الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 كثيرة هي الدول التي أسستها العناصر التركية في ديار الإسلام ولكن تبقى من بينها دولتان هما الأبعد أثرا والأعظم في هذه الدول جميعا وهما ولاشك دولة السلاجقة العظام ، التي حكمت إيران والعراق والأناضول والدولة العثمانية التي ترامت أراضيها بين ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا. والحقيقة التاريخية المسلم بها أن إنتصار السلاجقة العظام على الجيوش البيزنطية في موقعه ما نركرد «1071» م قد أتاح الفرصة أمام تدفق قبائل الترك للإستيطان على هضبة الأناضول بعد فرار البيزنطيين من مناطق الحدود هلعا ورعبا من الهزيمة النكراء التي منوا بها في هذه الموقعة. وقد نجحت إحدى هذه القبائل التركية تحت قيادة شيخها عثمان في التوسع على حساب الولايات المتحدة التركية التي كانت تدين بالولاء لبقايا السلاجقة في الأناضول «سلاجقة الروم»، وسرعان ما سيطرت على هضبة الاناضول ثم قفزت إلى البر الأوروبي بعد نجاح محمد الفاتح في دخول القسطنطينية وإطلاق رصاصته على مسيرة الفنون التركية وخاصة في عهد الدولة العثمانية، ولم يكن فن التصوير ليستثنى من هذا الاتجاه الذي تميز دوما بضعف التأثيرات الآسيوية أمام زحف التقاليد الأوروبية كلما اقتربنا من العصور الحديثة. وقد عبرت الموروثات الآسيوية عن نفسها في فن التصاوير من خلال رافدين رئيسيين الرافد الأول هو تراث الفن التصويري الذي خبره أتراك الأويفور خلال إتصالهم الوثيق باتباع الديانات البوذية والمانوية في شرق آسيا، ومن أجمل الأمثلة الدالة على هذه الحقيقة تلك التصاوير التي تركها مصور أيغوري الأصل وهو المعروف باسم محمد سياه قلم أو محمد صاحب القلم الاسود وتمتاز تصاويره التي جمعت في مرقعة ألبوم محفوظ بمتحف طوبقا بين الترك الجوابين في سهوب آسيا فهو يرسم أشخاصاً في هيئات غربية وملابس رثة ويصور أيضا عفاريت من الجن مقيدة في سلاسل وقد سخرت لحمل صناديق الأمتعة فضلا عن عدة تصاوير تجسد بعض مناظر الحياة اليومية المألوفة في حياة البدو الرحل. أما الرافد الآسيوي الثاني فقد جسده الفنانون الإيرانيون ، فقبل فتح القسطنطينية كان الإتجاه السائد في البلاط العثماني هو إستدعاء الفنانين من إيران للعمل في تزويق المخطوطات بالتصاوير بل وفي كتابة هذه المخطوطات باللغة الفارسية، ولا عجب أن نرى التصوير الإسلامي في تركيا خلال السنوات الأولى من عمر الدولة العثمانية مطبوعاً بطابع إيراني قوي حتى صار أهم ما يميز التصاوير التركية عن مثيلاتها الإيرانية كالعمائم والملابس التركية فضلا عن مناظر بلاط العثمانيين في القرن العاشر الهجري 16م والذي صوره شاه قولي المصور الأول في بلاط السلطان سليمان القانوني وكذلك المصور ولي جان وكان المصوران من إيران. نخلص من ذلك إلى أنه لم تكن لتركيا العثمانية في باديء أمرها مدرسة خاصة في التصوير حيث لم يكن للترك في هذا الميدان أساليب فنية موروثة إذ أنهم لم يتواصلوا مع نتاج أسلافهم في التركستان وإنما كان جل اعتمادهم أولا على مصورين إيرانيين هاجروا إلى تركيا حيث قام