الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 يعد الأستاذ الدكتور حسين مجيب المصري الأستاذ بكلية الآداب جامعة عين شمس من رواد الأدب الاسلامي في العالم الاسلامي فهو واحد من الذين وضعوا أسس هذا الأدب وأخرجوه من الظلمات الى النور. وللدكتور مجيب المصري دراسات عديدة مقارنة لاتقانه اللغات التركية والفارسية والاردية بالاضافة الى العربية وقد تناول العديد من الظواهر الاجتماعية عند الشعوب الاسلامية من خلال دراسة آدابها وأشعارها. كما ان له معرفة كبيرة بالتصوف عند الشعوب الاسلامية بالاضافة الى أنه يدرس هذه المادة لطلابه في جامعة عين شمس في مرحلة الليسانس والدراسات العليا. وفي هذا الحديث يوضح رؤيته للتصوف وفائدة تدريسه للشباب وكيف تناولت آداب الشعوب الاسلامية المبادئ والقيم الصوفية ثم كيف يمكننا في الوقت الحالي الاستفادة من التصوف والنهوض به. ـ كيف تنظرون الى التصوف؟ وكيف تأثرت أشعار البلاد الاسلامية وادابها به؟ ـ التصوف في حقيقته مستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية ولكنه تأثر فيما بعد بتيارات وافدة عليه. والتصوف الحق موقعه التقوى أي أن من رق قلبه بالاسلام وملأ الايمان رحاب نفسه وأكثر من القيام والصيام وسائر العبادات فإن مثل هذا الشخص يرق قلبه بمحبة الله والتصوف بذلك هو ما يبلغه المؤمن الموقن إذا أخذ بتعاليم التصوف كالزهد والورع والصبر وغير ذلك من مبادئ التصوف وهي كلها عريقة في اسلاميتها وقد تواردت الأدلة على أن التصوف هو التقوى في أقصى مراحلها. ويحضرني هنا رأي الشاعر الباكستاني محمد اقبال الذي دعا الصوفية الى عدم الانعزال عن الدنيا أو الانكماش والتقوقع حول الذات بل بالايجابية والمشاركة في قضايا المجتمع. ويرى محمد اقبال أن التصوف هو ما أمر الله به من السعي في مناكب الدنيا والعمل الذي يعود بالنفع على الناس جميعا ويشير الى أن هناك نوعا من التصوف يسميه بالتصوف العجمي ـ أي التصوف الذي يدعو الى السلبية والانعزال ـ وهذا يكرهه محمد إقبال وقد هاجم الشاعر الايراني حافظ الشيرازي الذي يعد من أكبر شعراء الفرس ويعتز به الايرانيون اعتزازا لا غاية بعده - لأن شعره يدعو الى ترك الدنيا والتواكل والعيش في سلبية مطلقة وقد عرض هذا الهجوم إقبالا لغضب الفرس لأنه انتقد شاعرهم الذي يحبونه. وقد أورد الشاعر محمد اقبال في دواوينه كثيرا من مصطلحات التصوف وهو صوفي كأبي حامد الغزالي مثلا الذي يشتق تصوفه من القرآن والسنة. ومن شعر إقبال: أنا هندي عن الفرس غريب وهلال ليس لي خمر تطيب أيضا يرفض اقبال أن يرمز الى المعرفة بالخمر أو القول بأن المعرفة تنبعث منها كما ينبعث النور من الشمس ويريد اقبال من الصوفي أن يكون في حضرة الله بقلبه. وقد انبثق من الشعر التركي يضيف د.