الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 الحضارة تراث إنسانى مشترك ساهمت فيه الأمم والشعوب كل بحسب طاقتها وجهدها وبالتالى الحديث عن الطب الذى نقله المترجمون فى بداية حركة الترجمة فى العصر الأموى منذ الأمير خالد بن يزيد الذى طلب من المترجمين، ترجمة كتب فى الكيمياء والطب عن الأمم السابقة قبل الإسلام على أنه طب يونانى هو من قبيل المغالطة لأنه ينكر جهود الحضارات الشرقية القديمة التى كانت أساسا للحضارة اليونانية كالحضارة المصرية القديمة وحضارة بابل وآشور فى بلاد الرافدين وكذلك الحضارة الصينية والهندية القديمة وهذا ما أكدت عليه الدراسات الحديثة وخصوصا فى الغرب التى أثبتت أثر تلك الحضارات القوى والمؤثر فى قيام الحضارة اليونانية وتغلغل تلك الحضارات الشرقية فى جميع جوانب وأركان الحضارة اليونانية. وبالتالى تسمية الطب الذى تمت ترجمته إلى اللغة العربية والذى طوره العلماء المسلمين بأنه طب يونانى مخالف للواقع وللحقائق العلمية والتاريخية ولن ننساق وراء هذه المغالطات التى قبلها بعض الباحثين على أنها من قبيل المسلمات فأصبح يسمى هذا القسم من الطب الذى نهض علماء المسلمين بتطويره باسم الطب اليونانى فيه هضم وإغفال دور الحضارات الشرقية القديمة وجهودها فى هذا المجال هذه مجرد ملاحظة أولية أردت أن أسجلها فى البداية لتصحيح بعض الأخطاء الشائعة فى الحديث عن التراث العلمى فى الحضارة الإسلامية حتى وإن صاروا على خطى أبقراط وجالينوس وغيرهم من كبار الأطباء فى التراث الإنسانى باعتبارها قواعد عامة وأسساً علمية لعلم الطب لكن رغم هذا كان للعلماء المسلمين دورهم وجهودهم التى شهد بها الجميع وليس من قبيل المبالغة القول أنه لولا هذه الجهود لضاع هذا العلم أو كاد ومما يؤكد هذا أن كتاب القانون فى الطب لابن سينا ظل هو المرجع الأساسى لدراسة الطب فى الجامعات الأوربية حتى القرن السابع عشر الميلادى. لقد عرف العرب الطب قبل الإسلام وكان لهم أطباؤهم المشهورون كالحارث بن كلدة الثقفى وأبو عبد الله الكفيف وابن حديم وابن رمثة التميمى وغيرهم وهذا أمر طبيعى فالطب أمر لصيق بحياة الإنسان اليومية ولا يمكن لأمة أن تعيش دون طب أو أطباء. وعندما انتشر الإسلام خارج الجزيرة العربية كان هناك أطباء خصوصا فى المناطق الحضارية كمصر وبلاد الشام والعراق وكان معظم هؤلاء الأطباء من النصارى وقد عمل بعضهم فى بلاط بعض الحكام والسلاطين وكان للنصارى دور كبير فى ترجمة العلوم من السريانية وغيرها ثم مع نهضة الحركة العلمية فى الإسلام كان الطب من بين العلوم التى نبغوا فيها وأضافوا فيه الكثير من الاختراعات وطوروا فيه كثيرا من الموضوعات. وقد أشار المؤرخون إلى الموضوعات الجديدة التى ابتكرها الأطباء المسلمين ولم يتقيدوا فيها بأراء جالينوس ومن ذلك أنهم لم يتقيدوا بأراء جالينوس فى علاج البرودة بالحرارة أو الحرارة بالبرودة ولكنهم عالجوا البرد بالبرد فى بعض الأحيان كما جمعوا بين الحمية والتبريد والترطيب وعرفوا معالجة العديد من الأمراض مثل الجذام والجدرى والحصبة وأمراض العين. ومن جهة أخرى كان العرب أول من استخدم المخدر فى العمليات الجراحية كما استخدموا المواد الكاوية فى الجراحة ونبهوا إلى شكل الأظافر عند مرضى السل وقاموا بمعالجة خلع الكتف بالطريقة المعروفة فى الجراحة برد المقاومة الفجائى، وكانوا أول من ألف فى مرض الجذام وعملوا على إصلاح الخلل الضبى وتقوس الأسنان وعالجوا البواسير وعالجوا التهاب اللوزتين الحاد بالجراحة والاستئصال®. وقد اشتهر من الأطباء المسلمين عدد وفير ألفت فى ترجمتهم وتسجيل أعمالهم مؤلفات عديدة مثل كتاب: «عيون الأنباء فى طبقات الأطباء» لابن أبى أصيبعة وكتاب: «طبقات الحكماء والأطباء» لابن جلجل الأندلسى وكتاب: «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» للقفطى.