الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 اذا انتقلنا الى الرقش، او الخط، او الكتابة، لوجدنا ان رحلتنا الدائرية حول الموضوعات الاربعة للزخرفة في العمارة الاسلامية في سياقها المسجدي التي حددناها لانفسنا قد اكتملت، وافضت بنا الى الفضاء الرحب الذي يمكننا عبره الاطلال على دراسات الحالات التي ستتوج جهدنا هنا، وتشكل خاتمة الجزء الثالث من هذه الموسوعة. مرة اخرى نعود لنشدد على ان احتلال الرقش للمرتبة الرابعة في دراستنا لموضوعات الزخرفة لايعني بحال انه الاقل اهمية، وانما على العكس يعني اننا وضعناه في هذه المرتبة لنتيح لانفسنا مجالات ارحب للمزيد من تأمله وتفصيل القول فيه.دعنا ـ كعادتنا ـ نستهل بلمحة لغوية، ندرك عبرها انه يقال ـ في لغتنا الجميلة ـ الرقش بتشديد القاف كالنقش، ورقش كلامه ترقيشا زوقه وزخرفه وحبة رقشاء فيها نقط سوداء وبياض. اما في المصطلح الفني فان الرقش ليس الا الخط او الكتابة لدى الارتفاع بهما الى ذرى الابداع الفني ليحتلا وجهيات المباني وحشوات الجدران واحزمة العقود والمحاريب وغيرها وهو الاصطلاح الاثير لدى الكثير من الفنيين وابناء المهنة، خاصة في المغرب العربي. ولاداء المعنى نفسه يؤثر البعض استخدام اصطلاح الكتابة، حيث يقال ـ في لغتنا الجميلة ـ الكتاب، بكسر الكاف وفتح التاء، جمعها كتب بضمتين، المكتوب والصحيفة والفرض والحكم والقدر، وكل ما يكتب فيه سواء أكان منزلا من السماء او مكتوبا بمعرفة احد، مصداقا لقول الحق عز من قائل: «ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا». واهل الكتاب هم اصحاب الديانات السماوية، وام الكتاب الفاتحة والكتابة اسم المكتوب او تصوير اللفظ بحروف هجائية، وهي صناعة الكاتب، والمكتب بضم الميم وتشديد التاء وكسرها الذي يعلم الكتابة، والكتيبة الطائفة من الجيش، وبذلك تكون الكتابة في معناها العام هي التدوين المنظور لاي لغة من اللغات، ومعيارها الذي تستند اليه هو معيار صوتي، لانها في الاصل محاولة ترمز الى جميع الاصوات المهمة في اللغة دون غيرها. هندسة الروح يختلف فن الرقش او الخط او الكتابة بالنسبة للفنان المسلم عن اي فن آخر من الفنون التي ابدع فيها وساهم بقسط وافر اضافه الى الرصيد الحضاري الانسان، فهو لم يرثه من المخزون التراثي الكلاسيكي، وانما هو فن اسلامي بامتياز، بل هو كما يعبر عبد الكبير الخطيبي ومحمد السجلماسي في مستهل كتابهما «روعة فن الخط الاسلامي» ويوفقان في تعبيرهما «هندسة الروح» بالنسبة لهذا الفنان. لهذا، بالضبط، يتعين علينا التوقف عند محطات عديدة لكي نحقق الحد الادنى من الوضوح بخصوص هذا الفن، ولكي نتبين عقب ذلك مدى مساهمته في السياق المعماري المسجدي، الذي يعنينا هنا. فدعنا نبدأ من البداية، كما يقولون، فنشير الى ان هذا الفن هو في تعريفه الدقيق والمحدد فن واع تقصده الفنان قصدا وذهب اليه عامدا واقام صرحه الشامخ على اساس نسق محدد ومتعارف عليه من القواعد الهندسية والزخرفية، فن يفترض ضمنا في الاشكال التي يبدعها نظرية للغة وللكتابة، وينطلق كجزء من بنية لغوية، ويحدد مجموعة بديلة من القواعد المستمدة من اللغة، ولكنها في الوقت نفسه