مجيب شعرا صوفي فقد رحل الى الأناضول في أواخر القرن الثاني عشر الصوفي المعروف جلال الدين الرومي. وهناك اجتمع المريدون حوله من الترك كما رحل من خراسان ومن بلاد ما وراء النهر كثير من الصوفية أمام غزوات المغول واستوطنوا الأناضول ونشروا تعاليمهم فكثرت التكايا وأصبح التصوف تيارا يغمر نفوس الترك فظهر فيهم شاعر أمي يدعى يونس أمره ترنم بنشوة الشعر الإلهي والصوفي والمدافع النبوية ويعتز الترك بهذا الشاعر اعتزازا كبيرا كما أن سلطان حفيد جلال الدين الرومي أول من نظم كتابا بعنوان «رباب نامة» شرح فيه طريقة أبيه الصوفية المعروفة باسم الطريقة المولوية وشعراء الترك من بعده جميعا ودون استثناء تأثروا بالتصوف وأوردوا مصطلحاته في أشعارهم حتى تلك القلة من الشعراء الذين لم يعرفوا من سيرتهم أنهم من الصوفية إلا أنهم ذكروا مصطلحات التصوف على أنها من التقاليد الأدبية التي لم ينفكوا عنها وتأثر الشعر التركي القديم بالتصوف لمدة ستة قرون حتى ظهر التجديد في الشعر التركي فنبذ كثير من الشعراء أقوالهم في التصوف وقلدوا الشعراء الفرنسيين. وفي فارس ظهر التصوف في الشعر في عصور متأخرة نسبيا وكثر الصوفية وتضمنت أشعارهم مصطلحات التصوف والمدائح ومنهم الشاعر حافظ الشيرازي وهو شاعر رقيق عبر عن مصطلحات التصوف بطريقة شيقة حتى أن الفيلسوف الألماني جوته تأثر بشعره لما رأى منه من رمزية معجبة وروحانية شاعرة واذا التفتنا الى الأدب الأردي رأينا أنه هو الآخر ـ أدب ديني صوفي لأن أهل الهند تأثروا بالشعر الفارسي وكانت معظم أشعارهم ناطقة عن التصوف. أما العرب فنحن لا نعرف أنهم عرفوا التصوف إلا في عصور متأخرة نسبيا كالقرن الثالث الهجري مثلا ومع ذلك فالشعر العربي لم يتأثر بالتصوف كما تأثر الشعر الفارسي والتركي وشعراء التصوف من العرب ليسوا من المشاهير والفرق بعيد بين روعة الشعر الصوفي عند الفرس والترك والهند وبين الشعر العربي ولعل أشهر شعراء التصوف في العربية هو عمر بن الفارض وشعره مفعم بمصطلحات التصوف في آخر مراحلها إلا أن شعره لا يعد من أروع ما قال شعراء العربية. الدعوة الى الزهد ـ وما أهم القضايا التي تناولها شعراء الصوفية في أشعارهم؟ ـ تناول الشعراء الصوفيون قضايا عديدة منها الدعوة الدائمة الى الانصراف عن الدنيا لأنها دار فناء وأنها دار ممر وليست دار مقر وكذلك الدعوة الى الفقر أو الزهد الذي لا يعني خلو اليد من الشئ بل خلو القلب من الرغبة في الشئ وأيضا تضمنت أشعارهم الدعوة الى الورع والقناعة وعدم السلبية وهؤلاء الشعراء لهم مثاليات لا غبار عليها لكن بعضهم أسرف في ذلك ومال الى رفض الدنيا رفضا تاما وهذا خطأ لأنه يتعارض مع صريح القرآن الكريم. ـ كيف نستطيع النهوض بالتصوف في الوقت الحالي ونجعله في خدمة مجتمعاتنا؟ ـ للتصوف مثالياته المستمدة من الاسلام الحنيف ويمكن أن نطلق على التصوف في عصرنا هذا التقوى في ذروتها ولعل مجتمعاتنا الاسلامية في أمس الحاجة الى هذه التقوى حتى يؤدي كل عامل وكل موظف عمله بأمانة واتقان وعدم تضييع وقت العمل فيما لا يفيد والتصوف بهذا المعنى جميل وينبغي العمل على نشر مبادئه بقدر الامكان وغرسها في نفوس المسلمين. الايجابي والسلبي ـ يتضح من حديثكم أنكم تركزون على التصوف الايجابي الذي يدعو الى الانخراط في المجتمع وتنهون عن الانعزال أو التصوف السلبي؟ ـ نعم نحن نريد أن يكون التصوف ايجابيا حتى يستمر ويبقى ولا تندثر تعاليمه ومبادئه أما الانعزال والبعد عن الناس فلن يستفيد منه أحد فيجب على الصوفي أن يختلط بالناس ويكون قدوة في كل أعماله وتصرفاته. ـ أنتم تدرسون التصوف للشباب فماذا يمكن أن يستفيد الشباب منه؟ ـ الشباب إذا درس وقرأ التصوف واقتنع بمثالياته فإن ذلك فتح لباب الخير ويجب على هؤلاء الشباب أن يفهموا التصوف على أنه التقوى والتقوى محببة وواجبة ودراسة التصوف من شأنها أن تهذب أخلاقيات الشباب وترقق قلوبهم فيحترمون الكبار ويساعدون الضعفاء ويبذلون الخير في كل مجال وهذا من شأنه أن يعيد الصورة المثالثة لمجتمعاتنا. ـ قلتم إن التصوف مصدره الكتاب والسنة ولكن بعض الغلاة والمتشددين يقولون أن مصدر التصوف غير إسلامي أو أنه تأثر ببعض الفلسفات الهندية والفارسية وغيرها.. فما رأيكم في ذلك؟ ـ بعض المستشرقين يزعمون أن للتصوف مصادر غير إسلامية وقد ناقشنا ذلك أكثر من مرة وقلنا أن التصوف مشتق من القرآن الكريم والحديث النبوي لكن دخلت عليه تيارات من عقائد غير اسلامية تأثر التصوف الاسلامي بها لكن ذلك لا ينفي عن التصوف الصفة الاسلامية. ـ هل نستطيع القول أن التصوف أوجد مدرسة أدبية كسائر المدارس الأدبية الأخرى؟ ـ طبعا فالشعر التركي القديم معظمة شعر صوفي كما أن روائع الشعر الفارسي والأردي هي من القصائد والدواوين الصوفية لكن هذا الشعر قد يقرأ على أنه شعر رمزي وأنه له معان ظاهرة وباطنة وقريبة وبعيدة فالشاعر الصوفي الذي يتغزل في امرأة وهو يريد ـ في الأصل ـ الله عز وجل يمكن أن يفهم شعره على أنه صوفي أو على أنه غير صوفي فإذا فهمناه على أنه خيال يكون بذلك شعرا رمزيا جميلا لكن إذا فسرناه على المعاني الصوفية إذا كانت معاني لها رموز فإن ذلك يكون تيارا يشكل مدرسة أدبية صوفية. وهذه المدرسة يشكلها ـ في الأساس ـ الشعر التركي والأردي والفارسي القديم بالذات كما نلاحظ وجود المبادئ الصوفية عند بعض الكتاب والفلاسفة والشعراء الغربيين نرى ذلك عند الشاعر الألماني ايفرت والشاعر الانجليزي بليك كان شاعرا صوفيا لكن صوفية بمعنى روحانية رمزية خاصة لكن في الوقت الحاضر قد لا نجد من يقول شعرا صوفيا يعبر فيه عن محبة المسلم التقي للذات الالهية وسر اهتمام المستشرقين بالتصوف هو أنه مجال مفتوح للدراسة تبين روحانية الشرق والتصوف نادر في اللغات الأوروبية لكنه قديم في اللغات الاسلامية؟ ـ كيف نستطيع نشر القيم الصوفية في الوقت الحاضر؟ ـ تستطيع وسائل الاعلام أن تقوم بدور كبير في هذا الصدد على أن نعمل أولا على إزالة سوء الفهم عند بعض المسلمين للتصوف والمتصوفة وأن نعرفهم أن التصوف ما هو إلا بمثابة مثاليات اسلامية في أعلى ذروتها.