الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 إن للعراق، كما للإمارات ومصر والسودان وفلسطين وكما لبلاد العرب والمسلمين الأخرى، خصوصية ونكهة وأجواء، بعضها قديم حافظ على قدمه، وبعضها قديم لم يبق منه شيء إلا في الرؤوس التي اشتعلت شيباً، وبعضها أكثر حداثة بعد الحصار. وما بين ذاكرة معمرة وذاكرة معاصرة نقرأ سطوراً من سيرة رمضان العراقي، وقد تغرينا المقارنة، وقد يغرينا التاريخ وقد يغرينا الحاضر فنطيل الوقفة هنا أو هناك طلباً للمتعة والفائدة.ذلك هو الذي لم يتغير ولم يتبدل ولم يطرأ عليه جديد، وأغرب ما في هذا (الثابت) أن الناس في العراق اعتادت منذ عشرينيات هذا القرن ـ وهو أبعد تاريخ معاصر استطعنا حمل شيوخه الأحياء على الكلام ـ أن تستقبل هلال رمضان في الأسواق، قبل ظهوره في السماء، ولم يكن من الصعب التعرف على أن رمضان المبارك قد بات على الأبواب، حيث تلفت النظر تلك الحركة التجارية النشيطة وعمليات البيع والشراء الواسعة على أنواع معينة من المواد الغذائية. يقول عبد الملك أحمد (مواليد 1922) كنا نرى الشهر الكريم في أسواق الشورجة والصدرية وحنون وغيرها من أسواق بغداد قبل أن يهل هلاله بأسبوعين أو أكثر، ذلك لأن أهالي المدن والقرى على حد سواء يبدأون منذ وقت مبكر بالتزود لمتطلبات المائدة الرمضانية. إن أهم تلك المتطلبات يوضح عبد الملك: إنها تتركز على الماش والعدس والشعرية وهي مواد خاصة بعمل الشوربة ـ الحساء ـ وكذلك الرز والسمن والمشمش المجفف، أما بالنسبة للطحين والنشا والهيل واللوز وماء الورد، فأنهم يشترونها لعمل الحلاوة والمهلبية، كما كان الناس يقبلون على شراء (قمر الدين) لعمل العصير وأحياناً (نومي البصرة) للغرض نفسه وقد يعمدون الى (النقوع) وهو المشمش الذي تتولى ربة البيت تجفيفه ثم تنقعه في رمضان ليكون عصير المائدة المفضل. الحاج عبد الكريم نوري الهاشمي (مواليد 1925) ينبهنا إلى أن المائدة الرمضانية التقليدية في السابق مع اهتمامها باللحوم على أنواعها، وبأنواع الأكلات العراقية مثل الدولمه والكبة الحلبية وكبة الجريش، وبأنواع المرق، إلا أن الناس لم تكن تشتري لحم العجل أو الخروف أو السمك أو الدجاج بكميات أكبر من الاحتياج اليومي لكونها لاتعرف الكهرباء يومها ولا البرادات، ولهذا كانت اللحوم والخضار والفواكه من المشتريات الآنية أو اليومية، ويتذكر الهاشمي عناية الصائمين بشراء التمر لأن التمر من المستلزمات التي لا تفرط بها المائدة العراقية خاصة وأن هذه المائدة الغذائية من السنة النبوية الشريفة في مائدة رمضان المباركة. استقبال رمضان يشهد اليوم الأخير من شعبان ازدحاما منقطع النظير لآلاف العراقيين من كلا الجنسين ومن مختلف الأعمار وهم يتجمعون في الشوارع والجوامع ويرتقون المآذن وسطوح المنازل وأي مكان مرتفع لمراقبة هلال الشهر الفضيل، وفي العادة تتجه الأنظار إلى زاوية محددة من السماء يدل عليها كبار السن الذين يعدّون أنفسهم خبراء في تحديد مطلع الهلال، فإذا رآه أحدهم هتف بصوت عالٍ هتافاً يعبر عن مدى فرحته ثم يبدأ بإرشاد الآخر إلى موقعه عبر نقاط دلالة