تضفي طابعا خاصا على هذه اللغة وتعيد انتاجها من خلال ابرازها في اطر بصرية. هذا الفن يكمن جوهره الحق في علاقته باللغة، وعلى الرغم من ان فن الخطاط وفن المصور الذي قد يدمج تأثيرات حروفية فيما يبدعه قد يتداخلان في بعض الاحيان، إلا ان الفنين يفترقان ويمضي كل منهما في سبيله المختلف، ومناط هذا الاختلاف وتفرع الدروب هو الطريقة التي يتعامل بها كل منهما مع الحرف ويخلع عليه حياة ويضفي معنى. بهذا المعنى فان جوهر ما يهمنا هو موقف الخطاط ومنهاجه في التعامل مع فنه، وكلاهما مشحونان عاطفيا وانفعاليا الى ابعد الحدود، لكنهما في الوقت نفسه دقيقان ومنضبطان بلا انتهاء ايضا. والخطاط فنان يقوم بنسخ نصوص موجودة مسبقا قبل بدء ابداعه. وعندما يتجلى المعنى تبرز للعيان صورة تضفي على اللغة روعة مضافة، في غمار عملية لايمكن الا ان توصف بأنها سحرية حقا. هذه الصورة التي هي المنتج النهائي هي ذاتها التي دفعت طاقتها ومداها احد مبدعي هذا الفن الى القول في غمار وهج لحظة الابداع ان سن القلم هو الذي يحدد الفارق بين الحضارات. فن الخط هو فن الكتابة في اطر ابداعية فنية، لكن ممارسة هذا الفن ابعد ما تكون عن الشمول، في المسافة الممتدة من الصين الى الاندلس، وعلى امتداد عشرة قرون سنجد ان شعوبا لم تطوره بشكل تفصيلي، بينما شعوب اخرى قطعت الشوط كاملا ورفعته الى مرتبة الفن الاسلامي الاكثر سموا ورقيا. الكثيرون يبدأون تاريخ الخط في تقاليده الاسلامية من الوزير العباسي ابن مقلة في القرن التاسع الميلادي. ترى هل من قبيل الصدفة ان هذا المبدع الكبير قد بتر يده اليمنى الخليفة الراضي بالله؟ وهم ينتهون به بعد مسيرة تمتد عشرة قرون حيث اوشك على الانتهاء والاختفاء والموت على يد هذا الغول المرعب الذي اسمه المطبعة. وهنا لابد لنا من طرح ملاحظتين، على الفور تقريبا، هما: أ ـ انه على الرغم من الاهمية الكبيرة لمساهمات ابن مقلة، الا ان تاريخ الخط الاسلامي العربي لم يبدأ معه وبه. ب ـ ان الاختفاء التقريبي للخط الاسلامي العربي ليس بعد تقدم وانما هو بعد انحطاط وتخلف، وليس بفعل زحف تقنيات الطباعة وانما بفعل الافتقار للهمة وللروح في انقاذ هذا الفن والحفاظ عليه وتطويره. فهل تريد مجتمعا اكثر ايغالا في توظيف التقنية وتطوير الطباعة من المجتمع الياباني؟ ومع ذلك فقد لاحظت خلال زيارة لكيوتو، العاصمة الثقافية والروحية الحقيقية لليابان ان اليابانيين عندما يريدون ان يصفوا شخصا بانه انيق ووسيم فانهم يقولون عنه انه «يتمتع بخط جميل» ولا حصر للجهود التي تبذل للحفاظ على فن الخط الياباني ودفع الاجيال الشابة الى تبنيه وجعله جزءا من حياتها والاعتزاز به والحرص عليه. فتأمل، وتدبر، وشاركني الدعاء من اجل ان يتواصل حضور هذا الفن البديع تحت افاق عالمنا الاسلامي والا يكون مكانه الوحيد هو المتحف. اذا كنا قد رفضنا القفز في المجهول لبدء متابعتنا لمسيرة الخط العربي من عند ابن مقلة على الرغم من مساهماته الجليلة، فمن اين نبدأ حقا؟ المقام والمقال من الحقائق المعروفة تاريخيا ان الخطوط العربية كانت تنسب في فجر الاسلام الى المدن الاسلامية التي تلقتها من التقاليد النبطية، الآرامية السابقة على الاسلام، وهكذا انقسمت الخطوط الشمالية الى قسمين احدهما هو الخط الحجازي، ومنه نشأ كل من الخط المكي والمدني، والآخر هو الخط الجراني ومنه نشأ كل من الخط الكوفي والبصري، وانقسم الكوفي بدوره الى عدة اقلام انحصر مرجعها في اصلين اساسيين، هما الخط المقور الذي يعبر عنه الان بالخط اللين او خط النسخ، الذي امتاز بحروف مرسلة ذات استدارة، والخط المبسوط الذي يعبر عنه اليوم بالخط اليابس او الخط الكوفي الذي امتاز بحروف مستقيمة ذات زوايا. وكان خط النسخ هو الخط الايسر تنفيذا وتناولا عن الخط الكوفي، نظرا لما امتازت به حروفه من ليونة وسهولة. هنا، بالضبط سيرتسم ظل ابن مقلة الطويل على المسيرة التي نحاول متابعتها، فالامثلة الاولى من خط النسخ نسبت الى هذا المبدع العظيم الذي توفي رهين السجن في عام 338 هجرية (949 ميلادية) كما نسبت ايضا الى اخيه عبدالله الحسن. ومن المرجح ان استخدام الورق في اواخر العصر الاموي كان قد ساعد كثيرا على تطور هذا النوع من الخط في بداياته الجنينية. لكن من المحقق ان الفضل الاكبر في ظهور خط النسخ في الاثار الاسلامية، اي في قفزه من القرطاس الى الجدار وهي قفزة ليست باليسيرة يقينا، يرجع الى مجموعة من الخطاطين الافذاذ الذين عاشوا في القرون الخمسة الاولى للهجرة، واهمهم ابو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب المتوفى عام 413 هجرية (1022 ميلادية). هذه القفزة التي قام بها الرقش او الخط او الكتابة من الورق الى الحجر ليست بالتطور العابر الذي يمكن ان نمر به مرور الكرام. ويكفي ان نتذكر في هذا الصدد ما يقوله الخطيبي والسجلماسي من ان الخط يلعب في السياق المعماري دورا ملتبسا فهو من ناحية قد خرج من المخطوط الى الصرح، ليزين المساجد والقصور والمدارس والاضرحة وأي مكان له ارتباط ديني. ومن ناحية اخرى فان الخط يصبح تمثيلا فعليا للكلمة المكتوبة. غير انه لكي نفهم جوهر هذا الذي اطل علينا من الصروح لابد ان نتأمل القلب الفلسفي الذي يقطنه هذا الابداع الرقشي المميز، فهو يحيا في هذا القلب ابدا، ولهذا فان ابسط اشكال الخط تظل قادرة على ان تدهشنا بجدتها وحيويتها ورفضها الاندراج في اي فئات فنية مقبولة. الخط يقفز من المخطوط الى الصرح ليزين ويزخرف كما قلنا حالا، فتأثيره الفوري على الرائي او المتأمل هو نقل الشعور بالانجاز الرائع. ولكن الى اين تمضي بنا عبقرية الخيال المحلق هذه وهي تعيد تنظيم الحجر بين السماء والارض؟ ان المرء ـ كما سبقت لنا الإشارة في غير هذا المقام ـ يراوده الاحساس بفضل هذا الإسهام للكتابة إلى جانب أشكال الإبداع الإسلامي الاخرى بذوبان الكتلة، بخفتها، باحتجابها، بدورانها، بارتفاعهاعن الأرض، حتى لتوشك الجدران، البدنات، القباب أن تنتزع جذورها من الأرض وتنهض إلى عليين. هنا نتوقف عند لمحة مهمة لابد من الاشارة اليها، وهي حساسية الفنان المبدع التي تجعله يختار لكل مقام مقالا، كما يقال، حيث نلاحظ أن الخطاطين العظام كانوا يحرصون على ان يربطوا في السياق المسجدي بين آيات بعينها والأماكن من المسجد التي ستشع هذه الآيات بسناها ونورها على المصلين منها، فنجد في المحاريب عادة قول