أما أشهر الأطباء الذين عرفوا فى الحضارة الإسلامية فمنهم أبو بكر الرازى وابن سينا وابن رضوان وابن الجزار وابن بطلان وابن النفيس والزهراوى وعلى بن العباس المجوسى وموفق الدين البغدادى وابن البيطار وعلى بن عيسى الكحال ويكفى أن نشير إلى ما أضافه بعض هؤلاء الأعلام فى مجال تطوير علم الطب. فالرازى الطبيب على سبيل المثال صاحب موسوعة الحاوى وهو كتاب فى عشرين مجلدا وكان فى بداية أمره مهتما بالكيمياء وله فيها إضافات مهمة مثل اكتشاف زيت الزاج (حامض الكبريتيك) والغول (الكحول) وكانت لمعرفته بالكيمياء أثر كبير على طبه وذلك حيث كان ينسب الشفاء إلى التفاعلات الكيميائية التى تجرى فى الجسم،كما ألف رسالة مهمة فى الجدرى والحصبة تعد أول رسالة حوت معلومات دقيقة ومهمة عن هذين المرضين باعتبارهما من الأمراض الجلدية. وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية وصاحب موسوعة متنوعة فى الطب العربى يسعى الدكتور يوسف زيدان إلى تحقيق تراثه وإخراجه بصورة متكاملة عن المجمع الثقافى بأبى ظبى بمنحة كريمة من دولة الإمارات العربية المتحدة. وللفيلسوف المصرى علي بن رضوان أراء نافذة وسابقة لعصرها عن ما يسمى الآن طب البيئة من حيث اختيار مكان السكنى وشروط التهوية وأثر المناخ على الطعام وغيرها من الآراء التى ضمنها كتابه المهم «دفع مضار الأبدان بأرض مصر«. الذى ترجم إلى العديد من اللغات وأجريت حوله الكثير من الدراسات وقد ترك ابن رضوان تراثا طبيا ضخما يقدرها الباحثون بحوالى 64 مؤلفا بين كتاب ورسالة ومقالة. وقد عرف عن البلدى الطبيب براعته فى طب النساء والتوليد وله كتاب مشهور فى هذا المجال وهو «تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وحفظ صحتهم ومداواة الأمراض العارضة لهم» ويحتوى هذا الكتاب على معلومات قيمة عن الحامل ورعايتها ورعاية طفلها. وفى مجال طب العيون برزت أسماء أمثال ابن الهيثم عالم البصريات الشهير وابن الكحال صاحب كتاب «تذكرة الكحالين» الذى يعده الباحثون خطوة متقدمة تعكس مدى التقدم الذى وصل إليه الطب فى هذا المجال المهم فى ظل الحضارة الإسلامية. وهناك ابن الجزار الذى برع فى أمراض الجهاز الهضمى وفى علم الأدوية وألف فى ذلك العديد من المؤلفات المهمة مثل كتاب «اعتماد الأدوية المفردة وزاد المسافر وقوت الحاضر». هذه فقط مجرد نماذج تعكس مدى الدقة التى وصل إليها المسلمون فى هذا التخصص المهم ومدى اهتمامهم بالتأليف فى هذا المجال. ويتميز الطب فى التراث الإسلامى بمجموعة خصائص مهمة نشير إليها على النحو التالى: 1 ـ الاعتماد على الملاحظة والتجربة: تميز الطب فى التراث الإسلامى بالاعتماد على الملاحظة والتجربة وذلك عن طريق تدوين الملاحظات المتكررة عن المرض المعين وإجراء التجارب على الظاهرة المرضية حتى إذا تأكد ذلك أصبح حقيقة علمية سواء فى تشخيص المرض أو فى وصف العلاج وقد ثبت ذلك عن عدد كبير منه كالرازى وابن سينا وعلى بن العباس المجوسى وقد دونوا ذلك كله فى مؤلفات مازالت تحتفظ بقيمتها العلمية حتى يومنا هذا،وهكذا عرف الأطباء المسلمون مبكرا الطب الإكلينيكى. 