقية لهذا المنهاج في انه يناقش جماليات هذا الصرح الاسلامي الفريد من منظور للحساسية الفنية المعاصرة لم يكن له وجود في الماضي.