الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 قال الحق سبحانه وتعالى:« واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر» (الأعراف :163). فى هذه الآية قرية وفى آية سابقة قرية. القرية الأولى : أمروا أن يدخلوها والقرية الثانية : كانت حاضرة البحر وهذا يرينا أن القرية التى أمروا أن يدخلوها وهى بيت المقدس لم تكن على البحر وإنما القرى التى كانت على البحر هى «إيليا» أو «مدين» أو «طبرية» وحاضرة البحر معناها قريبة من البحر ومشرفة والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسؤال لابد أن يوجه لأهل الكتاب لأن القصة خاصة بهم وقوله سبحانه وتعالى (واسألهم) أى أن الذى سيقصه رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود فى الكتب بالطريقة التى سأقصها بها عليكم وأنتم تعلمون أن رسول الله لم يجلس إلى معلم ولم يقرأ كتاباً وإنما علمه الله ولو أنه «ص» سألهم عن القصة إيجازاً ليطلب منهم تفاصيلها لقلنا إن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يعلم وإنما يريد أن يعرفهم أنه يعلم وهم يعلمون أنه لا مصدر له من علم البشر فكأن هذا إثبات بأن العلم قد جاءه من الله تحدياً لهم حتى لا يستطيعون أن يجادلوا فى أن محمداً مرسل من الله وموحى إليه من الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى فى كثير من الآيات يقول : «وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى الأمر» القصص :44، «وما كنت ثاوياً فى أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا» القصص :45، «وماكنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم » آل عمران:44 ومادام الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن حاضراً فالذى أعلمه هو الله جل جلاله كذلك قوله تعالى :«واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة» الأعراف :163. إن الرسول عليه الصلاة والسلام سيروى لهم قصة يعرفونها وسيرويها لهم كما نزلت فى كتبهم وربما كان فيها ما بدلوه هم وغيرهم ليحاولوا إخفاءه ورسول الله لم يقرأ كتاباً فى حياته يقول الحق سبحانه وتعالى «وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذ لارتاب المبطلون» (العنكبوت :48). وبذلك يكون كل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم موحى إليه من الله وهذا تحد وإعجاز وإثبات للنبوة. الحق سبحانه وتعالى يقول :(واسألهم) وكلمة اسألهم جاءت فى القرآن الكريم بأشكال كثيرة : صلى الله عليه وسلم بالأنبياء صلاة إبراهيم عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج وقبل أن يصعد إلى السماء والصلاة وقتها لم تكن فرضت تقول الآية : (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ) الزخرف :45 الأمر لمن؟ لرسول الله والمطلوب منه أن يسأل من قبله من الرسل وكيف يسألهم ؟ ومتى يسألهم ؟ وقد انتقلوا جميعاً إلى الرفيق الأعلى. إذن كان لابد أن يلتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ويسألهم وتم هذا اللقاء في رحلة الإسراء والمعراج وكلمهم رسول الله وسألهم. فإذا انتقلنا إلى الآية الكريمة (واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر) نقول إنه لابد أن يحدث لقاء بين رسول الله وأهل الكتاب ومادام هذا اللقاء قد تم فلابد أن يحدث إعجاز من الله يخرس هؤلاء الناس ويقيم عليهم الحجة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم حق أرسله ربه حتى لا يأتوا يوم القيامة مجادلين فى انهم لم تبلغهم الرسالة أو لم يروا معجزاتها وقول الحق سبحانه وتعالى (القرية التى كانت حاضرة البحر) معناها أن السؤال يكون للبحر