الخميس 23 رمضان 1423 هـ الموافق 28 نوفمبر 2002 سورة «الأنعام» التى يغلب على الظن ان نزولها كان فى السنة الرابعة من بعثة النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهى السنة التى أمر الله ـ تعالى ـ رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ان يجهر بدعوته بعد ان مكث ـ صلى الله عليه وسلم ـ زهاء ثلاث سنوات يدعو الناس سرا، ويجتمع بمن آمن بدعوته فى دار الأرقم بن أبى الأرقم.. هذه السورة الكريمة زاخرة بالحديث عن الشبهات التى جابه المشركون بها النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزاخرة بالأجوبة الحكيمة التى لقنها الله تعالى ـ لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن هذه الشبهات زعمهم انهم هم أحق منه بالنبوة والرسالة.. وقد رد ـ سبحانه ـ عليهم بما يخرس السنتهم فقال ـ تعالى ـ : (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله ، الله أعلم حيث يجعل رسالته، سيصيب الذين اجرموا صغار عند الله، وعذاب شديد بما كانوا يمكرون« [الآية : 124]. والمعنى: وإذا جاءت إلى: أولئك المشركين الذين اقسموا بالله جهد ايمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها.. إذا جاءت اليهم هذه الآية الدالة على صدقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، قالوا للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على سبيل الحسد، لن نؤمن لك يامحمد حتى نعطى من الوحى والرسالة مثل ما أعطى رسل الله.. واضافوا الإيتاء إلى رسل الله، لأنهم لايعترفون بما أوتيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الوحى والرسالة. روى أن هذه الآية نزلت فى شأن الوليد بن المغيرة فإنه قال للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى وأحق بها منك ، لانى اكبر منك سنا، وأكثر منك مالا، فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية فى شأن أبى جهل ، وذلك انه قال: زاحمنا بنو عبد المطلب فى الشرف، حتى إذا صرنا كفرسى رهان قالوا: منا نبى يوحى إليه. والله لانؤمن به ولانتبعه أبدا إلا ان يأتينا وحتى كما يأتيه، فأنزل الله هذه الآية. وقد رد الله ـ تعالى ـ على هؤلاء الحاسدين ردا حاسما فقال: «الله أعلم حيث يجعل رسالته ». أى: الله ـ عز وجل ـ اعلم من هؤلاء الحاسدين ، ومن كل أحد ، بالموضع الصالح للرسالة، فيضعها فيه، فهو ـ سبحانه ـ يختار لها بحكمته وعلمه من يستحقها وينهض بها ويهب نفسه لها، وينسى فى سبيلها ذاته . قال الامام الفخر الرازى ـ رحمه الله ـ : «وقوله ـ تعالى ـ «الله أعلم حيث يجعل رسالته » أى: ان للرسالة موضعا مخصوصا لايصلح وضعها إلا فيه، فمن كان مخصوصا موصوفا بتلك الصفات لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولا وإلا فلا، والعلم بتلك الصفات هو ـ تعالى ـ وحده». ثم قال ـ رحمه الله ـ : «وفى هذه الجملة الكريمة تنبيه على دقيقة اخرى، وهى أن اقل مالابد منه فى حصول النبوة ، البراءة من المكر ومن الغدر ومن الغل ومن الحسد ، وقولهم ـ كما ذكر القرآن عنهم ـ «لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله» عين المكر والغدر والغل والحسد، فكيف يفعل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات الذميمة»؟ وهذه الجملة الكريمة وهى قوله ـ سبحانه ـ : «الله أعلم حيث يجعل رسالته » دليل واضح على أن الرسالة هبة من الله ـ تعالى ـ يختص بها من يشاء من عباده ، ولا ينالها أحد بكسبه ولابذكائه ولابنسبه. ولذا قال الامام الآلوسى ـ رحمه الله ـ : وهذه الجملة الكريمة تدل على أن منصب الرسالة ليس مما ينال بما يزعمونه من كثرة المال والولد، وتعاضد الاسباب والعدد، وإنما ينال منصب الرسالة بفضائل نفسية، ونفس قدسية ، أفاضها الله ـ تعالى ـ بمحض الكرم والجود على من كمل استعداده». وقد وردت أحاديث كثيرة ذكر النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها ألوانا من فضل الله ـ تعالى ـ عليه ، ومن اصطفائه له، ومن هذه الاحاديث ما جاء فى صحيح مسلم عن وائلة بن الاسقع ـ رضى الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «ان الله عز وجل ـ اصطفى من ولد ابراهيم اسماعيل ، واصطفى من بنى اسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم ، واصطفى من بنى هاشم محمدا ـ صلى الله عليه ـ. وروى الامام احمد فى مسنده عن المطلب بن أبى وداعة عن العباس ـ رضى الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله وسلم ـ انه قال: «ان الله خلق الخلق فجعلنى فى خير خلقه، وجعلهم فريقين ، فجعلنى فى خير فرقة، وخلق القبائل فجعلنى في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلنى فى خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفسا» ثم بين ـ سبحانه ـ سوء عاقبة هؤلاء المشركين الماكرين الحاسدين للنبى ـ صلى الله وسلم ـ على ما آتاه الله من فضله فقال: «سيصيب الذين اجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا بمكرون«. ولفظ «الصغار » معناه : الذل والضيم والهوان. والانسان الصاغر هو الإنسان الراضى بالذل. والمعنى : سيصيب الذين أجرموا بعد تكبرهم وغرورهم وتطاولهم، ذل عظيم، وهو ان شديد، ثابت لهم عند الله ـ تعالى ـ فى الدينا والآخرة، بسبب مكرهم المستمر، وعدائهم الدائم لرسل الله ـ تعالى ـ فهذه الجملة الكريمة إنذار لهؤلاء المشركين الماكرين بما سيصيبهم من عذاب إليم بسبب تطاولهم على رسل الله وعلى أوليائه، وبسبب حسدهم للنبى ـ صلى الله وسلم ـ على ما أتاه الله من فضله ورحم الله ـ تعالى ـ الامام ابن كثير، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : «ولما كان المكر غالبا انما يكون خفيا ، وهو التستر فى الخديعة، قد بلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقا ولايظلم ربك أحدا. وجاء فى الصحيحين عن رسول الله ـ صلى الله وسلم ـ انه قال: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال : هذه غدره فلان بن فلان» والحكمة فى ذلك انه لما كان الفدر خفيا لايطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل» نسأل الله ـ تعالى ـ ان يجعلنا جميعا من عباده الأوفياء بعهودهم.