الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 تناولنا فى الحلقة الثالثة (البحر المسجور) واليوم نتكلم عن الجبال البركانية فبعد الحرب العالمية الثانية نزل العلماء إلى أعماق البحار والمحيطات، بحثا عن بعض الثروات المعنية التى استنفدت احتياطياتها أو كادت من غلى اليابسة فى ظل الحضارة المادية المسرفة التى يعيشها إنسان اليوم ففوجئوا بسلسلة من الجبال البركانية تمتد فى أواسط جميع محيطات الأرض لعدة عشرات الآلاف من الكيلو مترات أطلقوا عليها اسم جبال أواسط المحيطات، وبدراسة تلك السلاسل الجبلية المحيطة اتضح أنها قد اندفعت على هيئة ثورات بركانية عنيفة عبر شبكة هائلة من الصدوع العميقة التى تمزق الغلاف الصخرى للأرض وتحيط بها إحاطة كاملة فى كل الاتجاهات وتتركز أساسا فى قيعان المحيطات. وأن شبكة الصدوع تلك تصل فى امتداداتها إلى أكثر من 000،64 كيلو متر وفى أعماقها إلى 65 كيلومترا مخترقة الغلاف الصخرى للأرض بالكامل فتصل إلى نطاق الضعف الأرضى وتوجد الصخور فيه فى حالة لدنة، شبه منصهرة، عالية الكثافة واللزوجة تدفعها تيارات الحمل الساخنة إلى قيعان كل محيطات الأرض وقيعان بعض البحار (من مثل البحر الأحمر) فى درجات حرارة تتعدى الألف درجة مئوية، وذلك بملايين الأطنان فتدفع بجانبى المحيط يمنة ويسرة فى ظاهرة يسميها العلماء ظاهرة اتساع وتحدد قيعان البحار والمحيطات، وتملأ المناطق الناتجة عن عملية الاتساع تلك بالصهارة الصخرية مما يؤدى إلى تسجير قيعان كافة محيطات الأرض، وقيعان بعض بحارها. ومن الظواهر المبهرة للعلماء اليوم أن الماء فى المحيطات والبحار على كثرته لايستطيع أن يطفيء جذوة تلك الصهارة، ولا الصهارة على شدة حرارتها تستطيع أن تبخر مياه البحار والمحيطات بالكامل، ويبقى هذا التوازن بين الأضداد : الماء والنار فوق قيعان كل محيطات الأرض (بما فى ذلك المحيطان المتجمدان الشمالى والجنوبى) وقيعان عدد من البحار شهادة حية على طلاقة القدرة الإلهية التى لاتحدها حدود. ففى مشروع لاستثمار ثروات قاع البحر الأحمر وهو بحر قاعه منفتح تثور البراكين فيه ثورة عنيفة فتثرى رسوبيات ذلك القاع بالعديد من المعادن، كانت باخرة أبحاث تلقى بكباش من المعدن لجمع عينات من طين ذلك القاع، ويرتفع الكباش فى عمود من الماء يزيد سمكه عن ثلاثة آلاف متر. فرذا وصل إلى سطح الباخرة لايستطيع أحد أن يقربه من شدة حرارته. وإذا فتح يخرج منه الطين وبخار الماء الحار فى درجات حرارة تتعدى الثلاثمائة درجة مئوية. وأصبح ثابتا لدى العلماء اليوم أن الثورات البركانية فوق قيعان كل محيطات الأرض وقيعان أعداد من بحارها تفوق نظائرها على اليابسة بمراحل عديدة. ثم ثبت بأدلة عديدة أن كل ماء الأرض ـ على كثرته ـ قد أخرجه ربنا تبارك وتعالى من باطن الأرض وأن الصهارة الصخرية فى نطاق العنف الأرضى ودونه تحوى كما من الماء يفوق كل ماعلى سطح الأرض من ماء بعشرات الأضعاف، وهنا تتضح روعة هذا الحديث النبوى الشريف الذى قرر فيه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عددا من حقائق الأرض المبهرة بقوله :«إن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا» وهى حقائق لم يتوصل الإنسان إلى إدراك شيء منها إلا منذ سنوات معدودة، وورودها بهذه الدقة العلمية الفائقة فى حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لمما يشهد له بالنبوة والرسالة،ز وبأنه (صلى الله عليه وسلم) كان أبدا موصولا بالوحى، ومعلما من قبل خالق الساوات والأرض، وصدق الله العظيم إذ يقول فى حقه «وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحى يوحى علمه شديد القوى* ذو مرة فاستوى* وهو بالأفق الأعلى* ثم دنا فتدلى* فكان قاب قوسين أو أدنى* فأوحى إلى عبده ما أوحى*»(النجم: 3 ـ 10) فلم يكن أحد على وجه الأرض يعلم هذه الحقائق قبل عقود قليلة، وورودها بهذه الدقة العلمية فى حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو من الأمور المعجزة حقا، والشاهدة بصدق نبوته وكمال رسالته (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من اتبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين د. زغلول النجار