الحق عز من قائل: «قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها». وفي الاسبلة يطل قوله تعالى: «إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا» وعلى المنابر يطل قوله سبحانه: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون» وعلى المأذنة نقرأ قوله: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون». وعلى واجهات المساجد والمدارس نطالع قوله: «إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك ان يكونوا من المهتدين». وفي قباب الأضرحة نقرأ قوله: «إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس واستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين». وبازاء التراكيب الرخامية القائمة فوق فساقي الدفن في هذه الأضرحة نرحل الى آفاق الدمع حين نقرأ حقيقة الحقائق في سيدة آي القرآن الكريم من قوله تعالى: «الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم» ونطل عبر الدمع على الحقيقة الكلية التي يعيش البعض منا عمره محاولا الهروب منها فهيهات، هيهات، حيث نقرأ قوله سبحانه: «كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام». وإذا كنا اليوم نستطيع الحديث عن أنواع عديدة من الخط أهمها: المشق، الكوفي، النسخي، الريحاني، الثلث، الفارسي، المغربي والديواني وغير ذلك كثير، فإن شيئاً من هذا ما كان ليتحقق لولا اجتياز عقبة كبرى، من المحقق أنها تشكل احدى المحطات التي سبق في صدر تناولنا لهذا الفن أن أشرنا الى ضرورة التوقف عندها طويلا قبل ان نتابع مسيرتنا مع تطور هذا اللون من الزخرفة الاسلامية في السياق المسجدي. شروق فجر التجويد يلفت د. غازي مكداشي في كتابه «وحدة الفنون الإسلامية» الى ذلك الارتباط المدهش بين تطور طرق تناول المسلمين لكلام الله رسماً في فن الخط وصوتاً في فن التجويد. وهذا الارتباط ـ في واقع الأمر ـ أكثر أهمية بكثير مما يمكن ان نتصور للوهلة الأولى. فمن المسلم به أن أهمية الكلمة في الاسلام تنبع من أساس الدعوة ذاتها، من معجزة الإسلام الخالدة على مر القرون، من القرآن الكريم ذاته، الذي هو كلام الله. ومنذ البداية المبكرة أدرك المسلمون الأهمية الفائقة لقراءة القرآن الكريم وحفظه، حقا إن الحق يقول: «إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» غير ان قول الحق هذا وما فيه من وعد حق إنما يسرى في القرون بالأخذ بالأسباب وفي صدرها تلقين القرآن شفاها وهو ما كان سائدا منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فنراه لما أكرمه ربه بالفتح المبين ودخل أم القرى خلف على أهلها معاذ بن جبل يقرئهم القرآن ويفقههم. لكن سرعان ما تبين أن ذلك وحده ضروري لكنه ليس كافيا، خاصة عندما استشهد عدد من ابرز حفاظ القرآن في المعارك التي خاضها المسلمون دفاعا عن دينهم، ومن هنا جاءت ضرور تدوين آي الذكر الحكيم في كل ما وقعت عليه أيدي المسلمين من رق وعظم وغير ذلك. ومع تعقد الحياة في المجتمع الإسلامي واتساع رقعة الدولة الإسلامية الناشئة لم يعد الحفاظ بالتواتر ولا التدوين البسيط كافيين، ومن هنا تم ابتكار طريقة التنقيط أو التشكيل في كتابة القرآن