على أكتافهم فن التصوير التركي. وبعد فتح القسطنطينية أخذ سلاطين آل عثمان في استدعاء مصورين أوروبون إلى بلاطهم وذلك في خضم نمو العلاقات بين تركيا وأوروبا ولم يلبث الاتراك أن تأثروا بالتقاليد الفنية للتصوير الأوروبي كالتعبير عن الظل والنور وتمثيل البعد الثالث وإستخدام التجسيم ومحاكاة الطبيعة مع الإهتمام برسم المناظر الطبيعية. وما لبث التصوير التركي أن اكتسب طابعه المميز بدءا من القرن الحادي عشر الهجري 17م في ظل رعاية السلاطين للمصورين وإجتذابهم للعمل في خدمة البلاط العثماني، حيث كان هناك على الدوام مرسم سلطاني للقصر يعرف باسم نقش خانة وقد عمل المصورون وفق خطة رسمية تقضي بأن يقوم هؤلاء بتسجيل الاحتفالات والاستقبالات الرسمية التي يقوم بها السلاطين العثمانيون، وقد احتفظ لنا قصر طوبقابي باسطنبول بعدد من المحطوطات المعروفة باسم سرور نامه أو سرنامه وهي تسجل بالكلمة والصورة وقائع احتفالات عدد من السلاطين بختان أبنائهم من الذكور وتدور هذه الاحتفالات في القصر السلطاني وأيضا في الطرقات التي كانت تشهد مهرجانات شعبية تشارك فيها كافة طوائف الشعب من أرباب الحرف الذين كانوا يسيرون في مواكب لاستعراض مهاراتهم كالراقصات أو منتجاتهم اليدوية كالنساجين والصباغين والزجاجين والنجارين.. الخ. وسرعان ما امتد هذا الطابع التسجيلي التاريخي لفن التصوير التركي ليشمل تسجيل المعارك الحربية التي خاض الجيش العثماني غمارها في أوروبا مثل حصار بلغراد الشهير ومعركة فيينا ذلك بالإضافة إلى تصوير حصار محمد الفاتح لمدينة القسطنطينية قبل اقتحامها. وهناك أيضا العديد من التصاوير التركية التي يصح وصفها بالتصاوير الطبوغرافية حيث يقوم الفنان فيها برسم تخطيط ومعالم مدن شهيرة في الإمبراطورية العثمانية مثل القسطنطينية وديار بكر ومكه المكرمة. وقد إتسمت التصاوير التركية التقليدية بالجمود والمحافظة مع البعد عن التجسيم أو التعبير عن العمق وإستخدام المصور على الدوام الألوان الساطعة ولم يلجأ إلى إستخدام التدرج اللوني أو ما يسمى بالتعبير عن الظل والنور. ومع إزدياد التأثيرات الأوروبية وطغيانها وجدنا العديد من التصاوير التي حاكت في كل أساليبها وموضوعاتها لوحات الفنانين الأوروبيين، حتى كادت التقاليد الفنية التركية أن تختفي وتندثر تحت وطأة الإنبهار بالتصوير الأوروبي. ولم يقطع الإنحدار الفني سوى مصور تركي شهير دشن بجهوده مرحلة الإحياء الأخيرة لفن التصوير التركي ألا وهو الفنان عبد الجليل شلبي الذي عرف باسم لوني وهو بحق أشهر مصور تركي أنجبته بلاد الأناضول. وقد ولد هذا الفنان في مدينة أدرنه التي كانت عاصمة للدولة العثمانية قبل فتح القسطنطينية وذلك حوالي عام 1098هـ 1685م وهاجر من مسقط رأسه قاصدا العاصمة اسطنبول ليعمل في مرسم القصر السلطاني نقش خانة وهو بعد في الخامسة عشرة من عمره. وقد بدأ بالعمل في تذهيب المخطوطات حينما لم يكن هناك فصل بين مختلف فنون الكتاب من خط وتذهيب وتصوير.