معينة، فإذا تكاثر عدد الذين رأوه راحوا يرحبون به جميعاً حتى الذين لم تتسن لهم رؤيته مع رفع الأيادي بالدعاء والضراعة الى الله تعالى. وفي الخمسينيات والستينيات كما يقول أحمد عبد الملك بدأت ظاهرة إطلاق العيارات النارية تشيع في بغداد، إلا أنها مع النصف الثاني من الستينيات بدأت بالانحسار حتى تلاشت الآن. تقول الحاجة أم حاتم ـ مواليد 1931، وهي زوجة الحاج عبد الكريم الهاشمي، إن حياة العوائل يدخلها شيء جديد بمجرد التأكد من رؤية الهلال، فتراهم يتبادلون التهاني ويتزاورون وعادة ما يسهرون ـ احتفالا ـ بينما تبدأ ربات البيوت بالاستعداد لتهيئة سحور (دسم) لأن صعوبة الصيام هي في اليوم الأول فقط، وتقول ـ وهي تضحك ـ لذلك كنا نأكل كثيراً في أول سحور، ومن النادر في أيامنا تلك أن يبقى أحد منا من غير صيام حتى الأطفال، فقد ألزمني والدي رحمه الله بالصيام ولي من العمر 7 سنوات 000 ويعلق زوجها على ذلك بأن أحلى شيء في تلك الأيام أنك لا ترى حالة إفطار علني واحدةً في الشارع، إذ كانت لرمضان قدسية يطبقها الفرد ويلتزم بها قبل أن يلزمه قانون الدولة على التطبيق. أماسٍ رمضانية ربما اكتسبت الأماسي الرمضانية حلاوتها من بساطتها، وربما كان الاستماع إلى شاهد من أهلها أجدى نفعاً، يقول الحاج علوان مهدي العبيدي (معلم متقاعد مواليد 1937) كان جمال رمضان يتجسد أكثر ما يتجسد في فصل الصيف، فالرجال الكبار غالباً ما يمضون أوقاتهم في الجامع، يصلون التراويح ويقيمون حلقات الذكر أما الشباب فأغلبهم ينصرفون بعد الصلاة إلى المقاهي أو إلى التسلية ببعض (الألعاب الرمضانية) التي لا تلعب إلا في رمضان وفي المقدمة منها لعبة (المحيبس) أو (البات) لأن المحبس (الخاتم) يبيت في يد أحد اللاعبين، واللعبة تقوم بين فريقين ضمن الحي الواحد أو بين فريقين لحيين سكنيين متجاورين أو متباعدين جغرافياً، و يتولى الفريق الذي معه الخاتم إخفاءه في كف أحد الأعضاء، وعلى الفريق المقابل أن يستدل بمهارته وخبرته على مكان الخاتم، والفائز من الفريقين هو الذي يحرز(21) نقطة، والخاسر منهما هو الذي يدفع ثمن صواني الزلابية والبقلاوة ( وهي أنواع من الحلويات الشعبية) توزع على أعضاء الفريقين وعلى جميع المشجعين والمتفرجين. أغلب المقاهي كانت تواصل فتح أبوابها إلى وقت السحور فهناك كثرة كثيرة ـ من الشباب غالباً ـ تتسلى بالعاب النرد أو الدومينو أو تبادل الأحاديث، أما الأطفال فكانوا يجدون متعهم الكبرى في لعبة مشهورة أسمها (الماجينة) حيث يؤلفون مجموعة تدور على البيوت وهي تغني (ماجينة يا ماجينة حلِ الكيس وإعطينه) وهي أنشودة تنتهي بالدعاء لأهل البيت أن يحفظهم الله ويحفظ أولادهم، وعندها يقوم أحد أفراد الأسرة بمنحهم مبلغاً بسيطاً من النقود، وفي نهاية الجولة يقوم (زعيم الفريق) بتوزيع المال المتجمع على مجموعته، أو يشتري لهم بثمنه الحلويات. وأماسي رمضان العراقية هي فرصة لتبادل الزيارة بين نساء المحلة الواحدة، ولكن السهرة لا تدوم إلى وقت متأخر من الليل، وعلى العموم كان رمضان بخلاف هذه الملامح الليلية التي أشرنا إليها فرصة للاجتماع وتبادل