2 ـ الموضوعية والنقد: عرف عن الطب العربى اهتمامه أنه لم يتلق آراء السابقين فى الطب التى وصلت إليهم عن طريق الترجمة بالتسليم التام أو الانبهار ولكنهم أخضعوا تلك المعلومات للفحص والنقد فما تعارض منها مع الملاحظة والتجربة وهذا ما نبه عليه العديد منهم كالرازى وابن سينا وابن الجزار وابن رضوان وعلى بن العباس المجوسى فى مؤلفاتهم الكثيرة التى حوت العديد من النقد لآراء جالينوس وأبقراط كما أكدت ذلك العديد من المؤلفات الحديثة عن الطب فى التراث الإسلامى. 3 ـ التخصص الدقيق: من الخصائص التى تميز بها الطب العربى ظهور التخصص الدقيق، فبعد أن كان الطبيب يمارس مهنته على العموم ظهر فى ظل الحضارة الإسلامية الاتجاه إلى التخصص فالحسن ابن الهيثم مثلا عالم البصريات الشهير تحدث فقط عن أمراض العين وابن الكحال تخصص أيضا فى أمراض العيون وابن الجزار الذى تخصص فى أمراض الجهاز الهضمى والزهراوى اشتهر بالجراحة وكتب عن كيفية استخدام الأدوات الجراحية التى مازالت تستخدم حتى اليوم،ومنها منظار المهبل والحقن المعدنية ومعالق فحص اللسان والحلق وهو أول من نجح فى عملية شق القصبة الهوائية وإيقاف نزيف الدم عن طريق ربط الشرايين الكبيرة. فى ظل حركة الترجمة التى ازدهرت فى الغرب فى القرن العاشر الميلادى عن طريق نقل التراث الإسلامى فى مختلف فنون المعرفة إلى اللغة اللاتينية باعتبارها لغة العلم فى أوروبا فى ذلك الوقت كانت جهود العلماء والأطباء المسلمين فى ميدان التأليف الطبية من بين العلوم التى ترجمت. وقد تمت حركة الترجمة إلى اللغة اللاتينية من خلال اتصال الأوروبيين فى أسبانيا فقد تتلمذ العديد من الأوروبيين على يد المسلمين فى الأندلس ونقلوا علومهم كما تم نفس الشيء فى صقليا، وحينما التقى الأوروبيون بالمسلمين فى الحروب الصليبية انبهروا بالتقدم الذى وجدوه فى الشرق فأرادوا معرفة سر ذلك التقدم فى البلاد الإسلامية عن طريق ترجمة أعمالهم والدليل على ذلك أن معظم مخطوطات التراث العربى الإسلامى موجودة فى الجامعات ودار الكتب الغربية فى أسبانيا وفرنسا وانجلترا وهولندا وألمانيا وروسيا وغيرها من الأماكن. كما كان هناك الرحالة الذين يأتون إلى بلاد الشرق للتلمذة على يد العلماء المسلمين ونقل خبراتهم إلى ديارهم حين يرجعون قافلين إلى ديارهم، وفى المقابل وجد بعض العرب الذين كانوا يقومون برحلات أيضا إلى البلاد الغربية ونقل خبراتهم العلمية والطبية إلى هؤلاء الأوروبيين وأشهر من عرف عنه ذلك ثيودر الأنطاكى الذى تتلمذ على يد ابن يونس فى الموصل فقرأ عليه مؤلفات ابن سينا والفارابى والمجسطى، ثم رحل إلى بغداد حتى أتقن علم الطب وبعدها رحل إلى أرمينيا ثم إلى الأمبراطور فردريك الثانى ملك الفرنج فعمل فى بلاطه وترجم له بعض مؤلفات ابن سينا ومنها كتاب نواميس الطبيعة الذى اشتمل على كتاب البول. أما هجرة الأطباء المسلمين إلى كل من صقلية وأسبانيا فمشهورة ومعلومة ولا تحتاج إلى تفصيل. وقد شهد بفضل التراث العلمى فى الحضارة الإسلامية على نهضة أوروبا المعاصرة العديد من المستشرقين أمثال زنجرد هونكة فى كتابها الشهير «شمس الإسلام تسطع على الغرب» وغيرها كثير من المنصفين الغربيين،ويكفى أن نشير فى هذا الصدد إلى أن تاريخ العلوم عند المسلمين تخصص أساسى فى الجامعات الغربية حتى يومنا هذا. وقد ظلت جهود المسلمين فى الطب هى المنهل الأساسى الذى استفاد منه الأوروبيين فى نهضتهم الطبية الحديثة فعلى سبيل المثال ظل كتاب ابن سينا القانون فى الطب هو المرجع الأساسى فى دراسة الطب فى الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر الميلادى. د. أحمد عرفات القاضي