الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 يظل الرقش أو الخط او الكتابة، باعتباره الموضوع الرابع من موضوعات الزخرفة في العمارة الاسلامية في سياقها المسجدي، جديراً بأن نفصل القول فيه، وأن نمعن في الاقتراب منه، وأن نوغل في مسيرتنا معه، وأن نبذل جهدا أكبر في اكتناه أسراره ومحاولة الوصول الى القلب الفلسفي الذي يقطنه، كما سبق لنا أن عبرنا. هذه الضرورة، إن لم نقل الحتمية، المتعلقة بضرورة قطع الشوط كاملاً في مناقشة الرقش مصدر طبيعة هذا الفن الإسلامي الفريد نفسه، فنحن هنا نجد أنفسنا ازاء العنصر الأكثر توحيدا للنتاج المعماري الاسلامي على امتداد دار الاسلام وعبر ألف عام أو أكثر من التقاليد الابداعية المتصلة التي لم يقدر لها ان تعرف الانقطاع على الرغم من الكوارث والمحن التي تعرضت لها بعض البلاد الإسلامية، ونحن ايضا امام تجربة جمالية فريدة من نوعها في التعامل مع هذا الفن، فضلاً عن الأهمية البالغة للوظائف التي يؤديها ويضطلع بها في السياق المعماري. فضلاً عن هذا كله فإن علينا أن نقترب أكثر من النماذج العملية لهذا الابداع، أن نتأملها، نضع يدنا على اسرار فتنتها، ونتلمس مساهمتها في تكامل جماليات المساجد. أسباب النجاح سبق لنا القول إن هناك ستة أسباب على الأقل ينسب إليها ذلك النجاح الهائل الذي احرزه الرقش في العمائر الإسلامية، حيث يجمع مؤرخو الفن الاسلامي على تأكيد المكانة المرموقة التي احتلها هذا الفن ليس في العمائر الاسلامية وحدها وإنما كذلك في التحف المنقولة، وذلك للأسباب التالية، التي نوردها بايجاز، ولسنا نشك في أن بمقدور القاريء نفسه أن يفصل القول فيها باستخدام المنهاج نفسه الذي درجنا على اتباعه. ـ أولا: التركيب المتوازن، فهذا البعد يضرب جذوره في النظرية الجمالية الاسلامية نفسها، ومن ثم يصل من العمق والتجذر حداً يقوم الفنانون وأبناء المهنة معه باعتماد توازن التركيب بشكل يكاد يكون تلقائيا وبغض النظر عن بساطة التصميم او تعقيده. ـ ثانيا: التناغم الرائع مع السطوح المعمارية، ففي كل العمائر التي شكل الرقش جزءاً من اطارها الزخرفي الكلي لا يحس الرائي او المتأمل ان هذا اللون من الابداع مقحم على العمارة او مفروض عليها او فائض عن الحاجة، حتى في الحالات التي اعتمد المصمم منهاج تغطية السطح بكامله بالعناصر الزخرفية، وهي ليست بالحالات القليلة ولا النادرة في عالم العمارة المسجدية. ـ ثالثا: تجاوز الدور التأريخي، فمن المعروف انه كان من المتبع ان يكتب على العمائر ذات الأهمية البارزة، وخاصة الدينية منها، الأسماء والألقاب والتواريخ والأماكن والأنواع وصولاً الى الصناع، لكن الرقش تجاوز هذا البعد الوظيفي، ليحلق بجناحي الابداع البصري الرائع، فيشمل مختارات من اي الذكر الحكيم والتحديث الشريف والشعارات، والابتهالات الدينية والمأثورات الصوفية والأبيات الشعرية وغيرها. ـ رابعا: الاكتمال المتناغم بين الخطاط والرسام والحفار والمذهب، فنحن نعلم ان ثمة تقليدا متكاملا وضارب الجذور جمع بين ابداع الخطاط في المخطوطات وخاصة المصاحف وبين الترقين الزخرفي، حيث بدأت زخرفة المصحف تظهر في تلك «الاقفال» التي تأتي في نهاية كل آية وتفصلها عن التي تليها، ثم ظهرت الزخارف في بداية السور، وأضيفت بعد ذلك العلامات المنقوشة في الهامش والتي تحدد الاجزاء وانصافها وأرباعها وأعشارها وكذلك مواضع السجود، وأخيراً