الأحاديث ورواية القصص متخذين من سطوح المنازل مكاناً مفتوحاً تحت وهج النجوم لتمضية السهرة المنزلية إذا كان الفصل صيفاً بطبيعة الحال، أما الشتاء فمكانه الغرف المغلقة العامرة بالنيران المتقدة. أعظم الطقوس لا فضل لنا في هذا التعبير، فالمحامي سلمان عبد الله (مواليد 1929) يقول إن أعظم طقوس رمضان الاجتماعية كانت تتمثل بالمائدة المجانية اليومية، وهذه المائدة كان لها شكلان، شكل نراه في الأطعمة التي يتبادلها الجيران قبل دقائق من إطلاق مدفع الإفطار وذلك بقيام العوائل المتجاورة بتبادل الأطعمة على غير اتفاق، فهذه الأسرة تبعث بصحن حلاوة أو مهلبية أو حساء أو كبة أو برياني أو تمر أو فاكهة لجيرانها، والجيران يبعثون لها شيئاً أو طعاماً من غير الطعام الذي وصلهم، وهكذا تتنوع جميع الموائد بأنواع الأكلات، وشكل آخر وهو الأعظم والأهم أن العوائل الفقيرة أو المحتاجة كانت تستقبل مع كل إفطار عشرات الصحون ومن كل الأنواع وبما يفيض عن حاجتها، لأن الجميع في رمضان ـ خاصة ـ يحرص على أن تكون صحونه للعائلة الفقيرة من غير أن ينتظر منها صحناً أو طعاماً، وهو عرف ديني اجتماعي أخلاقي لا يمثل ـ بالمرة ـ عبأً أو عيباً على العوائل المحتاجة. ويؤكد المحامي سلمان عبد الله، إن هذه الظاهرة انقرضت تقريباً ولكنها بعد سنوات الحصار عادت إلى الظهور من جديد رغم أن طبيعة الحياة والكثير من العادات والتقاليد قد تغيرت. ـ كيف تفسرون هذا التغيير؟ ـ أمر طبيعي، فاهتمامات الرجال والنساء والشباب تبدلت بتبدل الحياة العصرية نفسها، لقد سرقت أجهزة المذياع والتلفزيون والفيديو ـ التي لم تكن معروفة في السابق ـ قدراً كبيراً من الوحدة الاجتماعية بل من وحدة العائلة ذاتها، هذا غير السينما والمسرح والأندية، ثم إن تصميم البيت العراقي الجديد أثر هو الآخر على العادات الرمضانية، فالطراز الشرقي القديم الذي كان يقوم على سطوح متصلة متجاورة كأنها سطح واحد لا يفصله عن بعضه البعض إلا سياج من الطابوق كان يخلق نوعاً من الحوار بين الجيران، وكانوا يتبادلون الطعام والحلوى والفاكهة عبر الستائر التي تفصل بين السطوح المتلاصقة، ولم يكن الجار يتحرج من جاره إذا أحتاج بصورة مفاجئة إلى رغيف من الخبز أو قليل من السكر أو الملح او غير ذلك، وهكذا كانت الوحدة الاجتماعية تتصل وتتآلف وتتعمق أما طرز البناء الحديثة المغلقة على نفسها والمفصولة السطوح، وإمتناع السطوح نفسها عن أداء وظيفتها القديمة كمكان للسمر والنوم في أيام الصيف وذلك لإستغناء الأسرة عنها بعد توفر الكهرباء وأجهزة التبريد ووسائل اللهو المنزلي 000 الخ كل هذه العوامل خلقت نوعاً من الانفصال أو العزلة العائلية، حتى الأطفال وجدوا في منازلهم، أو حدائقهم الواسعة، ألعاباً عصرية بديلة عن (الماجينة) وأشباهها. إنه عصر الكهرباء والمكيف والثلاجة والتلفزيون والبيت الغربي، ومع ذلك لا يمكن أن أنسى أن ما بقي من صورة رمضان القديمة، هو ذلك البناء الداخلي للإنسان المسلم في العراق، فهو في غمرة عزلته وجوه العصري يتذكر أن هنا وهناك محتاجين قد لا ينقل إليهم صحون الطعام في رمضان ـ كما في