الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 تمثل الثورة التكنولوجية الرهيبة التي يعيش العالم في خضمها. بداية حقيقية لعصر جديد في مسيرة التاريخ! ولاشك أن هذا العصر الجديد يضعنا أمام تحديات هائلة سياسيا واقتصاديا وإجتماعيا وثقافيا وعلميا وتكنولوجيا. تحديات بالغة الكم والكيف والتوزيع والتوجيه. وهي أيضا بالغة الأثر على الأمة الإسلامية من حيث إستمرار البقاء. وإحتلال موقع على الخريطة الحضارية المعاصرة. وتجنب التخلف في الدروب الخلفية للتاريخ! حول هذه القضية المهمة..يقدم لنا كل من: د. إبراهيم جميل بدران ود. علي علي حبيش.. كتابهما المشترك: «نحو حضارة إسلامية أساسها الإيمان والعلم». قطيعة موهومة يتحدث الكتاب في البداية عن التعليم في الإسلام مؤكدا أنه يمثل أعظم تجربة رائدة عرفتها البشرية في سبيل حياة أفضل. واقوم طريق أمام أبناء العالم الإسلامي اليوم لمواكبة ركب التقدم العلمي وإسترداد سالف رسالتهم في خدمة الحضارة الإنسانية.. ذلك أن هذا التعليم استطاع أن يقضى على القطيعة الموهومة بين الدين والعلم.. تلك القطيعة التي سلبت الإنسانية قديما ـ كما تسلبها اليوم أسباب الطمأنينة والسعادة . لقد جاءت تعاليم الإسلام تنادي أن مصدر الحقيقة الدينية والعلمية إنما هو الله الواحد الحق.. ومن ثم فالحق واحد لا يتعدد.. وإنما تتعدد الأهواء والنوازع التي لا تسترشد بهدي الدين أو بنور العلم.. قال تعالى في سورة يونس: «فذلكم ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال». ودعم القرآن الكريم تلك السمة الجليلة التي اتسم بها التعليم في الإسلام.. حيث أكد الله سبحانه وتعالى بعث محمد صلى الله عليه وسلم معلما وهاديا للحق.. فقال عز وجل في سورة البقرة: «كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون». وإذا كان الإسلام قد أنهى عملية القطيعة بين الدين والعلم.. فإن الإيمان في ظل الشعور الإسلامي إنما يربو ويرسخ بنشر التعليم بين البشر وإزاحة كابوس الجهل وظلماته عن آفاق بلاد مكبلة في أغلاله. ويتضح الفرق بين التعليم في الإسلام وغيره في ظل الأديان الأخرى.. حين نرى ما بذله رجال الدين في العصور القديمة والوسطى لاستبقاء الجماهير في أغلال الجهل حين أحسوا أن سلطانهم إنما يزول بقدر ما تستنير الشعوب.. وأي ظلم إنما يتقلص بطلوع شمس العلم والمعرفة. وأما الإسلام فيرى أن الاستزاده من العلم.. إنما تؤدي إلى تقوى الله وخشيته.. وهي جوهر الإيمان وروحه.. ذلك يتأكد من قول الله عز وجل في سورة فاطر: «إنما يخشى الله من عباده العلماء».. وأن الراسخين في العلم.. إنما هم من الشهود على وحدانية الله سبحانه وتعالى وتفرده بالألوهية. علوم الصدارة وينتقل بنا الكتاب إلى مناقشة رؤية شاملة لحضارة إسلامية علمية حديثة.. موضحا أن الفارق الحضاري بين الدول المتقدمة والدول الإسلامية يرجع إلى التقدم الهائل الذي أحرزته المجتمعات المتقدمة في التكنولوجيات الجديدة والمستحدثة وعلوم الصدارة.. خصوصا في علوم الحاسب والإتصالات والنظم الإلكترونية وتطبيقاتها التي شملت كافة نواحي الأنشطة الحياتية.. وتداخلت بعمق شديد في كافة الأنشطة الصناعية والتجارية والخدمية والثقافية والترفيهية والاجتماعية وغيرها.. كما أصبحت تشكل حضارة جديدة ذات أسس ومفاهيم مستحدثة تغاير وتختلف تماما عما عهدته البشرية