ظهرت الزخرفة الاستهلالية التي تمثل اروع التشكيلات التي ازدانت بها المخطوطات العربية، وظفرت المصاحف بأعظم عناية من الخطاطين، فبعد ان كانت تكتب اولا بالخط الكوفي الذي ازدهر في القرن الحادي عشر، بدأ الخطاطون منذ القرن الثاني عشر يهجرون هذا الخط، ويعكفون على تجويد الخط الثلث وغيرهما مثل التعليق والنستعليق والشكستة الفارسية والثلث. وبرز فن تذهيب صفحات المخطوطات، فكان الخطاط ينسخ المخطوط تاركاً فراغاً ترسم فيه الأشكال النباتية والهندسية المذهبة او الصور ذات الصلة بالمتن أو التي لاصلة لها به على الاطلاق، ومن بعده يتلقفه فنان مختص بتزيين الهوامش، وما ان ينتهي من عمله حتى يسلمه الى المذهب ليذهب هوامشه وصفحاته الأولى والأخيرة وبداية الفصول والعناوين، حريصاً على توقيع اسمه بعد انتهائه من عمله. وعندما قفز الرقش من الورق الى الحجر كان هذا التقليد الابداعي قائماً، يشكل ما يمكن ان نصفه ب«المخزون التراثي» الذي يستعار من عناصره ما يتوافق مع المسطحات التي يجرى الابداع عليها من حجر وآجر وخشب وغير ذلك. ويلاحظ في هذا الصدد أن ذلك الاكتمال المتناغم الذي نتحدث عنه لم يتحقق في العمائر الثابتة ولا في التحف المنقولة إلا بعد انفصام الصلة بين الإنسان وبين الرمز، بحيث يصبح هذا الأخير عنصرا مستقلا وقائما بذاته. ـ خامساً ـ انتهاء دور الرقش كوسيلة وكأداة ليبدأ دوره كغاية روحانية تجريدية، ومن الواضح ان هذا الجانب مرتبط تمام الارتباط بالبعد السابق مباشرة، حيث ان الرقش كمدلول وكتركيب وباعتباره كيانا فنياً ابداعياً يساعد في تحقيق تلك الغاية الروحانية. ـ سادساً ـ امتياز حروف الرقش بقدر هائل من المرونة التشكيلية والحركة الايقاعية الابداعية، حيث نراه يتسامى عمودياً تارة، ثم يستقر افقياً مسترسلاً تارة أخرى ليشكل في نهاية المطاف، بكل كلماته العمودية والافقية ثنائياً يتسابق لملء الفراغات والالتفاف حول الكتل التجريدية الصماء بشكل يحول مادية سكونها إلى ابداعات جمالية روحانية، لا نجد لها مثيلا في سائر الوان الابداع الزخرفي الاخرى. ويلاحظ في هذا الصدد ان الخط الكوفي بصفة خاصة، على الرغم من كثرة انواع الخطوط العربية وتعددها وتباينها، قد وصل إلى مرتبة عالية من مراتب التطور خلال القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) ولاسيما عند القروانيين والفاطميين والغزنويين والسلاجقة حتى بلغ قمة الكمال والجلال، وهيمن على ساحة الكتابة العربية بأسرها حتى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). ولعل ما وجد منه مورقاً ومزهراً ومجدولاً ومتشابكاً في كل من الاندلس، المغرب العربي، مصر، تركيا، وافغانستان وغيرها من ارجاء دار الاسلام يعد خير دليل على ذلك، وفي مرحلة لاحقة تناغمت الكتابات الكوفية والثلثية على الحجر المحفور والخشب المنقور والجص المنقوش والمعدن المكفت والخزف الملون، وتبادلا الادوار على القباب والمآذن والواجهات والمداخل والمحاريب والاسبلة وشواهد القبور ومصاريع الابواب ودكك المبلغين وكراسي المصاحف وغيرها من الآثار التي لم يقف فيها الابداع عند حد جغرافي بعينه، فانتقلت روائعه إلى ارجاء دار الاسلام بأسرها، وحلق عالياً متجاوزاً تخومها، فنرى الفنون الاوروبية تقلده في الكنائس والمنسوجات والتحف المنقولة. العناصر الثلاثة كثيرون هم اولئك الذين توقفوا عند الحقيقة الجلية التي تشير إلى