فيه دخل وإلا فليس هناك معنى لورود النص بهذا الشكل فإذا قرأنا القصة عرفنا أن السؤال يتعلق بالحيتان والأسماك والصيد وتحريم الصيد. إذن فلابد أن تكون القرية ساحلية حتى يكون أهلها مشتغلين بصيد الحيتان والأسماك يقول تعالى:( إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم). والحق سبحانه وتعالى جعل لليهود يوماً حرم عليهم فيه العمل ويوماً ينقطعون فيه للعبادة هو يوم السبت لا يزاولون فيه أى شيء وعندما اغتيل كيندى وكانت جنازته يوم السبت كل الناس ركبوا السيارات إلا اليهود ساروا على الأقدام لأنهم فى يوم السبت لا يركبون المطايا ولا يفعلون أى شيء وحرم على اليهود العمل يوم السبت عقوبة لهم لمخالفتهم المستمرة وهذا نوع من التأديب وهناك أنواع أخرى أيضاً مثل قول الحق سبحانه تعالى «فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم» النساء :160 لأن الحق سبحانه وتعالى يعلمنا أن للمخالف لمنهج الله عقوبة فى الدنيا والآخرة ولذلك فإن الإنسان الذى يرتشى مثلاً أو يسرق مالاً يفتح الله له أبواباً من الأمراض والعلل والمصائب ويسلط عليه من يفني هذا المال ويضيعه فى وقت قصير ولذلك عندما خالف اليهود المنهج حرم الله عليهم ما هو حلال لغيرهم لأنهم ظلموا أنفسهم فعاقبهم الله ولما كان اليهود مشتغلين بالدنيا والمال والعمل هو الطريق للحصول على المال حرم عليهم الحق سبحانه وتعالى العمل يوم السبت ليحرمهم من المال الذى كانوا سيحصلون عليه فى هذا اليوم حتى يكون ذلك فى قلوبهم حسرة وأدباً لهم ومادامت هذه القرية التى هى حاضرة البحر عمل سكانها هو صيد السمك الذى هو رزقهم الأساسى فإن الحق سبحانه وتعالى قد جعل فى هذا اليوم بالنسبة لسكان هذه القرية امتحاناً كبيراً لهم فعندما يأتى يوم السبت تأتى الحيتان والأسماك ظاهرة على سطح الماء سهلة الصيد حتى إنهم يرونها من نوافذ بيوتهم يرون أمامهم الرزق الوفير ولكنهم لا يستطيعون أن يمدوا أيديهم إليه. يقول الحق سبحانه وتعالى :« إذ تأتيهم حيتانهم يوم السبت شرعاً» أى واضحة مثل الشراع فى السفينة وهو أظهر شيء فيها الذى يرى بوضوح ويراه كل إنسان ففى اليوم الممنوعين فيه من الصيد تكون الحيتان والأسماك ظاهرة أمامهم مثل شراع المراكب أما فى الأيام المباح فيها الصيد وهى باقى أيام الأسبوع فلا يأتيهم حوت واحد ولا سمكة واحدة وأراد اليهود أن يحتالوا على أمر الله فقالوا : إن الله حرم علينا أن نصطاد يوم السبت فلماذا لا نحتال على الصيد فى هذا اليوم الذى يمتليء البحر فيه بالأسماك والحيتان ؟ فشرعوا شيئاً يسمى «الجوبية» وهو شبك صيد مصنوع بشكل خاص إذ دخل فيه السمك لا يستطيع الخروج ووضعوا هذه الجوبيات فى البحر فإذا جاء يوم السبت وظهر السمك دخل فى الجوبيات وفى يوم الأحد وهو يوم العمل يسرعون فيخرجونه من البحر وفى هذا اعتداء على أوامر الله واحتيال فى المعصية فهم يمكرون على الله ولكن الله سبحانه وتعالى ترك الأسماك تدخل فى هذه الجوبيات حتى تكون شاهداً على مخالفتهم لأنها لو لم تدخل لجادلوا وأنكروا ولكن وجود الجوبيات والأسماك يجعلهم لا يستطيعون الإنكار. إذن فقوله تعالى «إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون» الأعراف :163 و(يعدون) معناها يعتدون على حكم الله الذى أمرهم بعدم العمل يوم السبت فيتحايلون ليحلوا ما حرم الله. الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نعلم أن تحريم العمل عليهم يوم السبت عقاب لهم فيقول :«إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون». فهذا ابتلاء وامتحان نزل بهم لأنهم فسقوا عن منهج الطاعة وبسبب خروجهم عن منهج الطاعة حرم الله عليهم أشياء أحلها لغيرهم.