الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 الحمد لله الذي بعث أنبياءه مبشرين ومنذرين والصلاة والسلام على خاتمهم محمد الأمين وبعد، سورة الأنبياء من السور المكية وعدد آياتها مئة واثنتا عشرة آية وهي السورة الحادية والسبعون في ترتيب نزول السور نزلت بعد حمّ السجدة وقبل سورة النحل، ووجه تسميتها سورة الأنبياء انها ذكر فيها أسماء ستة عشر نبياً ومريم ولم يأت في سور القرآن مثل هذا العدد من أسماء الأنبياء في سور من سور القرآن عدا ما في سورة الانعام، فقد ذكر فيها اسماء ثمانية عشر نبياً، فإن كانت سورة الأنبياء هذه نزلت قبل سورة الأنعام فقد سبقت بالتسمية بالاضافة الى الأنبياء وإلا فاختصاص سورة الأنعام بذكر أحكام الأنعام أوجب تسميتها بذلك الاسم فكانت سورة الأنبياء أجدر من بقية سور القرآن بهذه التسمية. وهي كغيرها من السور المكية، تهدف الى اثبات عقيدة الإسلام في نفوس المشركين فتراها تعرض لأقوالهم، وترد عليهم مهددة منذرة، وتلفت الانظار للكون وما فيه حتى يستدل بذلك على خالقه، ثم تعرض لقصص بعض الأنبياء للعبرة والعظة، وهي في البداية والنهاية تصور بعض مشاهد يوم القيامة بأسلوب قوي مؤثر، فكان مقصودها الاستدلال على تحقق الساعة وقربها ولو بالموت، ووقوع الحساب، على الجليل والحقير، لأن موجودها لا شريك له يعوقه عنها وهو من لا يبدل القول لديه، والدال على ذلك اوضح دلالة: مجموع قصص جماعة ممن ذكر فيها من الأنبياء عليهم السلام. ولا تستغل قصة منها استغلالاً ظاهراً لجميع ذلك ولا تخلو قصة من قصصهم عن دلالة على شيء من ذلك، فنسبت الى الكل فأخذ الأنبياء فدل مقصود اسم السورة على مضمونها. لأن بعض الأنبياء ذكروا مفردين في أسماء سور أخرى مثل ابراهيم ونوح ومحمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت سورة الانبياء وحوت هذا العدد لتوضح دلالة مقصود رسالة الانبياء وانها واحدة كلها تدعو الى الايمان بالله وعبادته كما شرع سبحانه وتعالى وعلى طريقة رسله عليهم السلام الذين ذكر جزء منهم في هذه السورة التي اخذت اسم (الانبياء) وهم: ابراهيم واسحاق ويعقوب ولوط ونوح وسليمان وداود وأيوب واسماعيل وصالح ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وموسى وهارون ومريم. ومن جهة اخرى وبعد ذكر هذا العدد من الانبياء وكلمة الانبياء اخذت عنوان السورة التي سميت بالانبياء وفي هذا دلالة على اهمية مقاصد اسماء السور فهذه السورة (الانبياء) ارادت تذكير هذه الامة ومن حولها ان الانبياء عليهم السلام اهل دعوة واحدة وان هذه السورة تعالج الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السور المكية وهو موضوع العقيدة تعالجه في ميادينه الكبيرة: ميادين التوحيد والرسالة والبعث. وسياق السورة يعالج ذلك بعرض النواميس الكونية الكبرى وربط العقيدة بها، وذلك من خلال ربط العنوان الأنبياء بالمضمون في كيفية الدعوة للعقيدة من خلال هذه الآيات التي تدعو الناس للتفكر بقلوبهم وأبصارهم وأفكارهم بين مجالي الكون الكبرى: السماء والأرض، الرواسي والفجاج، الليل والنهار، الشمس والقمر، موجهاً سبحانه وتعالى من خلال انبيائه في دعوة العباد ولفت انظارهم الى وحدة النواميس التي تحكمها وإلى دلالة هذه الوحدة على وحدة الخالق المدبر لهذه الحياة وإلى وحدة النهاية التي ينتهي اليها الأحياء والعباد لا يفهمون ذلك إلا من خلال الإيمان عن طريق الرسل والأنبياء ومنهم ما استعرض في هذه السورة من أمة الرسل الواحدة في سلسلة طويلة لذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام. وفي هذا الاستعراض تتجلى المعاني في سياق السورة. وفي صوره واقع حياة الرسل والدعوات لتتجمع السورة على هدف واحد، وهو استجاشة القلب البشري لإدراك الحق الأصيل في العقيدة التي جاء بها خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم فلا يتلقاها الناس غافلين معرضين لاهين كما يصفهم في مطلع السورة (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون. ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوه وهم يلعبون. لاهية قلوبهم...) فيشير المقصد القرآني في عنوان السورة (الأنبياء) ان هذه الرسالة حق وجد. كما ان هذا الكون حق وجد، فلا مجال للهو في استقبال الرسالة ولا مجال لطلب الآيات الخارقة، وآيات الله في الكون وسنن الكون كله، توحي بأنه الخالق القادر الواحد والرسالة والأنبياء من لدن ذلك الخالق القادر الواحد. فإذن لماذا كل هذا التكبر والمغالطة لدى البشر. فنقول هي سنة الله في خلقه فلو شاء الله لهدى الناس جميعاً، وعليه يتضح لنا أهمية سورة الانبياء وان عنوان السورة يدعو للتأمل والتفكر في اسم الأنبياء لأنهم حملة الرسائل من المرسل الحق الى العباد عن طريق أنبياء حق ليس فيهم ضلالة ولا كذب. ومن هنا تأتي سنة الله في خلقه فمنهم من يصدق ويتبع الحق ومنهم من يكذب ويتبع الباطل وهذا الوضع قائم من زمن الرسالات الى يومنا هذا ونحن نرى هذه المزاحمة في كثرة الاختلاف حول صدق دعوة الناس ومدى التمسك بها ثم يأتي دور الحسرة والندامة عندما يحل العذاب بالناس عندما يكذبون الرسل وهذا حين استمرار الانبياء فكيف اذا انتهت الرسالات بختم الدين برسالة الاسلام الخالدة الباقية كيف يكون حال من كذب وحارب الرسالة المحمدية واتباعها كما هو حادث اليوم؟! فهذا الوضع الراهن لا يزول الا اذا وقفت الأمة صاحبة الرسالة وغيرت حالها من أمة مدعوة إلى أمة داعية فإذا تغيرت وأصبحت داعية لهذا الدين عند إذن يحل الخير بهذا الكون واتباعه من البشر لأن الرحمة تنتشر بينهم عن طريق نبي الرحمة الذي ختم به الانبياء عليهم السلام وفي اسم الانبياء الكثير ولكن في هذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين. د. سيف الجابري