ان من العناصر البارزة في العمارة الاسلامية ذلك التأثير الكبير الذي يتركه الرقش عليها باعتباره العنصر الرئيسي في زخرفة معظم الصروح التي شيدها المسلمون منذ المراحل الاسلامية المبكرة حتى اليوم، ذلك انه كما سبقت لنا الاشارة تؤدي عمليات الادماج للعربسة المورقة والتكوينات الهندسية إلى الوصول إلى تركيبات تطلق حوارا بين النور والظل وفي الوقت نفسه تبرز اللمحات الدقيقة للون والشكل. هنا، بالضبط، تتدخل ثلاثة عناصر راسخة لتجعل للرقش اليد العليا في الوحدة الزخرفية ولتخلع القوة والبهاء على العمارة التي تزخرفها هذه الوحدة الفنية، وهذه العناصر هي على التوالي: ـ أولا ـ السمة اللينة والمطواعة والقابلية الفريدة للتشكيل واعادة التشكيل بلا انتهاء التي تتسم بها الحروف العربية. ـ ثانيا ـ الحركة الايقاعية للطريقة التي تتشابك بها الحروف وتتداخل وتتواصل وتترابط. ـ ثالثا ـ الطبيعة المتناغمة للاشكال التي تتخذها هذه الحروف ايا كان اسلوب معالجتها او التعامل معها فنياً. ولكن بأي معنى تتداخل هذه العناصر لتجعل الكتابة تضفي القوة والبهاء على العمارة التي تزخرف اسطحها؟ دعنا نتأمل بعيني الخيال تيجان الاعمدة، العقود، البدنات، الجدران، الابواب والنوافذ في اي صرح اسلامي يخطر ببالنا، ولسوف نكتشف ـ على الفور تقريباً ـ ان هذه العناصر الداخلة في تكوينه يتم توسيع نطاقها واضفاء سمات جمالية خاصة عليها بفعل هذا الشكل الفني الذي تشكل الحروف لحمته وسداه، والذي يمكن ان ينفذ بالرسم او النقر او الحفر او النحت النافر، والذي يؤدي إلى احداث تأثيرات بصرية تستقطب النظر وتأسر العين وتشكل دعوة للتأمل الروحي الممتد بلا انتهاء. وايا كان الصرح الذي نتحدث عنه وسواء اكان مسجد ام مدرسة اما خانقاه ام ضريحاً ام مجموعة مسجدية شاملة، فإن روائع الرقش يتم توظيفها لتقدم تلك اللمسة الاخيرة والفريدة والعبقرية من الفخامة والبهاء التي تشير إلى الذوق الفني الرفيع، وتوميء ايضاً إلى المكانة الرفيعة لرعاة الصرح المعني. هنا لابد من ملاحظة عدد من النقاط المهمة في هذا اللون الفني الفريد، فعلى الرغم من هامش الحرية الذي طالما تمتع به الخطاطون في ابداعهم للنصوص التي تحدد لهم لتنفيذها وهي كما اشرنا سابقا غالبا ما تتألف في السياق المسجدي الذي يعنينا هنا من مختارات من آي الذكر الحكيم او الحديث الشريف او المأثورات الصوفية او الابيات الشعرية التي تدور حول معاني الوعظ والحكمة ونحو ذلك ـ على الرغم من هامش الحرية هذا الا ان اولئك المبدعين كانوا على الدوام ملزمين بأن يكون ابداعهم في اطار يحدده العرف الفني السائد كما انه تعين عليهم ان يندرج عملهم في القواعد والاصول التي تحدد وتحكم كل اسلوب من اساليب الخط، ذلك ان هذا المبدع لم يكن يمارس فنه في فضاء ابداعي يشمله وحده، وانما كان يخضع للضوابط التي تفرضها طائفته، والطائفة كما نعلم في التقاليد الاسلامية تعد نوعا من التنظيم النقابي لا تنقصه الصرامة ولا القدرة على تحقيق الانضباط في صفوف اعضائه، بما في ذلك الانضباط الفني حتى في المرحلة التي يصل فيها اي من هؤلاء الاعضاء الى ذروة قدرته الابداعية ينفتح امامه الافق للتجديد والابتكار. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإنه لا يخفى علينا ان المواد المستخدمة في البناء قد لعبت دورا لا يستهان به في تحديد القالب الذي تندرج الكتابة فيه وترتيبها لدى التنفيذ الفعلي في سياق معماري، فهذه المواد هي التي تملي طبيعة السطح الذي ستنفذ عملية الكتابة عليه ومايتضافر معها من زخارف اخرى كالعربسة والتصميمات الهندسية، وذلك امر بديهي، فالحجر يعطي سطحا يختلف عن ذلك الذي يفرزه الخشب او المعدن. من جانب ثالث فإن علينا ان نلاحظ ان عملية الاملاء هذه تمتد بأكثر مما يمكن ان تتصور لاول وهلة فالألوان على سبيل المثال كانت تخصص للتعامل الفني من خلالها مع مواد مثل الخشب والجص والخزف على اختلاف انواعه. ونحن نعرف اليوم ان هذه الألوان قد تألفت من اخلاط معقدة ذات اصول نباتية ومعدنية توارثها المبدعون جيلا بعد جيل فحفظوا اسرار تكويناتها وتركيباتها وتوظيفها الامثل على السطوح والمواد المختلفة. النقطة الرابعة والاخيرة التي يهمنا ان نشير اليها هنا هي ان مجموعة القواعد والمباديء العامة التي تحكم استخدام الرقش وتوظيفه في السياق المعماري ما لبثت ان بلغت درجة من الدقة والوضوح والثبات تحولت معها الى جزء لا يتجزأ من المفاهيم والمباديء الخاصة بالجماليات الاسلامية. غير ان ذلك ـ بالطبع ـ لم يحل دون ان نشهد هنا أو هناك على امتداد دار الاسلام ابتكارات وتنويعات اقليمية اتاحت بروز افكار جديدة تطورت من مبنى الى آخر، في الوقت الذي تمت فيه المحافظة على الصورة الكلية التي سعت الحضارة الاسلامية الى اضفائها على صروحها الاساسية. تأملات في الوظائف لمحنا في تضاعيف مناقشتنا السابقة مدى تعدد الوظائف التي يضطلع بها الرقش في السياق المعماري، وأدركنا اهمية هذه الوظائف والاولوية المعطاة لها. ربما لهذا ـ بالضبط ـ يدهشنا ان نرى الباحثة دومنيك كليفنو في كتابها «الحلى المعمارية والزخرفة في العمارة الاسلامية» تحصر هذه الوظائف في وظيفتين محددتين لا ثالث لهما. هاتان الوظيفتان هما: 1 ـ فصل المسطحات المختلفة في طبيعتها وموادها عن طريق احزمة من الرقش، فعلى سبيل المثال نجد في الاندلس والمغرب تجليا واضحا للاضطلاع بأداء هذه الوظيفة في صورة تقليدية هي احزمة وسيطة تقع بين الوزرات التي تكسو اسافل الجدران والمتخذة من الزليج وبين الكسوات الجصية التي تكسو الجزء الاعلى من الجدران. وفي مواضع اخرى يمكن لاحزمة الرقش ان تبرز اطر الوجهيات الصرحية وتحيط برقاب القباب او تبرز تقوس العقد. وهذا الاستخدام للاحزمة الرقشية كوصلات تشكيلية هو امر شائع في العمارة على امتداد دار الاسلام، ومن اشهر الامثلة على هذا التوظيف ما تجده في مئذنة إنشي في قونية بتركيا، حيث نجد حزامين كبيرين يندرجان في احكام حول عقد الباب متداخلين وصاعدين الى قمة الواجهة. 2 ـ الوظيفة الثانية هي ايضاح مغزى الصرح الذي يشغله الرقش عن طريق فحواه الدلالية، وبالاضافة الى الرقش التاريخي التقليدي الذي يوضح تاريخ الآمر ببناء الصرح واسماء رعاته وتاريخ ترميمه وما الى ذلك من معلومات، فإنه يمكن العثور على امثلة عديدة ذات طبيعة دينية او شعرية ويلاحظ على سبيل المثال ان غالبية الابيات المنفذة من الجص في قصر الحمراء هي من شعر ابن زمرك تتغنى بالقصر نفسه، وتضيف اصداء رمزية للكلمات التي تطل عبر الجص شاهدة على بهاء قرون خلت وتنتمي القصائد التي نراها في بعض المساجد الفارسية كتلك المكتوبة بالخط الكوفي في مسجد اصفهان الجامع الى الادبيات الصوفية التي تعمق الدعوة الى المزيد من التأمل والتدبر، وان كان من الملاحظ ان معظم النصوص المختارة هي من آي