الكريم، وذلك بهدف تمكين أكبر عدد من الناس من القراءة بسهولة، وكما هو معروف كان أبو الأسود الدؤلي أول من فكر بوضع إشارات على الأحرف لضبط النطق الصحيح على أصول الاعراب، ومن بعده بوقت قصير حلت محل النقاط التي ابتكرها الحركات المعروفة الآن، أي الفتحة والكسرة والضمة، التي لايزال معمولا بها حتى اليوم. وابتكر المسلمون علوما عدة تعادل ما يعرف اليوم بعلم الألسنية. غير أن ثمة محنة تعرض لها المسلمون، وواكبت اطلاق التجويد في فني الخط والقراءة، هي التي عرفت بمحنة الإمام أحمد ابن حنبل، والتي استمرت ستة عشر عاما، هي الفترة من 218 هجرية إلى 234 هجرية (833 ـ 849 ميلادية) وقد تناولت هذه المسألة موضوع كلام الله، أي القرآن الكريم، هل هو مخلوق أم غير مخلوق. ولسنا بين يدي تفصيل القول فيها، ويكفي أن نشير الى ان المعتزلة كانوا من انصار الرأي الأول بينما تزعم الإمام ابن حنبل القائلين بالرأي الثاني. وثار جدال طويل عصف بالأمة، إلى أن أصدر الخليفة العباسي المتوكل أمره للمحدثين بأن يقولوا ما عندهم، فكان لذلك أثر جلي في نهاية دور المعتزلة. وقد برز رأي ثالث تزعمه أبوالحسن الأشعري، مفاده باختصار شديد ان كلام الله له اطلاقتان، اطلاق على الكلام النفسي أي الذاتي القديم، وهو القائم بذات الله سبحانه ولا يشبه كلامنا، أي أنه بلا حرف او صوت أو لغة، وإطلاقة على اللفظ المنزل على الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وهو الكلام المكون من حروف وأصوات، وهذا اللفظ هو الحادث. هذا التفسير الذي قال به الأشعري كان له اسهام حضاري مدهش، فهو يحل اشكالية تجويد كلام الله، أتاح للمقرئين والخطاطين قدرة وامكانية على التعبير وفجر مواهبهم في تحسين اللفظ المنزل، أي الحروف والأصوات في فن الخط رسما والتجويد صوتا. وفي هذا يقول القلقشندي عن فن الخط قولته الرائعة في كتابه «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» إن: «الخط الحسن يزيد الحق وضوحا. وعن ارتباط الخط باللفظ في القرآن الكريم يقول: «حسن صور حروف الخط شبيه بحسن مخارج اللفظ العذب في السمع». هذا كله ما كان يمكن إلا أن يكون زاداً لمبدعي الخط لا في ابداعهم للمخطوطات فحسب، وانما في قفزتهم من الورق الى الحجر. وإنما أردت مثالا على صحة ما نقول فتأمل مقياس النيل بالروضة، الذي يعود الى عام 247 هجرية (861 ميلادية) حيث تألف فيه الخط الكوفي على نحو بديع. وهذا الخط الكوفي نفسه أخذ خلال العصر الفاطمي في نهاية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) شكلا جديدا، عرف بالكوفي المورق والكوفي المزهر، وتواصلت تجليات هذا الشكل حتى نهاية ذلك العصر، وهي النهاية التي تزامنت مع اطلالة طور جديد من الكتابات العربية، عرفت اجمالا بخط النسخ، ونرى من نماذجه المشرقة في مصر تلك التي بقيت لنا فيها حروف نسخية تطل من قلب الكتابات الكوفية في جامع الصالح طلائع بالقاهرة الذي يعود إلى عام 555 هجرية (1160 ميلادية). ولا بد لنا من ملاحظة انه في ذلك العصر كانت الكتابة تبدع بارزة على الجص في حالة الجدران المبنية بالآجر، أو يتم ابداعها بالحفر البارز في حالة الجدران المبنية بالحجر، وذلك