الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 يقول تبارك وتعالى على لسان بعض أصفيائه: (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). ويقول في سورة آل عمران: (إن الدين عند الله الإسلام).. ويقول جلّ من قائل: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات و الأرض طوعاً وكرهاً وإليه راجعون).فما أعظمه من دين ربي رجالاً فكانوا نعم الرجال، وأدب نساء فكن نعم النساء. وما هذا وذاك إلا بفضل هذا الدين القويم ومنهاجه السديد في تحديد أدوية البشرية بعد أن حدد من قبل أدواءها، لذا يقول رب العزة موجهاً رسوله لهذا الدين الحنيف: (فأقم وجهك للدين حنيفاً).. ويقول: (فأقم وجهك للدين القيّم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) الروم ـ 43. ويقول مالك الملك واصفاً ومُظْهِراً قوامة هذا الدين وهيمنته: (ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الروم ـ 30. وبعد، هذه أمثلة لسلفنا الصالح رضوان الله عليهم عاشوا من خلالها في حمى رب العالمين تظللهم شمس الإسلام بأشعتها الزاهية، فإذا بهم من الراشدين، بعد أن حوّلهم هذا الدين العظيم من أمة الهمج إلى أمة الرشد، ومن رعاة للغنم والنعم إلى قادة للأمم فسعدوا في الدنيا وأسعدوا، ولنا في هذه الأمثلة الفريدة الصادقة المثل والدرس والعبرة. مرّ أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ على رجل قد أصاب ذنباً، والناس يسبونه، فنهاهم، وقال: أرأيتم لو وجدتمون في حفرة.. ألم تكونوا مخرجيه منها؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوه إذن. واحمدوا الله الذي عافاكم.. قالوا: أفلا تبغض؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي. أليس في هذا الدرس والعبرة لرجل ربّاه الإسلام، فهو لا يطلق لسانه بتكفير هذا أو تفسيق ذاك لمجرد ارتكابه لبعض الذنوب. لقد نزهوا ألسنتهم من إطلاق العنان في السب والتكفير، فذاك جيل فريد انصب غضبه على الفعل ولا الفاعل، فأبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ يشفق ويحنو على هذا العاصي لأنه في حاجة إلى من يحتضنه لا إلى من يجعله يكابر ويستمر في آثامه. ومثال آخر، دخل أحد الصالحين على أمير المؤمنين الكافي عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ فقال له: أوصني.. فقال: أوصيك بثلاث.. اتخذ صغير المسلمين لك ولداً، وأوسطهم أخاً، وأكبرهم أباً، فارحم ولدك، وصِل أخاك، وبر والدك، فإذا صنعت معروفاً قربه إليك. أليس في هذا النموذج الرائع الأسوة والقدوة الحسنة،لكل أمير وحاكم، فعلينا أن ننظر إلى أقوال وأفعال سلفنا الصالح، كيف بهم وقد سمحوا لغيرهم أو لأحد من الرعية أن يسدي لهم النصيحة، وما وسع هؤلاء أمثال أمير المؤمنين الكافي إلا السمع والطاعة، لذا سعدت البشرية آنذاك، بالراعي والرعية بعد ضربهم المثل الرائع برفضهم علماء السوء وبغاة المال وعشاق السلطان. قيل لمعروف الكرخي ـ رضي الله عنه ـ حين حضرته الوفاة: أوصنا، فقال: إذا مت، فتصدقوا بقميصي هذا، فإني أحب أن أخرج من الدنيا عرياناً.. كما دخلت إليها عرياناً.. فيا من تربعت الدنيا في قلوبكم، فأنستكم ذكر ربكم وذكر آخرتكم، يا من انشغلتم بالنعمة عن المنعم، وبالدنيا عن الآخرة، وبزخارف القصور عن ظلمة القبور، ليكن المثل في هؤلاء الأتقياء الذين طلقوا الدنيا وخافوا الفتن، لم تشغلهم مباهجها عن الآخرة، فعاشوا فيها على قدرها، وعملوا للآخرة على قدرها، فاستراحت أبدانهم وارتاحت قلوبهم، ومع كل هذا الزهد الفريد سادوا الدنيا بأسرها، إذ أن الدنيا عندما طلقوها جاءت تلهث خلفهم.وما أعظم قول إمامنا الهمام علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه: عجباً لمن يهلك ومعه النجاة. قيل له وما هي؟ قال: التوبة والاستغفار. أليس في هذا عظيم الدواء لجسيم الداء. قلنا في هذا النموذج العلاج لكل أدوائنا، فعلينا ان نستلهم الهداية والرشد من سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين. فقد سعت إليهم الدنيا بغرورها وشهواتها وذنوبها وآثامها ومفاتنها، فلم يدانوها برغم ما بهم من فاقة فإذا هم بالدواء الشافي، التوبة والإنابة والاستغفار ليعودوا من جديد إلى رب غفور.. فماذا صنعنا نحن بأنفسنا لقد سقطنا في هوتها السحيفة وحاول بعضنا الخروج ومتابعة كرام القوم فما زال باب التوبة مفتوحاً، فإلى التوبة إلى التوبة. إن كل يوم يمر على الانسان يهدم شهراً من عمره، وكل شهر يهدم سنة من أجله، وأجله ينتهي بموته، وموته يقوده إلى قبره، وقبره يقوده إلى بعثه، وبعثه يسبق حشره، وحشره يوقفه بين يدي ربه (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره). ومن تدبر هذا كان أكثر استعداداً للقاء ربه، ومن كان يستعد بالعمل الصالح كان محباً للقاء ربه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ما أحوجنا اليوم إلى توبة نصوح نعود بها إلى الله، ونستقيم على صراطه، عسى ربنا أن يرحمنا. اللهم لا تجعلنا من الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون إنهم يحسنون صنعاً. أحمد الريح أبو عاقلة