الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 سورة «الأنعام» من السور التى اهتمت بضرب الأمثال، لأن الأمثال من شأنها أن تقرب الحقائق الى القلوب، فهى تسوق الشئ الخفى فى صورة أمر واضح خفى، وصدق الله إذ يقول : «وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون» وفى آية أخرى : «ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون» وفى اية ثالثة : «وتلك الأمثال نضربها للناس ومايعقلها إلا العالمون» ومن الأمثال التى جاءت فى سورة : «الأنعام» لبيان حال المؤمن والكافر قوله ـ تعالى ـ : (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها، كذلك زين للكافرين ماكانوا يعملون» (الآية : 122) والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ لأولئك الذين أشركوا مع الله ـ تعالى ـ فى العبادة آلهة أخرى . والتقدير : أأنتم ـ أيها المؤمنون ـ مثل أولئك المشركين الذين يجادلونكم بغير علم، وهل يعقل أن من كان ميتا فاحييناه، وجعلنا له نورا عظيما يمشى به فيما بين الناس آمنا، كمن هو منغمس فى الظلمات ولايريد بسبب جهله وعناده أن يخرج منها ؟ فالآية الكريمة تمثيل بليغ للمؤمن وللمشرك، والمقصود منها تنفير المؤمنين من طاعة المشركين، بعد أن نهاهم ـ سبحانه ـ صراحة عن طاعتهم قبل ذلك فى قوله ـ سبحانه ـ : «وإن أطعتموهم إنكم لمشركون» لقد شبه الله ـ تعالى ـ فى هذه الآية المؤمن المهتدى إلى الحق، بمن كان ميتا وفاقدا للحياة، فأحياه الله ـ تعالى ـ بفضله وإحسانه، وأعطاه نورا يستضئ به فى مصالحه ، ويهتدى به إلى طرقه المستقيمة .. وشبه الكافر الضال عن الحق، بإنسان منغمس فى الظلمات، فهو يتخبط فيها، وهو على الدوام فى حيرة من أمره، ولايهتدى إلى الطريق المستقيم، فكيف يتساوى من هذا شأنه، مع إنسان آخر بيده النور الذى يضئ له طريقه؟! والمقصود بالنور فى الآية الكريمة : القرآن أو الإسلام . والمقصود بالظلمات : الكفر والجهالة وعمى البصيرة، و شبيه بهذه الآية قوله ـ تعالى ـ : 0ومايستوى الأعمى والبصير . ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور . ومايستوى الأحياء ولا الأموات ... (سورة فاطر : الآيات 19 ـ 22) . وقوله ـ سبحانه ـ : «كذلك زين للكافرين ماكانوا يعملون » : توبيخ آخر لأولئك المشركين الذين زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا . أى : مثل ذلك التزيين الذى تضمنته الآية الكريمة، وهو تزيين وتحسين نور الهداية للمؤمنين، وتزيين وتحسين ظلمات الشرك للضالين، زين للكافرين ماكانوا يفعلونه من عداوة للحق، ومن تحليل الحرام، ومن تحريم الحلال . 3ـ ثم أضاف ـ سبحانه ـ إلى هذا المثل مايزيد النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأتباعه إيمانا على إيمانهم، وثباتا على ثباتهم فقال : «وكذلك جعلنا فى كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها، ومايمكرون إلا بأنفسهم ومايشعرون» ولفظ «أكابر» جمع أكبر . والمقصود بهؤلاء الأكابر فى الآية لكريمة، زعماء لكفر، ورؤساء الشرك، الذين يحاربون لرسل والمصلحين، ويأمرون أتباعهم بالإبتعاد عن هؤلاء الأخيار . ولفظ «مجرميها» مأخوذ الإجرام بمعنى ارتكاب القبائح، وتعمد الإفساد فى الأرض، والإعتداء على أنفس الناس وأموالهم وأعراضهم ، والإنقياد للباطل، ومحاربة الحق . 4ـ والمعنى : وكما جعلنا ـ أيها الرسول الكريم ـ فى قريتك مكة التى بعثت فيها، رؤساء وزعماء يجاهرون بعداوتك، ويحاربون من دعوتك .. جعلنا ـ أيضا ـ فى كل قرية من قرى الرسل السابقين رؤساء وزعماء مشركين» كانوا يحاربون رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم، ويصفونهم تارة بالجنون، وتارة بالسفاهة، وتارة بالسحر، وتارة بغير ذلك من الرذائل التى برأ الله ـ تعالى ـ هؤلاء الرسل الكرام منها . وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله ـ تعالى ـ فى آيات أخرى : «كذلك ماأتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون . أتوا صوان ؟ بل هم قوم طاغون . فتول عنهم فما أنت بملوم. وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين» (سورة الذاريات : الآيات : 52 ـ 55) . وقول ـ سبحانه ـ : «ليمكروا فيها» بيان لمظهر من مظاهر إجرامهم وإصرارهم على محاربه الرسل الكرام . أى : جعلناهم على هذه لصفة من الإجرام لأنهم زاغوا عن الحق بإختيارهم، ولأنهم كانوا إن يرو سبيل الرشد لايتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه، فصاروا بسبب هذا السلوك الذميم، يعتدون على الرسل، ويظنون بهم السوء، ويضمرون لهم الشر والأذى و .. وخص ـ سبحانه ـ الأكابر بالمكر، مع أن غيرهم قد يعادى الرسل، لأن هؤلاء الأكابر هم الذين كانوا يحملون لواء الضلال، وهم الذين كان الضعفاء يتبعونهم فى فجورهم وشرورهم . ثم ختيم ـ سبحانه ـ الآية الكريمة بقوله : «ومايمكرون إلا بأنفسهم ومايشعرون» أى : ومايمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل والمصلحين فى كل وقت من الأوقات إلا بأنفسهم، حيث يعود ضرر هذا المكر السئ عليهم وحدهم وليس على أحد سواهم، ولكنهم لانطماس بصائرهم، لايشعرون ولايحسون بأن مكرهم السيئ عليهم ضرره، بل يتوهمون أنهم مهتدون، وذلك لأنهم فقدوا الشعور بالفضائل التى يشعر بها كل عاقل . فالجملة الكريمة تسلية للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبيان لسنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن المكر السئ لايحيق إلا بأهله، وفى ذلك بشارة للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولأتباعه بالنصر على هؤلاد الماكرين