في ماضيها البعيد والقريب. ومن المسلم به أن هذه المفاهيم والأسس الجديدة أصبحت وستظل هي الحاكمة في تقدم المجتمعات وتطورها الاقتصادي والأيديولوجي والاجتماعي لعقود مقبلة.. مما ينذر بنشوء عادات وتقاليد وأصوليات مستحدثة تحكم الأنشطة المختلفة في كافة نواحي الحياة.. يضاف إلى ذلك ما أضافته هذه التكنولوجيات من إتصال وشفافية معلوماتية بين أرجاء العالم بما يدعونا إلى توقع أن ينقسم العالم إلى ثلاثة أنواع من المجتمعات. النوع الأول: ويضم المجتمعات التي إستطاعت إنتاج وإتقان وإكتساب التكنولوجيا الحديثة في علاقة ديناميكية فريدة لم تشهدها الإنسانية من قبل.. تنتهي إلى دينامية أكتشاف التكنولوجيا الحديثة وتطويرها والتقدم بها.. وتوفير قاعدة متينة لها تعمل ضمن معادلة متكاملة بين البحث وعلاقاتها لتعمل على تكوين مجتمع جديد يختلف كل الاختلاف عن المجتمع الراهن. النوع الثاني: ويضم المجتمعات التي تعمل على إمتلاك التكنولوجيا الحديثة في إطار سياسة معينة تتفق مع احتياجات الدولة التي تملك القدرة على تحديد الأولويات والإنتقاء والتفاوض والحصول على التكنولوجيا المناسبة.. كذلك تملك هذه المجتمعات القدرة على تطوير وتطويع التكنولوجيا ضمن شروط تنموية معينة ترمي إلى تعميم فوائدها ومكتسباتها على جميع أنشطة المجتمع. النوع الثالث: ويضم المجتمعات التي تكتفي بأن تستورد المنتجات والأدوات المختلفة للتكنولوجيا الحديثة.. دون الأخذ في الاعتبار مدى مطابقتها وملاءمتها بيئيا.. ودون العمل على توطينها أو الابتكار فيها وإستغلال طاقاتها بالكامل.. إنها مجتمعات منعزلة غير قادرة على المساهمة في تطوير التكنولوجيا وإستخدامها بكفاءة كبيرة. ويقع عدد غير قليل من الدول الإسلامية في النوع الثالث وعدد ليس كبيرا في النوع الثاني.. أما العالم المتقدم فتنتمي مجتمعاته بلاشك إلى النوع الأول. وبناء على ذلك.. فسوف تستمتع كل من مجتمعات النوع الأول والثاني بثمار النمو التكنولوجي العالمي.. بينما تزداد غربة مجتمعات النوع الثالث إلى الدرجة التي تنذر بإضمحلالها وإندثارها مع الوقت تحت ضغط الفقر والجهل إلى الحد الذي ينتهي إلى التلاشي في المستقبل القريب إذا لم تلاحق ما يحدث في العالم. فرق كبير وتحت عنوان «الفجوة بين الدول الإسلامية والدول المتقدمة» يبين الكتاب أن النمو الاقتصادي يعتمد اليوم على إستدامة الحفاظ على العلم والتكنولوجيا. ولا يوجد سبيل لتخطي الفجوة بين دول الشمال ودول الجنوب.. ومن بينها الدول الإسلامية..وتحقيق التقدم والرفاهية لشعوب الأمة الإسلامية.. إلا من خلال الإستخدام المكثف للعلم والتكنولوجيا في برامج التنمية الاقتصادية. وتحظى الدول المتقدمة في الوقت الراهن بنمو اقتصادي غير مسبوق وتتسع الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية أو بين الدول السريعة والدول البطيئة.. ويعذى كل من النمو والفجوة إلى فرق كبير في إتقان إنتاج وإستخدام العلم والتكنولوجيا.. بمعنى أن المنجزات العلمية والتكنولوجية للدول المتقدمة تحركت بسرعة وبمهارة فائقة وتحولت إلى سلع وخدمات.. بعكس الدول النامية التي لم تستطع إتقان إنتاج وإستخدام العلم والتكنولوجيا. وليس بغائب عن أحد أن الدول المتقدمة تبنت لزمن طويل إنشاء قاعدة عريضة ومكثفة للعلم والتكنولوجيا. وركزت على تعليم الخريجين وطلبة الدراسات