الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 أعدت الدكتورة نجلاء محمد أمين الأستاذ المساعد بقسم اللغة الفارسية بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر دراسة علمية حول دور علماء الفرس فى إثراء الحضارة الإسلامية، تتناول فيها فضل الحضارة الإسلامية على الغرب وما قدمه العرب للعالم من علوم وفنون قامت عليها الحضارة الغربية المعاصرة. وتؤكد ان تنكر الغربيين لدور الحضارة الإسلامية وفضلها على حضارتهم لا يغير من الحقيقة شيئا مشيرة إلى ان الكثيرين من العلماء والباحثين الغربيين المنصفين يعترفون بدور الحضارة الإسلامية وفضلها على العالم. وتدعو الدكتورة نجلاء إلى ضرورة التعريف بالحضارة والثقافة الإسلامية وتقديم علماء المسلمين الأوائل إلى العالم من خلال وسائل الإعلام المختلفة واعداد الكتب والفهارس والمعاجم لحصر هؤلاء العلماء وتحديد أهم ما قدموه للعالم. وتشير إلى ان الفتوحات الإسلامية لم تكن استعمارا لأن المسلمين كانوا اصحاب رسالة ولم يكن هدفهم السيطرة على الشعوب أو استنزاف ثرواتها. ـ لماذا يتنكر الغربيون لفضل الحضارة الإسلامية على حضارتهم المعاصرة ؟ - الحضارة الاسلامية كانت- بشهادة المؤرخين والباحثين - أعظم حضارة شهدها العالم طوال العصور الوسطى وفضل العرب واضح لا على أوروبا وحدها بل على البشرية جمعاء ذلك لأن العرب الذين أقاموا دولة عظيمة مترامية الاطراف امتدت من المحيط الى الخليج لم يكونوا كغيرهم من الشعوب التى انسابت من جوف آسيا فى العصور الوسطى لتهدم وتخرب وإنما صاحب العرب الأمن والاستقرار أينما حلوا فقد نشروا مبادئ ومثلا عليا من التسامح والاخاء والمساواة فتحولت أقطار العالم الاسلامى فى ظل رعايتهم الى مراكز علمية تشع منها نور العلم والمعرفة واذا كان بعض الغربيين يحاولون انكارفضل الحضارة الإسلامية فهؤلاء مثلهم كمثل من يحاول انكار ضوء الشمس الذى يشع بنوره على كل الناس وبالطبع العيب فى هؤلاء وليس فى الشمس أيضا الذين ينكرون الحضارة الإسلامية الخلل فيهم وليس فى تلك الحضارة وهؤلاء كراهيتهم للإسلام وخوفهم منه تدفعهم لإنكار دوره وفضله على العالم . فارق كبير ـ البعض يزعم ان الفتوحات الإسلامية كانت استعمارا لا يختلف عن الإستعمار الغربى للعالم الإسلامى فى القرنين الماضيين فما ردك على هؤلاء ؟ - الفتوحات الإسلامية لم تكن استعمارا بحال من الأحوال فالمسلمون لم يكونوا - كما كان الغربيون - غزاة يسعون إلى السيطرة على الشعوب لامتصاص دمائهم ونهب ثرواتهم وانما كانوا أصحاب رسالة كلفهم الله - عز وجل - بتبليغها للناس حتى تقوم الحجة عليهم واعتقد ان هناك فارقا كبيرا بين صاحب الرسالة وبين من يريد الهيمنة والسيطرة ولا نستطيع ان نضع الفتوحات الإسلامية والاستعمار الغربى فى كفة واحدة فالاستعمار الغربى والصهيونى ارتكب مذابح ومجازر فى العصر الحاضر تفوق بشاعتها ما ارتكبه التتار والصليبيون فى الماضى ويكفى الحضارة الغربية انها كانت وراء حربين عالميتين أدتا إلى قتل وجرح ملايين الناس. ـ ما هو النموذج الذى يجسد تلك الحقائق ؟ - النماذج كثيرة فكل البلاد التى فتحها المسلمون طبقوا فيها تلك المبادئ ولم يقتلوا ولم يدمروا أو يخربوا ولم يجبروا أتباع الديانات الآخرى على اعتناق الإسلام وانما كانوا يعرفونهم بالإسلام ويدعونهم للدخول فيه ثم يتركون لهم حرية اتخاذ القرار لأنهم التزموا بقوله - تعالى - «لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى» واستطيع أن اذكر لك نموذجا قريبا من تخصصى فحينما تم الفتح العربى لايران زالت كافة الحواجز والسدود بين البلدين واعتنق الفرس الاسلام لأنهم وجدوا فيه مخلصا لهم من الظلم والطغيان الذى شهدته الدولة الفارسية فى أواخر عهدها فعكفوا على تعلم اللغة العربية والتعرف على تشريعات الدين وكان هذا من أكبر الحوافز عندهم لاعتناق الاسلام والتفقه فيه ودراسة اللغة العربية دراسة مستفيضة شملت كافة العلوم من نحو وصرف وعروض وعلم اللغة وعلوم البلاغة فضلا عن العلوم الشرعية الاسلامية حتى خرج من صفوفهم علماء كانوا أئمة وأعلاما فى أصول وفروع هذه العلوم العربية والاسلامية، عناصر نشيطة ـ هل انعكست معاملة المسلمين تلك للشعوب التى فتحوا بلادها على عطائهم للحضارة الإسلامية ؟ - هذا صحيح فنظرا للمعاملة الطيبة ولأن المسلمين خلصوا تلك الشعوب من الظلم الذى كانت تعيش فيه سنوات طويلة فقد تفاعل أبناء تلك الشعوب مع الحكم الإسلامى وقدموا للحضارة الإسلامية خدمات جليلة وعلى سبيل المثال كان الفرس أنشط العناصر فى إثراء الحضارة الاسلامية وتراثها الخالد وكانوا أكثر شعوب العالم رغبة فى التعاون مع العرب فى شتى الميادين العلمية والادبية حتى تم تشييد صرح الحضارة الاسلامية على هذا النحو المشترك وقد ظهر تأثير الثقافة الفارسية بوضوح فى البناء الحضارى الاسلامى الذى ساهم فى إنشائه عدد من علماء الفرس لاسيما فى العصر العباسى الأول الذى يطلق عليه المؤرخون (عصر الاسلام الذهبى) الذى أخذت العلوم تقنن وتدون فيه وتعرف طريق الاستقرار. ـ ما أهم ما قدمه الفرس للحضارة الإسلامية ؟ - نتاج الفرس فى إثراء الحضارة الاسلامية تمثل فى نتاج المعربين من الفرس الذين اكتسبوا اللسان العربى حيث أنهم ساهموا مساهمة فعالة فى إنشاء الحضارة الاسلامية سواء فيما يسمى بالعلوم الدخيلة مثل العلوم العقلية كالفلك والرياضة أو العلوم الاسلامية التى استكملت أسباب نضجها وكمالها وتعددت فروعها واستقرت أحكام كل فرع منها مؤكدة ان العلم أول وسيلة استخدمها الايرانيون للمشاركة فى الحكومة الاسلامية قبل أن يستخدموا السياسة ومن أهم العلوم والمهارات التى نمت وتقدمت على ايدى رجال أنتجتهم إيران النحو والرائد فى هذا المجال سيبويه المتوفى سنة 160 هجرية وفى الأدب نثره وشعره ابن المقفع المتوفى سنة 142 هجرية وبشار بن برد المقتول سنة 358 هجرية وبديع الزمان الهمذانى المتوفى سنة 398 وغيرهم وفى التفسير الطبرى المتوفى سنة 310 هجرية وتلميذه الثعالبى النيسابورى المتوفى 429 هجرية وفخر الدين الرازى المتوفى سنة 606 هجرية وفى الحديث كان من المعربين من الفرس الإمام البخارى والامام مسلم والترمذى وأبو داود والسجستانى والنسائى وجميعهم من أهل إيران وفى علم الفقه الإمام أبوحنيفة مؤسس احد المذاهب الإسلامية الكبرى فهو بدوره من أصل فارسى وقد أحل فى الفقه الرأى والقياس واستطاع بذلك أن يجعله علما له أسس وقواعد كسائر العلوم وفى الرياضة والعلوم العقلية الخوارزمى المتوفى 235 هجرية وقد وضع كتبا وبحوثا مبتكرة وقد لاقى كتابه الجداول الفلكية نجاحا كبيرا وتعبير الخوارزميات اليوم هو التحليل للمسائل الرياضية والمدخل الأساسى الى علم البرمجة فى الحسابات الإلكترونية والبيرونى المتوفى 440 هجرية الذى يعد أكبر عقلية فى الإسلام وله العديد من البحوث العظيمة والكتب القيمة وفى الطب محمد بن زكريا الرازى وعلى بن عباس المجوسى وابن سينا المتوفى 428 هجرية وقد اعتمد الغرب اعتمادا كليا على كتابه القانون فى الطب وفى الفلسفة يتقدم أيضا ابن سينا الذى حصل علومه ومعارفه جميعها فى بخارى ومنها اكتسب هذه الثروة الفلسفية العظيمة التى توارثها عنه العالم طوال القرون وفى الحكمة وعمق التفكير والتصوف نجد الإمام أبو حامد الغزالى المتوفى 505 هجرية الذى يعد إمام المسلمين على الإطلاق ومؤلفاته العديدة صورة كاملة للحالة العلمية والثقافية الإسلامية فى أسمى مظاهرها أيضا كان لعلماء الفرس باع كبير وإسهامات عظيمة فى علم الفلك والتنجيم وظهرت لهم العديد من المؤلفات التى بهرت اوروبا والحضارات الحديثة ولا يفوتنا أن نذكر دور العلم والثقافة فى العصر السلجوقى والمتمثل فى المدارس النظامية التى أسسها نظام الملك المتوفى 485 هجرية فى بغداد والموصل والبصرة ونيسابور ومرو وهراه وبلخ وطوس واصبهان فالمدارس النظامية لعبت دورا هاما فى التطور الفكرى والتقدم العلمى فى ذلك الوقت بفضل مشاهير العلماء. ـ هل هذا يؤكد عالمية الحضارة الإسلامية وانها كانت موجهة للعالم كله وشاركت الشعوب المختلفة فى بنائها ؟ - بالفعل هذا يؤكد عالمية الحضارة الإسلامية وتأثيرها فى النهضة الأوروبية وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال تبنى أوروبا المناهج العلمية التى قدمها علماء المسلمين كما كانت الجامعات الإسلامية الممثلة فى المساجد الجامعة والتى نقلت من خلالها الفكر الإسلامى من خلال العلماء المسلمين سببا فى قيام الجامعات الأوروبية والتى هزت بأفكارها المجتمع الأوروبى كله وكانت سببا فى عملية التغيير الحضارى الذى شهدته أوروبا فى نهضتها وأقامت عليه تفوقها الحضارى فى العصور الحديثة.