السابق ـ ولكنه يمنحهم ما يستطيع أن يمنحه من معونة مالية، وهذه صورة رمضانية جديدة، أما الصورة التقليدية، لعبة المحيبس وسهر المقاهي والزيارات النسوية والماجينة وتبادل الأطعمة وضارب الطبل (المسحراتي) فما زالت في الأحياء الشعبية والأحياء الفقيرة التي لم تجد بعد وسيلتها إلى الحياة الجديدة إلا بنسبة ضئيلة. ويؤشر الدكتور عبد الله خلف (أستاذ جامعي) بعض التباينات البسيطة في طقوس رمضان بين محافظات العراق، فبينما تولي المائدة البصرية اهتمامها الكبير بأنواع التوابل وتكثر أنواع العصير فان المائدة النجفية مغرمة بكثرة الحلويات، وفي محافظة نينوى يكون الاستعداد لاستقبال شهر رمضان اكثر من غيره حتى قياساً بالعاصمة، وخاصة إذا كان موسم الصيام في الشتاء، حيث يتبضع الناس كميات كبيرة من (الحبيّة) وهي نوع من القمح المسلوق له إستخداماته الخاصة في المطبخ العراقي، والجريش والبرغل وذلك لاهتمامهم بتهيئة الكبة الموصلية المشهورة التي تنفرد محافظة نينوى تاريخياً بطريقة صناعتها، كما يحرص الناس هنا على تضمين مائدتهم عصير الزبيب (العنب المجفف) باعتباره عنصرا أساسيا فيها. ويلاحظ على محافظات الشمال العراقي ( اربيل، سليمانية، دهوك) اهتمامهم الكبير باللبن سواء كان مخففاً او غير مخفف ويشاركهم سكان مدينة الموصل هذا الاهتمام. ويذكر خلف تقليداً ظريفاً ينفرد به سكان مدينة السماوة (مركز محافظة المثنى الجنوبية) وهو ان المسحراتي، او المسحراتية ـ الذين يطوفون في المدن العراقية وقت السحور لإيقاظ الناس بطريقة واحدة هي الضرب على الطبل والتجوال بين الأزقة ـ يؤدون هذا الطقس السحوري في السماوة بأسلوب خاص، حيث يرافق ضارب الكيل عازف على الزنار ومعها فريق كامل من المسحراتية الشباب والصبيان بحدود العشرين شخصاً تقريباً، يتوقفون عند رأس كل شارع أو زقاق ويبدأ العزف و الضرب ـ مصحوباً بدبكة راقصة ـ لا تختلف في شئ أبداً عن دبكة العرس، ولهذا يكون ايقاظ الناس على (صوت الفرح) واستقبال السحور بطريقة عرسية إحتفالية. ومن بين عادات رمضان الشائعة قيام العوائل الموسرة بتهيئة كمية كبيرة من الطعام وبالذات (الدولمه أو الكبة) أو إعداد نوع من حلاوة التمر التي تعمل بالسمن، وتحمل تلك الاطعمة أو الحلاوة بأوانٍ كبيرة الى المساجد والجوامع وقت صلاة المغرب لكي يفطر المصلون عليها طيلة أيام الشهر المبارك. ويختتم الدكتور زهير الزبيدي طبيب الامراض الباطنية حديث الطقوس الرمضانية العراقية بالتنبيه الى ان المائدة العراقية في الفطور أو السحور بشكل عام، مائدة غير صحية وغير مدروسة، فقد جرت العادة ان تركز على أنواع من الطعام دون غيرها، وهو الأمر الذي يفقدها التوازن الغذائي، كما أنها تعمد الى تقديم كميات كبيرة من الاطعمة والسوائل بحيث يندفع الصائمون الى التهام وجباتهم من غير مراعاة للكمية والكيفية التي يجب ان تعامل بها المعدة الصائمة، ولهذا غالباً ما تستقبل المؤسسات الصحية حالات عسر الهضم وأوجاع الرأس وآلام المعدة في ايام رمضان. وأياً كان الأمر فالشهر مبارك والصيام مقبول والأجر ثابت إن شاء الله... بغداد ـ كامل عبد الله