مع انتهاء النص في الحالتين كلتيهما بحلية جانبية، ثم ما لبث هذا الخط النسخ أن شاع استخدامه في النصوص التاريخية خلال العصر الأيوبي مع استمرار استخدام الخط الكوفي في كتابة آيات الذكر الحكيم. وما دمنا قد تحدثنا عن مسيرة ابداع الخط في العمائر المصرية، فدعنا نواصل رحلتنا، حيث نلاحظ انه في عصر المماليك البحرية استعمل خط الثلث جنبا إلى جنب مع خط النسخ، وهما لونان من ابداع الخط متشابهان إلى حد كبير باستثناء أن زوايا حروف الأول أكثر ليونة من حروف الثاني، فضلا عما يشير إليه الخبراء والعارفون بأسرار الخط من تميز خط الثلث بكثرة تشكيل الحروف وتداخل الكلمات بما يثبت قدرة الخطاط الذي قام بكتابتها وبما يحقق تجاوز الفراغ بين الحروف بصورة ابداعية. في عصر المماليك البحرية، ذاع استخدام خط النسخ في آيات القرآن الكريم، وانتشر استخدام خط الثلث في النصوص التاريخية، أما الخط الكوفي فقد أصبح نادر الاستخدام حقا، ما عدا ما وجد منه في بعض الآيات القرآنية، على نحو ما نجد في بعض العمائر المنتمية إلى هذا العصر، ومنها ما هو قائم في جامع المؤيد الذي يعود إلى الأعوام 818-823 هجرية (14151420) وقبة يشبك بن مهدي التي تعود إلى عام 882 هجرية (1472 ميلادية) ومدرسة السلطان الغوري العائدة إلى أوائل القرن العاشر الهجري (أوائل القرن السادس عشر الميلادي). وهذه البذرة المشار إليها بالنسبة للخط الكوفي في عمائر هذه المرحلة لا ينبغي أن يفهم منها أو يستنتج اختفاء ذلك الخط، حيث يشير الاختصاصيون إلى وجود كتابات كوفية في صحن مدرسة الغوري التي أشرنا إليها حالا. كذلك وجدت كتابات كوفية وثلثية جنبا إلى جنب في قبة برقوق بخانقاه ولده الناصر فرج، استعملت الكوفية منها للنص التاريخي بينما استعملت الثلثية لآيات الذكر الحكيم. ومن الناحية الفنية، تلفت نظرنا حقيقتان في بعض كتابات عمائر مصر الأثرية: أ ـ استخدام الألوان في بعض الكتابات الأثرية خلال العصرين الفاطمي والمملوكي، وأبرز أمثلة هذا الاستخدام نجدها في مشهد السيدة رقية بالنسبة للعصر الفاطمي وفي العروق الخشبية في قبة الناصر محمد بن قلاوون بالنسبة للعمائر المملوكية البحرية. أما بالنسبة للعمائر المملوكية البرجية فنجدها في قبتي خانقاه فرج بن برقوق. ب ـ عرفت الكتابة التاريخية بوجهيات العمائر الأثرية الاسلامية في مصر بلفظ «طراز» وأبرز أمثلته المملوكية البحرية نجدها في وجهية قبة قلاوون، وأمثلته المملوكية البرجية نجدها في الايوان الشرقي بمسجد القاضي يحيى زين الدين في بولاق وغيرهما كثير. وتظل تتواصل المحطات التي نتوقف عندها في مسيرة متابعتنا للرقش أو الخط أو الكتابة باعتباره الموضوع الرابع للزخرفة الاسلامية في سياقها المسجدي، وأبرز هذه المحطات هي تلك المتعلقة بالأسباب الستة الكامنة وراء النجاح الكبير الذي حققه هذا الفن وكفل له الانتشار الهائل في العمارة الاسلامية الذي نجده ملء الآفاق حيثما مضينا في أرجاء دار الإسلام. وما دمنا هنا قد تعرضنا للحديث عن الكلام، ألا يجدر بنا أن نتذكر ما قاله الكلاباذي وأن نقف عنده ونتأمله طويلا: «من تكلم بالحروف فهو معلول ومن كان كلامه باعتقاب فهو مضطر».