الذكر الحكيم التي اختيرت لانها تعكس طبيعة المكان الذي نفذت فيه من المسجد الذي وظفت لزخرفته. ومن المحقق ان الاقتصار على هاتين الوظيفتين لا يفي الرقش حقه، ويقصر عن القاء الضوء على وظائفه العديدة، بل ويتجاهل الوظيفة الرئيسية التي سبق لنا الحديث عنها وهي الوظيفة الجمالية المتمثلة في اضفاء الروعة والقوة على الصرح الذي يستخدم في زخرفته. هنا يبرز سؤال محدد يفرض نفسه بقوة على مناقشتنا هذه وهو الى اين نمضي اذا اردنا الاقتراب من ابرز روائع الرقش والخط والكتابة في السياق المعماري الاسلامي؟ وأحسب ان هذا السؤال يحمل في تضاعيفه مفاتيح الاجابة عنه، فأي ذاكرة بصرية تلك التي يمكن ان يقدر لها نسيان روائع الخط التي يصافحها القلب قبل العين في مسجد قبة الصخرة، الذي سنعرض له تفصيلا من مختلف زوايا جماليات الزخرفة في دراسة حالة ضمن مجموعة من الدراسات المناظرة، ومن ثم فلنكتف هنا بالاشارة الى ضرورة الوقوف طويلا عند لوحات الرقش البديعة التي تبدو حول قمة الرواق المثمن للمسجد. وما ان يذكر مسجد قبة الصخرة حتى يقفز الى الذهن المسجد الاموي بدمشق فلنكتف اذن بالاشارة الى تلك اللوحات الرقشية التي يقول المؤرخون العرب انها نفذت على اساس تصميمات انجزها خالد بن ابي السياج على غرار مصاحف نسخت بأمر من الخليفة الاموي الوليد بن عبدالملك. الوقوف عند منار قطب علينا ان نرتحل طويلا في الزمان والمكان لنصل الى نموذج آخر بارز يهمنا ان نشير اليه ومن المؤكد أنه اشهر من ان نعرف به، ولكننا قصدنا القاء الضوء على ما فيه من رقش نادر وهذا النموذج هو منار قطب في دلهي، وهذه المئذنة ملحقة بمسجد قطب الدين ايبك الذي يرجح تاريخ بنائه الى الفترة ما بين عامي 1193 و1206 الا ان المئذنة شيدت في تاريخ لاحق وقد بني الجزء الاسفل منها في الاصل ليكون ضريحا لألتطميش حاكم المنطقة غير انه لم يمض الا وقت قصير من بناء ذلك الجزء في عام 1223 حتى اضيفت اليه عدة طوابق تفصل بينها شرفات ذات مقرنصات وقد جاءت في تكوينها متأثرة بشكل نبات الصبار، المنتشرة في تلك البلاد وزينت الضلوع الطويلة المحدبة، والمدببة والمتعاقبة بشرائط من نقوش قرآنية كأنها نسيج المخرمات لرهافته. وربما كانت تلك هي المرة الاولى في شبه القارة الهندية التي تطل فيها على العيان في سياق معماري حروف متصلة حيث تؤكد الحروف في تنفيذها على ما تعكسه من مرونة وطواعية في يد الفنان، كما سبق ان اشرنا فهي حروف عملاقة لتناسب ابعاد المنارة الشهيرة وهي توحي بالقوة من خلال الاحالة الى شكل السيف، وتوحي بايقاع متدارك اعلى الحروف السفلية التي تم تركيزها معا في شكل انشوطات. ويبقى ان نشير الى ملاحظة لسنا نشك في ان من شأنها ان تثير دهشة القاريء ذلك ان هذه المئذنة المدهشة تحمل رقشاً باللغة السنسكريتية يحدد هويتها على انها برج النصر وهذا امر فريد من نوعه في العمارة الاسلامية. ولسنا نشك في ان كل هذا الابداع الذي ملأ آفاق دار الاسلام انما ابدعته المحبة التي سكنت قلب من قدمه ليملأ القلوب قبل العيون. ولكن عن اي محبة نتحدث هنا؟ لسنا نشك ـ مرة اخرى ـ في انها المحبة التي نسأل الله ان يرزقنا اياها لنحيا بها وعلى نورها، ألم يقل ابو عبدالله القرشي «حقيقة المحبة ان تهب لمن أحببت كلك ولا يبقى لك منك شيء» ؟ ألم يقل سمنون: «ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرء مع من أحب» فهم مع الله تعالى»؟