وبعد أن غدا مذهبا ممتازا توجه عبد الجليل إلى ممارسة فن التزويق أو التصوير حتى أصبح نقاشا أي مصورا للأشكال البشرية معترفا به في المرسم السلطاني. وتحت تأثير الإتصال بفن التصوير الأوروبي في عصر النهضة، أخذ لوني يبدي اهتماما متزايدا بفن البورتريه أو الصور الشخصية، ونظرا لمهارته الفنية اللافتة للنظر فقد انعم عليه السلطان أحمد الثالث في عام 1134 هـ 1720 م بلقب نقاش باشا أي رئيس النقاشين وأوكل إليه تصوير أهم مخطوطات هذه الفترة. ومن المرجح أن عبد الجليل شلبي الذي كان يوقع على أعماله باسم لوني قد احتفظ بوظيفته الرفيعة تلك حتى عهد السلطان مصطفى الثالث ليعاصر بذلك أربعة من سلاطين آل عثمان. وتعود أهمية لوني في تاريخ التصوير الإسلامي عامة والتركي خاصة إلى أنه أوقف تيار التأثر بالتصوير الأوروبي في عصر النهضة في وقت تزايدت فيه استعارات الفنون التركية والإيرانية من الفنون الأوروبية. لقد عاد عبد الجليل شلبي إلى تقاليد الأجيال الأولى من مصوري الاتراك في القرن الحادي عشر الهجري 17م ليستعير منها أهم خواصها مضيفا إليها من إبداعه وقريحته الفنية التي لا تنضب. لقد أحيا لوني بقدراته الفذة التراث التركي المهجوره وخاصة في رسومه التي أنجزها لزخرفة السجلات السلطانية فأبدع لوحات تصور الاحتفالات والمهرجانات الشعبية التي كانت تقام في عصر السلطان أحمد الثالث. ولا تتوقف أهمية أعماله الفنية عند حدود الأهمية التوثيقية لرسومه ولكنها تتجاوز ذلك إلى الطابع التصويري الفريد للوحاته المبتكرة والمرتبطة في ذات الوقت بالتقاليد التركية الصميمة وكما أنه لم يكن هناك فنان تركي ينافس لوني أو يحاربه في موهبته فإن أسلوبه الخاص وتكويناته القوية المفعمة بالحيوية لم يقيض لها جميعا أن تعيش من بعده، فما كاد أن يموت حتى طوى النسيان صفحاته الشخصية والفنية على حد سواء. إن لوني بأعماله الفنية العزيزة والتي تعد بالعشرات يمثل بحق أوج فن التصوير التركي الذي بدأ بالاستعارة من فن المنمنمات الفارسية وانتهى بعد رحيل لوني إلى تقليد فن التصوير الأوروبي. ويمكن القول بأن لوني كان واقعيا يرسم ما يراه أمامه وفق تقاليد التصوير التركي التي مزج فيها بينها وبين بعض تقاليد التصوير الفارسي والتصوير الأوروبي دون أن نفتقد النكهة التركية الظاهرة في هذا المزيج الفني، فقد كان يتجه مباشرة إلى رسم موضوعه منحنيا جانبا العناصر الثانوية، لخلفيات أو حتى الإطارات. ومن تصاوير عبد الجليل شلبي الرائعة مجموعة من اللوحات جمعت في مرقعة ألبوم بمتحف طوبقابي وهي تكشف في مجملها عن موهبة لوني في رسم السيدات الجميلات التي تفيض صورهن بشيء من الإحساس والمشاعر. ومن تلك الصور المعبرة واحدة تمثل راقصة وقد كشفت عن صدرها بينما راحت تتمايل في رقة ودلال وهي تمسك في يديها بالطقطقات النحاسية المألوفة في الرقص الشرقي. وترتدي الراقصة التي يبدو أنها من راقصات البلاط فستانا طويلا تحته سروال مخطط فضفاض ويمتاز الفستان المفتوح عند الوسط بتدرجه من الضيق إلى الإتساع مع وجود قميص أحمر اللون أسفل منه وقد رسم لوني أكمام هذا القميص وقد إستطالت عند اليدين وذلك للتعبير عن حركات أيدي الراقصة بصورة أكثر جاذبية وتشويقا. د. أحمد السيد محمد