العليا. وإهتمت بالتدريب.. وتبادل الأساتذة الزائرين القادرين على تكوين وتنمية الموارد البشرية.. وهذا التركيز على البشر والبنية التحتية كان وراء إنشاء الجهاز القومي للإبتكار.. والذي يرتبط ويتكامل مع برامج التنمية القومية في كل بلد من بلدان العالم المتقدم. ولاشك أن الثروة الحقيقية لبلد ما لا تقبع في مواردها الطبيعية.. ولكن في جودة العلم والقدرة على إستخدام المعرفة الناتجة عنه.. خصوصا من خلال تطبيق العلم والتكنولوجيا في عمليات التنمية القومية. فمثلا لا تملك اليابان أي موارد طبيعية.. ولكن أنشأت ما يزيد عن 120 جامعة في طوكيو وحدها. وعندها مايزيد على الألف جامعة منتشرة في أنحاء اليابان.. ونتيجة لهذا ومن خلال التقدم التكنولوجي.. تحولت اليابان إلى عملاق اقتصادي.. وما يدل على ذلك أن عدد البراءات الممنوحة لليابان اليوم تزيد عن خمسة أضعاف الممنوحة للولايات المتحدة. يذكر أيضا أن اليابان تنفق وحدها 1866 مليار دولار أميركي على البحث والتطوير.. أي بما يعادل 3% من إجمالي الناتج القومي في اليابان.. هذا مقابل 45 مليارات دولار أميركي تنفقها جميع الدول الإسلامية (57 دولة) على البحث والتطوير. ومما يذكر في مسح قام به فريق في معهد فيلادليفيا للمعلومات العلمية لـ 25 دولة تمثل القمة في البحوث الأصلية والدراسات المتميزة. وفيه تبين أن الولايات المتحدة أحتلت المركز الأول. وجاءت الهند في المركز الثامن.. وإسرائيل في المركز الخامس عشر.. ولم تحظ أي من الدول الإسلامية بأي مركز من المراكز الـ 25 يؤيد ذلك أن مائة ألف كتاب علمي ومليوني بحث يتم نشرها سنويا.. في حين أن مساهمة العالم الإسلامي في ذلك لا يتعدى الألف. ثقافات معوقة ويتوقف بنا الكتاب أمام عناصر التخلف في الدول الإسلامية مشيرا إلى أن التحدي الحضاري الذي يواجه الحكومات في الدول الإسلامية يكمن في الأوضاع الحالية لهذه المجتمعات والتي وأن كانت تعزى إلى مسببات مختلفة لكل مجتمع إلا أنها تتفق كليا أو جزئيا في الظواهر الآتية: ـ تعداد سكاني متنام بما يمثل عبئا على اقتصاديات هذه الدول. ـ ثقافات معوقة وعادات اجتماعية قديمة. ـ إنتشار الأمية التعليمية والثقافية.. كما أن نسبة التعليم المهني والفني والجامعي متدنية. ـ عدم ملاءمة نظم التعليم والتدريب المتبعة لمتطلبات العصر. ـ سوء توزيع الثروة وتواجد فجوة طبقية وإجتماعية واسعة.. وفروق واسعة بين الريف والمدينة. ـ معدل دخل قومي متدن. ـ أنشطة صناعية وخدمية متخلفة تفتقر إلى الجودة والدقة والإلتزام الزمني.. كما أن هناك نسبة عالية من العمالة في القطاع الزراعي متدني العوائد.. التركيز على التعدين غير المتجدد.. الصناعة التحويلية ضعيفة، معدل إنتاج الفرد قليل عامة. ـ نظم إدارية تتسم بالبطء ونقص الكفاءة. ـ لوائح وقوانين تتسم بالبيروقراطية والتخلف. ـ غياب الإستراتيجيات والرؤى البعيدة المدى لخطط التقدم والتنمية. ـ بنية أساسية ليست على المستوى الملائم للأنشطة التكنولوجية المطلوبة. ـ أزمات اقتصادية ناشئة عن ضعف الإنتاج والعجز عن إجتذاب إستثمارات حديثة. ـ نسبة عالية من الصادرات مواد خام رخيصة. ونسبة عالية من الواردات سلع مصنعة غالية. ـ هيمنة القطاع العام والحكومة على المقدرات الاقتصادية.. نسبة عالية من العمالة تعمل في القطاع العام.. قصور في التكامل الرأسي والافقي لهيكل الإنتاج.